الدرس في شرح اللآلئ البهية 20، الدرس العشرون : فيه : ( فصل ولما فرغ الناظم من الكلام ... وإحاطته ورؤيته إلى غير ذلك من الآيات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح ابن تيمية لآيات وأحاديث الصفات مع الإيمان بظاهرها وتفويض الكيفية إلى الله. يوضح معاني الصفات الإلهية مثل اليمين والمعية والمحبة والغضب والرضا.
يناقش مفهوم مرور النصوص المتعلقة بالصفات كما جاءت دون تأويل أو تحريف. يبين أن مذهب السلف هو إثبات الصفات كما وردت في النصوص الشرعية.
يتناول مسألة الاستواء واختلاف العلماء فيها، مع إثبات صفة الاستواء والعلو لله تعالى من خلال الأدلة من القرآن والسنة. يبرز اختلاف طوائف التعطيل في نفي هذه الصفة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى، في شرح الألفية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فصل: ولما فرغ الناظم من التلام على آيات الصفات وأحاديثها، أخذ يتكلم على مسألة الاستواء وما يجب اعتقاده فيها، فقال: «وجميع آيات الصفات أمرها حقا كما نقل الطراز الأول». قال: «وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل قبحا لمن نبذ القرآن وراءه». وإذا استدل يقول: «قال الأخطل». هذا الفصل سعى خمسين. وكقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾، هذا ما أخذنا طيب. قال رحمه الله تعالى: «وكقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وكقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وكقوله: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وكقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ونحو ذلك من الآيات والحديث مما صح سنده». يعني كأنه يشير للحديث الذي سبق: «حديث ارحم من في الأرض». قال: «فكل ذلك مما يجب الإيمان بظاهره وتفويض معناه». هذا مر معناه، أظنه. وقلنا: «أن تفويض معناه خطأ، بل الصواب أن معناه معروف، ولكن يفوض الكيف». فالكيف مجهول، ومعنى التفويض: أي أن نقول أن الله أعلم بذلك، نفوضه أي نرده إلى الله. أما المعنى فهو معلوم عندنا، أما الكيفية فهي مجهولة نفوضها إلى الله، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين. وقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، في إثبات اليمين لله عز وجل. وأما حديث: «أن أحد يديه الشمال»، فجاء من حديث في صحيح مسلم، ذكر الشمال، ولكنه شاذ في قول بعض أهل العلم، لأنه شذ به عمر بن حمزة. وأكثر الحديث ليس فيها ذكر الشمال، والذي صح هو ذكر اليمين: «كلتا يديه ربي يمين». واليمين معلوم المعنى، لكن الكيف الله أعلم به، «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». وهكذا المعية: «إن الله مع الصادقين»، و«إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون». والمعية معيتان: معية عامة، وهي المراقبة والإحاطة بكل المخلوقات: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابع، ولا خمسة إلا هو سادس، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كان». ومعية خاصة تكتفي النصر والتأييد، لقول الله عز وجل: «إن الله مع الصادقين»، يعني يعينهم وينصرهم. «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»، معية عامة فيها الإحاطة والمراقبة، وفيها كذلك النصر والتأييد. وهكذا: «يحبهم ويحبونه»، إذ بات المحبة لله عز وجل أن الله عز وجل يحب ويحب، ولا ينافي ذلك كمال الرب سبحانه وتعالى، بل هذا من كماله سبحانه أنه يحب ويحب. وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفتين كما جاء بها نص القرآن والسنة. وهكذا الغضب: «غضب الله عليه»، نؤمن به ونعرف معنى الغضب. ما من عربي عرف اللسان العربي إلا ويعرف معنى الغضب، ويعرف معنى الحب، ويعرف معنى المعية، ويعرف معنى اليمين، ولكن الكيفية مجهولة: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». وهكذا الرضا: «رضي الله عنهم ورضوا عنه»، الرضا معلوم المعنى، ولكن الكيفية ما نعرفها: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». فقوله رحمه الله: «وتفويض معنى» خطأ، والصواب أنه معلوم المعنى. ما من شيء من الصفات إلا وهو معلوم المعنى. قال: «وتفسيره إلى الله تعالى لا يفسر ولا يؤول». إذا أريد بالتفسير صرف اللفظ عن ظاهره بالدخول في التأويل أو الدخول في التعطيل، فهذا صحيح. والتأويل كما مر معنى صرف اللفظ عن ظاهره، هذا التأويل بإصلاح المتأخرين، وهو قطعا بدعة. وأما إذا أريد بالتفسير أن نعرف الغضب بما يفهم من اللسان العربي، وهو ضد الرضا، فهذا ليس بصحيح. بل الصحيح أننا نفسره ونعرفه، نعرف الغضب إذا قيل: «ما هو الغضب؟» قيل: «الغضب هو ضد الرضا، هو بمعنى الصدف». وهذا شيء معلوم المعنى. قال: «بل تفسيره قراءته». هكذا كذلك نقول في هذه الجملة: «قراءته»، يعني أنه معلوم المعنى باللسان العربي. قال: «وإمراره على ظاهره من غير تعرض، من غير تعرض لمعنى، لا نصرفه بتمثيل ولا بتعطيل». قال: «وقد علمت اتفاق السلف على الإقرار والإمرار». الإقرار يعني إقرار النصوص، أثبتوها. وإمرارها يعني لا يتعرض لها لا بغلو في إثبات فيصلون إلى التمثيل، ولا بغلو في التنزيل فيصلون إلى التعطيل والتحريف. وكل الأمرين بدعة منكرة. بل كانوا يقولون: «أمروها كما جاءت». قال: «ذكره الموفق في العقيدة». قال: «فلذلك قال الناظم: ولا أتأول»، يعني لا أتعرض لهذه النصوص بشيء من التحريف، ولا أصرفها عن ظاهرها. قال: «ذلك مما مر من الآيات والأحاديث الواردة في الصفات، وسيأتي بهذا الكلام تتمة». وقوله: «والسكوت أسلم»، يشعر بقاعدة باطلة: أن مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم. وهذا خطأ قد ردها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعدد من كتبه. والصحيح أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم، لأنهم يزعمون أن مذهب السلف التفويض: أن يقال الله أعلم بهذا المعنى، أي في الأسماء والصفات. ويزعمون أن مذهب الخلف التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فزعموا أن هذا مقتل العلم، وهو صرف اللفظ عن ظاهره لأنه التنزيه للرب. وزعموا أن طريقة السلف بالسكوت هي الأسلم. وهذا خطأ. ولهذا فإن الصواب بذلك أن نمرها كما جاءت، بمعنى نجتنب التمثيل ونجتنب التعطيل، نجتنب التمثيل ونجتنب التعطيل. فقوله رحمه الله: «ذلك مما مر من آية الحديث الواردة في الصفات». قوله رحمه الله: «والسكوت أسلم»، أي أن هذا مذهب السلف. هذا خطأ، والصواب أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم. ثم قال رحمه الله تعالى: «فصل فيما قرأنا من الأبيات». ثم قال: «وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل قبحا لمن نبذ القرآن وراءه». وإذا استدل يقول: «قال الأخطل». قال: «وجميع آيات الصفات»، أي الواردة في الكتاب والسنة مما تقدم ذكره. ويريد رحمه الله تعالى أن هذه الآيات الواردة في الصفات، وهكذا في الأسماء، من الأولى تمر كما جاءت. ومعنى تمر كما جاءت، كما مر معنا، ليس معناها التفويض، ولكن معنى عدم التعرض لها بشيء من التعطيل، لا بتمثيل وتشبيه في الصفات المخلوقين، ولا كذلك بتحريف وتأويل، وهو بالحقيقة التعطيل لما وردت به النصوص الشرعية. بل الصحيح أن تمر كما جاءت، يثبت كما جاءت. قال رحمه الله تعالى: «كذلك هو أنقى المباشرة إلى ذكر مبحث الاستواء». وقد ذكر في الأبيات مجموعة من المسائل، منها: كذلك أننا نمرها كما جاءت، كما نقل الطراز الأول، يعني السلف الصالح الجيل الأول الذين أثنى عليهم نبينا عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وقوله: «وَأَرُدُّ عُهْدَتَهَا إِلَى نُقَّالِهَا»، يعني إذا صح الحديث فهو مذهبي. «أَرُدُّ عُهْدَتَهَا إِلَى نُقَّالِهَا»، فلذلك نحن نثبتها إثبات وجود، إذا ثبت النص أثبتنا الصفة. كل نص ثبت بصفة أثبتناها لله عز وجل. وهذا معنى أن ثبوت الحكم ثبوتا لثبوت النقل. «وَأَرُدُّ عُهْدَتَهَا إِلَى نُقَّالِهَا»، وأصونها عن كل ما يتخيل. الشيطان يلقي في قلب الإنسان خيالات، إما خيالات تمثيل وتشبيه، وهذا باطل: «ليس كمثله شيء». وإما خيالات تنزيه، ويكون بذلك التعطيل. وهنا يأتي الجزء الثاني من الآية: «وهو السميع البصير». فلا نحن نمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا نحن كذلك نحرفها فننفي هذه الصفات. ولهذا قالوا: «أصونها عن كل ما يتخيل». والخيال يأتي إما غلو في التمثيل بعد الفرار من التنزيه، يظن أن التنزيه الذي زعمه المعطلة النفاة للصفات خطأ، فيريد أن يثبت فيغلو بالإثبات فيقع بالتمثيل. وهكذا كذلك العكس الذي وقع في التعطيل، فر من التمثيل. وكل الطائفتين على خطأ. والصواب كما قال رحمه الله: «أمرها حقا كما نقل الطراز الأول». فالذي نقل عن السلف الصالح هو إثباتها إثبات وجود، لا نعرف كيفيتها، ونعرف معناها. وقوله: «قبحا لمن نبذ القرآن وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل». ويريد لذلك كما سيأتي إن شاء الله، أنهم نبذوا ما دلت عليه أدلة القرآن من إثبات الصفات عموما، وصفة الاستواء خصوصا. ثم لترى المؤلف رحمه الله بعد بعض ذلك قال رحمه الله: «اعلم وفقك الله تعالى أن هذه المسألة»، يعني مسألة الاستواء، «مسألة عظيمة قد اختلف فيها اختلافا كثيرا». وظلت فيها طوائف من الجهمية والمعتزلة، بل اتفقت طوائف التعطيل على نفي هذه الصفة. الجهمية ومن بعدهم من المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كلهم ينفونها، هذه الصفة، على أنها صفة تواترت الأدلة في إثباتها. حتى قال ابن القيم رحمه الله: «إن الأدلة الواردة في إثبات صفة العلو، وفي ضمنها الاستواء طبعا، إثبات العلو أكثر من ألف دليل في أكثر من عشرين نوع». عشرين نوعا من الأدلة، مثلا: الصعود نوع، النزول نوع، التوفي والرفع، أي عيسى عليه الصلاة والسلام نوع، وهكذا أكثر من عشرين نوعا في أكثر من ألف دليل. وهؤلاء جميعا اتفقوا على نفي هذه الصفة، صفة العلو. وأشد منها صفة الاستواء، والاستواء وهي أخص من الأولى. فالأولى صفة ذات العلو، والاستواء صفة فعل. قال رحمه الله تعالى: «والصواب فيها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام وأئمة السلف الأعلام»، يعني من إثبات هذه الصفة كما دلت عليها دلالة القرآن والسنة. قال: «فأشار الناظم في هذا البيت لمسألة الاستواء، وهي أن الله سبحانه وتعالى، فالاستواء على عرشه من فوق سماواته، استواء يليق بجلاله». كما ورد ذلك في الآيات والأحاديث النبوية، والنصوص السلفية مما لا يحصر. فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر أئمة الدين. لأن الله تعالى مستو على عرشه، بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال المصنف رحمه الله في كتاب الحموية: «والشاهد ثم استوى على العرش». قال: «فقوله ثم استوى على العرش، تثبت إبطاء القول المعطل». الجهمية الذين يقولون: «ليس على العرش استواء، وأن الله ليس مستويا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم، ولا رفع إليه المسيح، ويعرج برسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه». قال: «ولا ينزل من عنده جبريل بوحي من الله تعالى». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ الآية. وقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ الآية. قال: «لإفادة فيها عموم علمه وقدرته وإحاطته ورؤيته»، إلى غير ذلك من الآيات. يعني مع ذكر الاستواء، وهذه الآيات كلها تدل على إثبات صفة الاستواء لله عز وجل، وهي صفة فعل. وصفة الاستواء تتضمن وكذلك تشير إلى صفة العلو. ولهذا بعض أهل العلم يجمع في صفة العلو ذكر الأدلة الواردة في صفة الاستواء. وهذا ما أراده المؤلف رحمه الله: إثبات العلو بذكر مسألة الاستواء، لأن مسألة الاستواء هي أشد ما وقع فيها أهل البدع. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.