الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 65

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 65

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 65، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الرد على أهل الكتاب

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ادعاءات أهل الكتاب حول تناقض الأنبياء ويبين أنهم كلهم صادقون. يتناول كيفية الرد على احتجاجاتهم بخصوص نبوة الأنبياء.

الرد على شبهات حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

يتناول الرد على أهل الكتاب الذين يحتجون بنبوة موسى وعيسى ضد نبوة محمد، ويبين أن إثبات نبوة أحدهم يستلزم إثبات نبوة محمد. كما يبين أن المسلمين لا يطعنون في نبوة الأنبياء المعروفين.

تحريف الكتب السماوية وآثاره

يتناول قضايا التحريف في التوراة والإنجيل، ويبين أن الإيمان المطلوب هو بما أنزل على موسى وعيسى غير محرف. يدل وجود الدعاوى الباطلة في الكتب المحرفة على تحريفها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: احتجاجي بالجواب الصحيح من بدل دين المسيح فصل. وإذا تبين للخاصة والعامة ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر به، أنه كان مصدقًا لما بين يديه من الكتب والأنبياء، مصدقًا للتوراة والإنجيل، شاهدًا بأن موسى عليه السلام، ومن كان متبعًا له على الحق، وأن المسيح عليه السلام، ومن اتبعه على الحق، وإن كنا نكفر جميع اليهود والنصارى وغيرهم، وغيرهم ممن بلغته رسالته ولم يؤمن به، وشهد عليهم بأنهم حرفوا كثيرًا من معاني التوراة والإنجيل قبل نبوته، وأن أهل الكتاب كلهم مع المسلمين يشهدون أيضًا بأن كثيرًا من معاني التوراة والإنجيل حرفها كثير من أهل الكتاب، لم يجز لأحد من أهل الكتاب أن يحتج بقول محمد صلى الله عليه وسلم على صحة دينهم الذي شهد محمد صلى الله عليه وسلم بأنه باطل مبدل منسوخ، وأهله من أهل النار، كما تقدم بسطه. وإذا قالوا: نحن نذكر ذلك لنبين تناقضه، حيث صدقها وهي تناقض بعض ما أخبر به، أو لنبين أن ما أخبرت به الأنبياء قبله يناقض خبره، فيكون ذلك قدحًا فيما جاء به، أجاب المسلمون عن هذا بعدة طرق. أحدها: أن يقول: أما مناقضة بعض خبره لبعض، كما يزعمه هؤلاء من أن كتابه يمدح أهل الكتاب مرة ويذمهم أخرى، وأنه يصدق الكتب المنزلة تارة ويذمها أخرى، فهذا قد ظهر بطلانه، فإنه إنما مدح من اتبع موسى والمسيح على الدين الذي لم يبدل ولم ينسخ، وأما من اتبع الدين المبدل المنسوخ، فقد كفره. فأما دعواهم مناقضة خبره لخبر غيره، فيقال: هو مصدق للأنبياء فيما أخبروا به، وأما ما بدل من ألفاظهم أو غيرها بالترجمة، أو فسر بغير مرادهم، فلم يصدقه. ويقال أيضًا: إن النبوة محمد صلى الله عليه وسلم تثبت بمثل ما تثبت به نبوات الأنبياء قبله، وبأعظم من ذلك، كما قد بسط في موضع آخر، وبين أن التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع التصديق بنبوة غيره في غاية التناقض والفساد، وأنه ما من طريق يعلم بها نبوة غيره إلا ونبوته تعلم بمثل تلك الطريق وبأعظم منها. فلو لم تكن نبوته وطريق ثبوتها إلا مثل نبوة غيره وطريق ثبوتها، لوجب التصديق بنبوته كما وجب التصديق بنبوة غيره، ولكان تكذيبه كتكذيب إبراهيم وموسى وغيرهما من الرسل، فكيف إذا كان ذلك أعظم من وجوه متعددة؟ وحينئذ فالأنبياء كلهم صادقون ومصدقون معصومون فيما يخبرون به عن الله، لا يجوز أن يثبت في خبرهم عن الله خبر باطل، ولا عمدًا ولا خطأ، ولا يجوز أن يخبر أحدهم بخلاف ما أخبر به غيره، بل ولا يفترقون في الدين الجامع، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنۡ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۞ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وإنما يقع النسخ في بعض الشرائع، كما يقع النسخ في شريعة الرسول الواحد، وحينئذ فيعلم أن كل ما ينقل عن الأنبياء المتقدمين مما يناقض ما علم من أخبار محمد صلى الله عليه وسلم هو باطل، سواء كان اللفظ نفسه باطلًا لم يقله ذلك النبي، أو قد قال لفظًا وغلط المترجمون له من لغة إلى لغة، أو كان اللفظ وترجمته صحيحين، لكن وقع الغلط في معرفة مراد ذلك النبي بذلك الكلام. فإن كل ما يحتج به من الألفاظ المنقولة عن الأنبياء أنبياء بني إسرائيل وغيرهم ممن أرسل بغير اللغة العربية، لا بد في الاحتجاج بألفاظه من هذه المقدمات: أن يعلم اللفظ الذي قاله، ويعلم ترجمته، ويعلم مراده بذلك اللغة. والمسلمون أو أهل الكتاب متفقون على وقوع الغلط في تفسير بعض الألفاظ وبيان مراد الأنبياء بها، وفي ترجمة بعضها، فإنك تجد بالتوراة عدة نسخ مترجمة، وبينها فروق يختلف بها المعنى المفهوم، وكذلك في الإنجيل وغيره. فهذا الطريق في الجواب طريق عام لكل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وشهد أنه رسول الله، باطلًا وظاهرًا يخاطب به كل يهودي ونصراني على وجه الأرض، وإن لم يكن عارفًا بما عند أهل الكتاب. فإنه لا يقدر أحد من أهل الأرض أن يقيم دليلًا صحيحًا على نبوة موسى وعيسى وبطلان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا ممتنع لذاته، بل ولا يمكنه أن يقيم دليلًا صحيحًا على نبوة أحدهما إلا وإقامة مثل ذلك الدليل أو أعظم منه على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا، وحينئذ فلا يمكن أحدًا من أهل الكتاب أن يحتج بشيء من المنقولات عن الأنبياء المخالف لما ثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم، سواء نقر بنبوته أو أنكرها. بل إن احتج بشيء مما نقل عن محمد صلى الله عليه وسلم، بين له بطلان احتجاجه به، وأنه حجة عليه لا له، وإن احتج بشيء من المنقول عن غيره من الأنبياء عليه السلام، طولب بتقدير نبوة ذلك النبي مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا فبتقدير أن ينقل عن اثنين ادعى النبوة وأتيا بالآيات التي تثبت بها النبوات خبران مناقضان، لا يجوز تصديق هذا وتكذيب ذاك، إن لم يتبين ما يدل على صدق هذا أو كذب هذا. وكذلك إذا عورض أحدهما بجنس ما يعارض الآخر، وهذا لا يرد على المسلمين إذا ردوا ما يحتج به أهل الكتاب مما ينقلونه عن الأنبياء مخالفًا لخبر محمد صلى الله عليه وسلم، فإن المسلمين لا يطعنون في نبوة أحد من الأنبياء المعروفين، وإنما يطعنون في أنهم أخبروا بما يخالف خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك لا يثبت، أي لم يثبت اللفظ والترجمة وتفسير اللفظ. وهذه المقدمات يمتنع أن تقوم على شيء يخالف خبر محمد صلى الله عليه وسلم، لا جملة ولا تفصيلًا، فأهل الكتاب يطالبون فيما يعارضون به بثلاث مقدمات: أحدها تقدير أن أولئك صادقون ومحمد صلى الله عليه وسلم كاذب، والثاني ثبوت ما أتوا به لفظًا، والثالث معرفة المراد باللفظ ترجمة وتفسير. وإن قال الكتابي للمسلم: أنت توافقني على نبوة هؤلاء المتقدمين، أجابه المسلم بوجوه منها أن يقول: إني لم أوافقك على نبوة واحد منهم مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل دين المسلمين كلهم أنه من آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض فهو كافر، فكيف بمن كفر بمن هو عند المسلمين أفضل الأنبياء وقاتمهم؟ بل قد يقول له أكثر المسلمين: نحن لم نعلم نبوة أولئك إلا بإخبار محمد أنهم أنبياء، فلو قدحنا في الأصل الذي قد علمنا به نبوتهم، لزم القدح في نبوتهم، والفرع إذا قدح في أصله دل على فساده في نفسه، سواء قدر أصله صحيحًا أو فاسدًا، فإنه إن كان أصله فاسدًا فسد هو، وإن كان أصله صحيحًا وهو يناقضه بطل هو، وهو إذا ناقض أصله باطل على كل تقدير. وكذلك إذا قال له الكتابي: قد اتفقنا على تصديق موسى والتوراة والمسيح والإنجيل، قال له المسلم: إنما وافقتك على تصديق موسى وعيسى الذين بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما أخبرنا به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله، حيث قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۞ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، إلى أمثال ذلك. فأما الإيمان بموسى الذي ذكر أن شريعته مؤبدة لا ينسخ منها شيء، أو بمسيح ادعى أنه الله أو أن الله اتحد به أو حل فيه، ونحو ذلك مما يدعيه أهل الكتاب في الرسولين والكتابين ويخالفهم فيه المسلمون، فهذا من موارد النزاع لا من مواقع الإجماع، فليس لأحد من أهل الكتاب أن يحتج على أحد من المسلمين بموافقته له على ذلك. ومن تمام ذلك أن يقول المسلم: نعم، أنا أقر بنبوة موسى والمسيح، وإن التوراة والإنجيل كلام الله، لكن يمتنع عقلًا الإقرار بنبوة واحد من هؤلاء دون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن البراهين والآيات والأدلة الدالة على صدق موسى والمسيح تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى. فلو انتقضت تلك الأدلة لزم فسادها وأن لا أصدق بأحد من الأنبياء، وإن كانت حقًا لزم تصديقهم كلهم، فلزم إما أن نصدقهم كلهم وإما أن نكذبهم كلهم، ولهذا كان من آمن ببعض وكذب ببعض كافرًا. ومن الأجوبة للمسلمين أن يقول: نحن نصدق الأنبياء المتقدمين في كل ما أخبروا به، لكن من نقل عنهم أنهم أخبروا بما يناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فلابد له من مقدمتين: ثبوت ذلك اللفظ عن الأنبياء، والعلم بمعناه الذي يعلم أنه مناقض للمعنى الذي علم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم معناه. ثم العلم باللفظ يحتاج مع الخطاب بغير ألسن الأنبياء العربية، سواء كانت عربية أو رومية أو سريانية أو قبطية، إلى أن يعرف أن هذا اللفظ الذي ترجم به الذي ترجم به لفظه مطابق للفظه، أو لترجم به لفظه مطابق للفظه، ويمتنع ثبوت المقدمتين، لأن في ثبوته ما تناقض الأدلة العلمية، والأدلة العلمية لا تتناقض. الطريق الثاني: أن يقول المسلمون: ما تذكرونه من المنقول عن الأنبياء مناقضة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، أمور لم تعلم صحتها، فلا يجوز اعتقاد ثبوتها والجزم بها، ولو لم يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أخبر بخلافها، فكيف إذا علم أنه أخبر بخلافها؟ وذلك أن العلم بثبوتها ممنوع على مقدمات: أحدها العلم بنبوتهم، وهذا ممتنع مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، والثانية أنهم قالوا هذه الألفاظ، وهذا يحتاج إلى إثبات تواتر هذه الألفاظ عن الأنبياء، ولم يثبت أنها تواترت عنهم. والثالثة أن معناها هو المعنى المناقض لخبر محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم ذلك، وكل واحدة من هذه المقدمات تمنع العلم بثبوت هذه المعاني المناقض لخبر عنه محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا اجتمعت؟ وهي تمنع العلم بصحتها، ولو لم تناقض خبر محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا ناقضته؟ الطريق الثالث: طريق من يبين أن ألفاظ هذه الكتب لم تتواتر، ويثبتون ذلك بانقطاع تواتر التوراة لما خرب بيت المقدس، وانقطاع تواتر الإنجيل في أول الأمر. الطريق الرابع: طريق من يبين أن بعض ألفاظ الكتب حرفت، ويقيم الأدلة الشرعية والعقلية على تبديل بعض ألفاظها. الطريق الخامس: أن يبين أن الألفاظ التي بأيديهم لا تناقض ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم، بل تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ويتكلم على تفسير تلك الألفاظ بأعيانها. وهذه الطريق يسلكها من لا ينازع في ثبوت الألفاظ من المسلمين، وأما الجمهور الذين يقولون بتبديل هذه الألفاظ، فيسلكون هذه الطريق، ويسلكون أيضًا بيان عدم تواتر الألفاظ، بل بيان التبديل في ألفاظها. سمعنا هذا الفصل من المؤلف رحمه الله تعالى، ومر معنا معناه فيما تقدم في قضية التحريف في ألفاظ التوراة والإنجيل، وفي تفسير تلك الألفاظ. فأصل اللفظ لم يبق محفوظًا كما أنزل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فضلًا عن الترجمة عن هذا اللفظ غير المحفوظ، فإن هذه الترجمة حصل فيها تحريف، إما بخطأ، وهذا لا يشك أحد أنه قد يقع، وقد ثبت وقوعه، كما أشار بالمقارنة بين نسخ الترجمات، أو بعمد، وهذا كذلك لا ينكر وجوده، بما ثبت من تحريف في قضايا مسلم بها بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تنافي أصل التوحيد، فضلًا عن الكثير من تفاصيل الشرائع والأحكام. فإذا كان كذلك، فلا يصح استدلالهم فيما ذكره رحمه الله في شبهتهم في هذا الفصل: أن نبينا عليه الصلاة والسلام أمر بالتصديق بنبوة عيسى وموسى، وما جاء معهما من التوراة والإنجيل. وسمعنا تفصيل الجواب، وهو واضح وظاهر، وخلاصته: أن الذي دعا إليه نبينا عليه الصلاة والسلام هو الإيمان بموسى وعيسى على الوجه الذي أمر الله بالإيمان به، وعلى الوجه الذي دعا إليه موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام الناس أن يؤمنوا بهم. وهكذا خبر التوراة والإنجيل، أمرنا محمد صلى الله عليه وسلم أن نصدق بالتوراة والإنجيل على الوجه الذي نزل على موسى وعيسى، غير محرف ولا مبدل، وما كان من تحريف وتبديل، أخبر به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه لا يجوز متابعة أهل الكتاب، ولا تصديقهم فيه. وهذا كثير فيما أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام في القرآن أو في سنته، فإذا كان كذلك، فبعد هذا لا يصح أي وجه من أوجه الاستدلال، ويعلم أن المستدل بعد هذا الإيضاح بما ينافيه هو في الحقيقة أحد رجلين: إما غبي لا يفهم ما يستدل به، وإما معاند يريد الاستدلال بما لا يصح الاستدلال به، تلفيقًا وتدليسًا، وكل الرجلين لا يتابع على قوله عند أحد من المنصفين، ولو كان كافرًا. فالكافر لا يرضى بباطل، سواء جاء هذا الباطل من مدلس أو جاء هذا الباطل من جاهل غبي لا يفهم، فكيف بمن يزعم أنه مؤمن بالله، ومما جاء به رسل الله؟ فإنه من باب أولى أن يكون منصفًا في قضايا الاعتقاد. وأما ما ذكره في قوله: "وإن التوراة والإنجيل كلام الله" فيقيد بما بعده، أي: غير المحرف والمبدل، أما ما في أيدي اليهود والنصارى اليوم من التوراة والإنجيل، فهو من المحرف، لا نعرف توراة وإنجيل في أيدي اليهود والنصارى غير محرف، لا نستطيع أن نجزم بأن هذه النسخة غير محرفة، بل أكثر نسخ التوراة والإنجيل الموجودة، نجزم بأنها فيها تحريف، لمعارضتها لدعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويكفي في ذلك هاتين القضيتين التي أشار إليهما في هذا الفصل: قضية اليهود وزعمهم أن شريعة موسى مؤبدة، وهذا لا يكاد يخلو توراة من توراتهم إلا وفيها هذا المعنى، وبهذا المعنى كذبوا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، وهذا باطل يدل على أن هذا الذي في أيديهم من التوراة توراة محرف. وهكذا القضية الأخرى عند النصارى: دعواهم أنه الله أو ابن الله، لا يكاد يخلو إنجيل من أناجيل النصارى إلا وفيه هذا المعنى، وهذا المعنى يدل بوجوده فيها أنه ليس هناك إنجيل غير محرف، بل كلها من المحرفة، لأن هذه القضية منافية لدعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومنهم عيسى، فإنما دعوا إلى وحدانية الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وعلم بهذا أن المراد التصديق بالأنبياء وبكتب الأنبياء على الوجه الصحيح، لا على الوجه المدعى الباطل. طيب، والله تعالى أعلم.