الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 72

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 72

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 72، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

احتجاج النصارى ورد الشيخ على عدم تحريف كتبهم

يرد الشيخ على احتجاج النصارى بعدم تحريف كتبهم، موضحا أن المسلمين لا يدعون تحريف الكتب بعد انتشارها بل وقوع التبديل في معانيها وأحكامها. النصارى أنفسهم يسلمون بتحريف التوراة والنبوات المتقدمة.

الفرق بين نقل المسلمين للقرآن ونقل أهل الكتاب

يفصل المقطع الفرق بين طريقة نقل المسلمين للقرآن وبين أهل الكتاب لكتبهم، مشيرا إلى نقل المسلمين المتواتر للقرآن ومعانيه والسنة عن النبي. بينما لم يفعل أهل الكتاب ذلك مع كتبهم ولم يحفظوها في صدورهم.

تحريف الكتب السماوية ومقارنة مع القرآن

يتناول موضوع تحريف الكتب السماوية السابقة ويقارن ذلك بالقرآن المحفوظ بالتواتر. يشير إلى دور الأنبياء في تصحيح الكتب وبانقطاع النبوة تسارع التحريف بينما بقي القرآن محفوظا بنقل متواتر وظاهر.

تحريف المسيحية بعد المسيح وتغيير شرائع الله

يشرح كيف حرف المسيحيون دينهم بعد المسيح بتبديل شرائع الله مثل استحلال لحم الخنزير وإسقاط الختان وتغيير الصوم واتخاذ الصور. هذه التغييرات خالفت شرع الله الذي جاء به الأنبياء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: على علمهم وذكائهم ومعرفتهم كيف يحتجون علينا بمثل هذا القول، وذلك أنا أيضا إذا قلنا واحتججنا عليهم بمثل هذا القول: إن الكتاب الذي بأيديهم يومنا هذا قد غيروه وبدلوه، وكتبوا فيه ما أرادوا واشتهوا، هل كانوا يجوزون كلامنا؟ قال الحاكي عنهم: فقلت لهم، هذا ما لا يجوز ولا يمكن لأحد أن يقوله، ولا يمكن تغييره ولا تبديل حرف واحد منه. فقالوا: سبحان الله العظيم، إذا كان الكتاب الذي لهم الذي هو باللسان الواحد لا يمكن تبديله ولا تغيير حرف واحد منه، فكيف يمكن تغيير كتبنا التي هي مكتوبة باثنين وسبعين لسانا، وفي كل لسان منها كذا وكذا ألف نصفه، وجاز عليها إلى مجيء محمد أكثر من ستمائة سنة، وصارت في أيدي الناس يقرؤونها باختلاف ألسنتهم، على تشاسع بلدانهم؟ فمن الذي تكلم باثنين وسبعين لسانا؟ ومن هو الذي حكم على الدنيا جميعها، ملوكها وقساوستها وغالبها، حتى حكم على جميعها في أقطار الأرض وجمعها في أربع زوايا العالم حتى يغيرها؟ وإن كان غير بعضها وترك بعضها، فهذا لا يمكن أن يكون، لأن كلها قول واحد ولفظ واحد في جميع الألسن، فهذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله أبدا. والجواب أن يقال: أولا، هذا الكلام منهم يدل على غاية جهلهم بما يقوله المسلمون في كتبهم، وتبين أنهم لفرط جهلهم يظنون أن المسلمين يقولون مقالة لا يخفى فسادها على من له أدنى عقل ومعرفة. والمسلمون لا يشك أحد من الأمم أنهم أعظم الأمم عقولا وأفهاما، وأتمهم معرفة وبيانا، وأحسن قصدا وديانا وتحريا للصدق والعدل، وأنهم لم يحصلوا في النوع الإنساني أمة أكمل منهم، ولا ناموس أكمل من الناموس الذي جاء به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وحذاق الفلاسفة معترفون لهم بذلك، وأنه لم يقرأ العالم ناموسا أكمل من هذا الناموس. وقد جمع الله للمسلمين جميع طرق المعارف الإنسانية وأنواعها، فإن الناس نوعان: أهل كتاب، وغير أهل كتاب كالفلاسفة والهنود. والعلم ينال بالحس والعقل وما يحصل بهما، وبوحي الله إلى أنبيائه الذي هو خارج عما يشترك فيه الناس من الحس والعقل. ولهذا قيل: الطرق العلمية البصر والنظر والخبر: الحس والعقل والوحي، الحس والقياس والنبوة. فأهل الكتاب امتازوا عن غيرهم بما جاءهم من النبوة، مع مشاركتهم لغيرهم فيما يشترك فيه الناس من العلوم الحسية والعقلية. والمسلمون حصلوا لهم من العلوم النبوية والعقلية ما كان للأمم قبلهم، وامتازوا عنهم بما لا تعرفه الأمم. وما اتصل إليهم من عقليات الأمم هذبوه لفظا ومعنى حتى صار أحسن مما كان عندهم، ونفوا عنه من الباطل، وضموا إليه من الحق مما امتازوا به على من سواهم. وكذلك العلوم النبوية أعطاهم الله ما لم يعطه أمة قبلهم. وهذا ظاهر لمن تتبع القرآن مع تتبع التوراة والإنجيل، فإنه يجد من فضل علم القرآن ما لا يخفى إلا على العميان. فكيف يظن مع هذا بالمسلمين أن يخفى عليهم فساد هذا الكلام الذي ظنه بهم هؤلاء الجهال؟ ويقال ثانيا: الجواب من وجوه، أحدها أن المسلمين لم يدعوا أن هذه الكتب حرفت بعد انتشارها وكثرة النسخ بها، ولكن جميعهم متفقون على وقوع التبديل والتغيير في كثير من معانيها وكثير من أحكامها. وهذا مما تسلمه النصارى جميعهم في التوراة والنبوات المتقدمة، فإنهم يسلمون أن اليهود بدلوا كثيرا من معانيها وأحكامها. ومما تسلمه النصارى في فرقهم أن كل فرقة تخالف الأخرى فيما تفسر به الكتب المتقدمة. ومما تسلمه اليهود أنهم متفقون على أن النصارى يفسرون التوراة والنبوات المتقدمة على الإنجيل بما يخالف معانيها، وأنها بدلت أحكام التوراة. وصار تبديل كثير من معاني الكتب المتقدمة متفقا عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. وأما تغيير بعض ألفاظها ففيه نزاع بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور أنه بدل بعض ألفاظها كما ذكر ذلك في موضعه. الوجه الثاني: أن قياسهم كتبهم على القرآن، وأنه كما لا تسمع دعوة تبديل فيه فكذلك في كتبهم، قياس باطل في معناه ولفظه. أما معناه، فكل ما أجمع المسلمون عليه من دينهم إجماعا ظاهرا معروفا عندهم، فهو منقول عن الرسول نقلا متواترا، بل معلوما بالاضطرار من دينه. فإن الصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ووجوب العدل والصدق، وتحريم الشرك والفواحش والظلم، بل وتحريم الخمر والميسر والربا، وغير ذلك، منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا كنقل ألفاظ القرآن الدالة على ذلك. ومن هذا الباب عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، وأنه مبعوث إلى جميع الناس أهل الكتاب وغير أهل الكتاب، بل إلى الثقلين الإنس والجن، وأنه كان يكفر اليهود والنصارى الذين لم يتبعوا ما أنزل الله عليه، كما كان يكفر غيرهم ممن لم يؤمن بذلك، وأنه جاهدهم وأمر بجهادهم. فالمسلمون عندهم منقولا عن نبيهم نقلا متواترا ثلاثة أمور: لفظ القرآن، ومعانيه التي أجمع المسلمون عليها، والسنة المتواترة، وهي الحكمة التي أنزلها الله عليه غير القرآن، كما قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. وبذلك دعا الخليل حيث قال لما بنى هو وإسماعيل الكعبة بأرض فاران المذكورة في الكتاب الأول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه». فالمسلمون عندهم نقل متواتر عن نبيهم بألفاظ القرآن ومعانيه المتفق عليها، وبالسنة المتواترة عنه، مثل كون الظهر والعصر والعشاء أربعا، وكون المغرب ثلاث ركعات، وكون الصبح ركعتين، ومثل الجهر في العشاءين والفجر، والمخافتة في الظهر والعصر، ومثل كون الركعة فيها سجدتين، وكون الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة سبعا، ورمي الجمرات كل واحد سبع حصيات، وأمثال ذلك. وأيضا، فالمسلمون يحفظون القرآن في صدورهم حفظا يستغنون به عن المصاحف، كما ثبت في الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ربي قال لي: إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظانا». يقول: ولو أسل بالماء من المصاحف لم يغسل من القلوب. كالكتب المتقدمة، فإنه لو عدمت نسخها لم يوجد من ينقلها نقلا متواترا محفوظة في الصدور. والقرآن ما زال محفوظا في الصدور نقلا متواترا، حتى لو أراد مريد أن يغير شيئا من المصاحف وعرض ذلك على صبيان المسلمين لعرفوا أنه قد غير المصحف لحفظهم للقرآن من غير أن يقابلوه بمصحف، وأنّكروا ذلك. وأهل الكتاب يقدر الإنسان منهم أن يكتب نسخا كثيرة من التوراة والإنجيل ويغير بعضها، ويعرضها على كثير من علمائهم، ولا يعرفون ما غير منها إن لم يعرضوه على النسخ التي عندهم. ولهذا لما غير من نسخ التوراة، رجع ذلك على طوائف منهم، ولم يعلموا التغيير. وأيضا، فالمسلمون لهم الأسانيد المتصلة بنقل العدول الثقات لدقيق الدين كما نقل العامة جليله. وليس هذا لأهل الكتاب. وأيضا، فما ذكروه من أن كتبهم مكتوبة باثنين وسبعين لسانا هو أقرب إلى التغيير من الكتاب الواحد باللغة الواحدة، فإن هذا مما يحفظه الخلق الكثير، فلا يقدر أحد أن يغيره. وأما الكتب المكتوبة باثنين وسبعين لسانا، فإذا قدر أن بعض النسخ الموجودة ببعض الألسنة غير بعض ما فيها، لم يعلم ذلك سائر أهل الألسن الباقية، بل ولم يعلم بذلك سائر أهل النسخ الأخرى. فالتغيير فيها ممكن كما يمكن في نظائر ذلك. وما ادعوه من تعذر جمع جميع النسخ هو حجة عليهم، فإن ذلك إذا كان متعذرا لم يمكن الجزم باتفاق جميع النسخ على واحد، حتى يشهد بأنها كلها متفقة لفظا ومعنى. بل إمكان التغيير فيها أيسر من إمكان الشهادة باتفاقها. ولهذا لا يمكن أحدا تغيير القرآن مع كونه محفوظا في القلوب منقولا بالتواتر، مع أننا لا نشهد لجميع المصاحف بالاتفاق. بل قد يقع في بعض نسخ المصاحف ما هو غلط، يعلمه حفاظ القرآن، ولا يحتاجون إلى اعتبار ذلك بمصحف آخر. وتلك الكتب لا يحفظ كلها قوم من أهل التواتر حتى تعتبر أن نسخ بها. ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام فيهم موجودين، كانوا هم المرجع للناس فيما يعتمدون عليه إذا غير بعض الناس شيئا من الكتب. فلما انقطعت النبوة فيهم أسرع فيهم التغيير. فلهذا بدل كثير من النصارى كثيرا من دين المسيح عليه السلام بعد رفعه بقليل من الزمان، وصاروا يبدلون شيئا بعد شيء. وتبقى فيهم طائفة متمسكة بدين الحق إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وقد بقي من أولئك الذين على الدين الحق طائفة قليلة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، فيه: «صحيحة عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب». ماتوا قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم. وقد أدرك سلمان الفارسي، وكان قد تنصر بعد أن كان مجوسيا، طائفة ممن كانوا متبعين لدين المسيح عليه السلام: واحدا بالموصل، وآخر بنصيبين، وآخر بعمورية. وكل منهم يخبره بأنه لم يبق على دين المسيح عليه السلام إلا قليل، إلى أن قال له آخرهم: لم يبق عليه أحد. وأخبره أنه يبعث نبي بدين إبراهيم من جهة الحجاز. وكان ذلك سببا لهجرة سلمان إليه وإيمانه به. فالدين الذي استقر عليه المسلمون اجتماعا ظاهرا معلوما هو منقول عن نبيهم نقلا متواترا. نقلوا القرآن ونقلوا سنته. وسنته مفسرة للقرآن مبينة له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فبين ما أنزل الله لفظه ومعناه. فصار معاني القرآن التي اتفق عليها المسلمون اتفاقا ظاهرا مما توارفته الأمة عن نبيها، كما توارفت عنه ألفاظ القرآن. فلم يكن ولله الحمد فيما اتفقت عليه الأمة شيء محرف مبدل من المعاني. فكيف بألفاظ تلك المعاني؟ فإن نقلها والاتفاق عليها أظهر منهم في الألفاظ. فكان الدين الظاهر للمسلمين الذي اتفقوا عليه مما نقلوه عن نبيهم لفظه ومعناه، فلم يكن فيه تحريف ولا تبديل لا للفظ ولا للمعنى. بخلاف التوراة والإنجيل، فإن من ألفاظها ما بدل، ومعانيه وأحكامه اليهود والنصارى أو مجموعهما تبديلا ظاهرا مشهورا في عامتهم. كما بدلت اليهود ما في الكتب المتقدمة من البشارة بالمسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وما في التوراة من الشرائع وأمره في بعض الأخبار. وكما بدلت النصارى كثيرا مما في التوراة والنبوات من الأخبار، ومن الشرائع التي لم يغيرها المسيح، فإنما نسخها الله على لسان المسيح من التوراة يجب اتباع المسيح فيه. وأما ما بدل بعد المسيح، مثل استحلال لحم الخنزير وغيره مما حرمه الله ولم يبحه المسيح، ومثل إسقاط الختان، ومثل الصلاة إلى المشرق، وزيادة الصوم ونقله من زمان إلى زمان، واتخاذ الصور في الكنائس، وتعظيم الصليب، واتباع الرهبانية، فإن هذه كلها شرائع لم يشرعها نبي من الأنبياء، لا المسيح ولا غيره. خالفوا بها شرع الله الذي بعث به الأنبياء، من غير أن يشرعها الله على لسان نبي.