الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 90، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الادعاءات بوجود إشارات في الكتب السماوية لدين الإسلام ويرد عليها بأنها تشير إلى نبوة المسيح عليه السلام. يوضح أهمية تفسير هذه الكتب وفق الدليل الشرعي والعقلي.
يرد على شبهة عدم إرسال النبي إلى أهل الكتاب مستدلاً بالآيات القرآنية ورسائل النبي إلى ملوك النصارى. يؤكد أن دعوة النبي كانت عامة لجميع الناس.
يناقش الشبهات حول دعوة النبي ويبين أن الآيات التي قد توحي بالشك هي من باب التحدي والتبكيت. يستدل على صحة دعوة النبي بنصر الله له وظهور دعوته بالحجج.
يؤكد رسالة النبي بالتأكيد على أنه مرسل للتبليغ فقط ولا يعلم الغيب ولا يملك الجزاء. يوضح مصير أهل الحق والباطل وحدود قدرة النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، هذه كتب أعدائنا المخالفين في ديننا، وهم يقرون بذلك ويقرؤونه في كنائسهم، ولم ينكروا منه كلمة واحدة ولا حرفًا واحدًا. والجواب أن الأمر إذا كان على ما قالوا من ثبوت هذه الكلمات عن بعض الأنبياء، فليس فيها مدح لدينهم بعد التبديل، فكيف بعد النسخ والتبديل؟ وإنما فيها إخبار بزوال ملك بني إسرائيل وبنسخ ما نسخ من شرعهم لمجيء المسيح عليه السلام، وهذا دليل على نبوة المسيح وصدقه. وهذا مما تفق عليه المسلمون، والمسيح عليه السلام عندهم كما أخبر الله عنه بقوله تعالى لمريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وأما قولهم: إن هذا وغيره موجود في كتب أعدائنا اليهود، فيقال لهم: لا ريب أن اليهود يخالفونكم في تفسير الكتب، فأنتم تفسرونها بشيء وهم يفسرونها بشيء آخر، وقد يكون كلا التفسيرين باطلًا. وحينئذ فيقال لكم: كما أن كتب الأنبياء شاهدة للمسيح ولدينه، وإن خالفتكم اليهود في تفسيرها، فكذلك هي شاهدة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وإن خالف أهل الكتاب في تفسيرها. كما قد بين الله في كتب الأنبياء صفة محمد وأمته في غير موضع. والواجب في الكتب إذا تنازعت الأمم في تفسيرها أن يبين الحق الذي يقوم عليه الدليل الشرعي والعقلي. وحينئذ تبين أنكم فسرتم كتب الله بأشياء تخالف مراد الله في أمر التثليث والاتحاد وغيره، كما فعلت اليهود بتفسير الكتب، كما قد بسط في غير هذا الموضع. قال فصل: قالوا أيضًا: في قول هذا الإنسان مما أتى في كتابه، حيث أتبع القول بأنه لم يرسل إلينا، مع تشككه فيما أتى به في هذا الكتاب في سورة سبأ حيث يقول: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وأيضًا في سورة الأحقاف يقول: ﴿قُلْ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. والجواب أن نقلهم عنه أنه قال: إنه لم يرسل إليهم، كذب ظاهر عليه، فإن كتابه مملوء بدعوتهم وأمره لهم بالإيمان به واتباعه، بل وبعموم رسالته إلى جميع الناس، بل وإلى الجن والإنس. وليس فيه قط أنه لم يرسل إلى أهل الكتاب، بل فيه التصريح بدعوة أهل الكتاب في غير موضع. فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى قيصر ملك النصارى الذي اسموه رومل بالشام. وقد تقدم ذكر ذلك، وتقدم أيضًا أن قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يقتضي أنه ينذر الأميين، وليس فيه أنه لا ينذر غيرهم. كما أن قوله: «أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» يقتضي إنذار قومه، ولا ينافي أن ينذر غيرهم يا العرب. كما أن قوله في قريش: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ لا يمنع أن يكون غير قريش مأمورين بعبادة رب هذا البيت، بل أمر الله جميع الثقلين الجن والإنس أن يعبدوا رب هذا البيت. فإن قيل: فقد سكت عن ما سوى الأميين في هذا، فيشعر بالنفي بدليل الخطاب الذي يسمى مفهوم المخالفة. قيل: ذاك إنما يدل إذا لم يكن في التخصيص فائدة سوى الاختصاص بالحكم، ولم يكن هنا تصريح بأن حكم المسكوت كحكم المنطوق. وهنا لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين أولًا، ثم ينذر العرب الأميين، ثم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم. وقد تقدم بسط هذا. بسم الله الرحمن الرحيم، فصل: جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذين الفصلين في بيان تأكيد معنى دعوة النصارى وغيرهم للإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام. فالفصل الأول أظهر فيها أن حجتهم ضعيفة فيما ذكروه من الثناء على دينهم مما ذكره بعض الأنبياء. وقد سبق الكلام على هذا بالأمور الأربع التي ذكرها. ومع ذلك فما ذكر من الإيمان بعيسى يستلزم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام بالدليل الشرعي والدليل العقلي. أما الشرعي: كما تقدم من الأدلة من الكتاب والسنة التي بعث بها النبي عليه الصلاة والسلام، والمؤيدات من دلائل النبوة الكثيرة. وهكذا ما أنزل على أهل الكتاب مما أخفاه بعضهم مما فيه الدعوة إلى الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام بذكر وصفه واسمه بما لا يجحد ذلك إلا مكابر. وهكذا الأدلة العقلية الكثيرة التي تقدمت كذلك وتستلزم الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام ونسخ رسالة من سبقه من الأنبياء والرسل على ما جاء تفصيله. وهكذا الفصل الثاني: ما ذكروه من الأدلة من أن ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام كان في شك من دعوته. وهذا باطل، وهو استدلال بما لا يصح الاستدلال به. فالأدلة التي تدل على دعوة أهل الكتاب كثيرة، وقد تقدمت كما مر. وأشار المؤلف -رحمه الله- أن ذكر الأخص لا يعني نفي الأعم. ومثل بأمثلة وهم يقرون أنه ليس فيها تخصيص. مثلًا: «أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» لا يستلزم عدم دعوة غير العشيرة، بل فيه زيادة اعتناء بهم أو ابتداء بهم. وهكذا يقال كذلك في ذكر الأميين، فإنه لا يعني تخصيصهم بما لا يدعى غيرهم أبدًا. فإن قيل: وما معنى الآيتين: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؟ هل هو شك؟ الجواب: لا، ليس بشك، بل هذا زيادة في التبكيت والإنكار على المخالفين. يعني هو معنى من معاني التحدي، يعني كأنه يقول: إن كنتم على حق فسننظر من الذي هو على حق أو على باطل، يعني بالأدلة الشرعية والأدلة العقلية والكونية الواقعة. وتبين بنصر النبي عليه الصلاة والسلام على النصارى بالحجج الشرعية، وهكذا كذلك بالسيف السنان أن النصارى على باطل. وهكذا أهل الكتاب لو كانوا أهل حق لما تركهم الله وصلط عليهم من هو مبطل. ولا تزال دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ظاهرة بالحجج والبرهان، بل وبالسيف والسنان، طرد أهل الكتاب من أشرف الأرض ومن كذلك مهبط الوحي ومنزل رسالات الأنبياء إلى يومنا هذا. فلو كانوا أهل حق لما تركوا كذلك بالدليل الشرعي وبالدليل كذلك العقلي. وهكذا كذلك قول: ﴿قُلْ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ ليس هو من باب الشك، ولكنه من باب التبعيض كذلك بهؤلاء. يعني مصير أهل الحق معروف ومصير أهل الباطل معروف، وهو كذلك متضمن لبيان أن النبي عليه الصلاة والسلام مرسل، ليس عليه ولا له إلا التبليغ، وما بعد ذلك فهو إلى الله سبحانه وتعالى، فهو لا يعلم الغيب ولا يملك أن يجازي أو يحسن أو يسيء إلى أحد إلا بما أمره الله، فهو لا يدري عن نفسه فضلًا عن غيره. وهذا تأكيد لإثبات رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.