الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 144، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك فكرة الأقانيم الثلاثة في المسيحية ويستدل على بطلانها من خلال نصوص الإنجيل، ويبين تناقضها مع وحدانية الله تعالى. كما يطرح تساؤلات حول تناقضات مفهوم التثليث وعدم اتساقه مع المنطق والعقل.
يستشهد الكاتب ببعض النصوص من الإنجيل لإثبات أن المسيح ليس إلها، مثل صلاته لله وتواضعه، واعترافه بأنه ليس الصالح إلا الله وحده. كما يشير إلى بعض المواقف التي تظهر عجز المسيح عن القيام ببعض الأمور دون إذن من الله.
المقطع يبدأ بالحديث عن الاقتداء بالآباء واتباع سبيلهم، ثم يطلب من المخاطب تقديم الحجة على هذا الاقتداء، مع التضرع إلى الله للعصمة والتوفيق. يشدد على أهمية طلب الحجة والبرهان في مسائل العقيدة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: قال فصل، قال حسن بن أيوب: ومثل هذا أنه لما قطبه الرجل على ما كتب في الإنجيل، فقال له: أيها الخير، فقال: ليس الخير إلا الله وحده. قلت: وبعضهم يترجمه "أيها الصالح"، فيقول: ليس الصالح إلا الله وحده. قال: ومثله قوله في الإنجيل: إني لم آتي لأعمل بمشيئتي، لكن بمشيئة من أرسلني. قال: ولو كانت له مشيئة لهوتية كما يقولون، لما قال هذا القول، فقد أبطل به ما تدعونه في ذلك. قال: ثم أنتم مع ذلك تدعون أن المسيح كلمة الله، ومن قوة الله غير بائن منه ولا منفصل عنه. وتشهدون عليه في الإنجيل بقوله: إنه يصعد إلى السماء، ويجلس عن يمين أبيه، ويدين الناس يوم القيامة، ويجازيهم بأعمالهم، ويتولى الحكم بينهم. وأن الله عز وجل منحه ذلك، إذ كان لا يراه أحد من خلقه في الدنيا ولا في الآخرة. فإن كان هذا الجالس للحكومة بين العالمين يوم الدين، والقاعد عن يمين أبيه، هو شخص قائم بذاته لا يشك فيه، هو الجسد الذي كان في الأرض المتحد به الربوبية، فقد فصلتم بين الله تبارك وتعالى وبينه، وبعضتموه باجتماعهما في السماء شخصين متباينين، أحدهما عن يمين صاحبه. وهذا كفر وشرك بالله عز وجل. وإن كان جسدًا قاليا من إلهية، وهي الكلمة، وقد عادت إلى الله كما بذت منه، فقد زال عنه حكم الربوبية التي تنتحلونه إياها. قال: ونسألكم عن واحدة نحب أن تخبرونا بها، هي أصل ما وضعتموه من عبادة الثلاث الأقانيم التي ترجع بزعمكم إلى جوهر واحد، وهو اللاهوت. ما هو؟ ومن أين أخذتموه؟ ومن أمركم به؟ وفي أي كتاب نزل؟ وأي نبي تنبأ به؟ أو أي قول للمسيح تدعونه فيه؟ وهل بنيتم أمركم في ذلك إلا على قول متى التلميذ عن المسيح عليه السلام: أنه قال لتلاميذه: حيث أراد أن يفارقهم، اذهبوا فاعملوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس. قال: وهذا كلام يحتمل معناه، إن كان صحيحًا، أن يكون ذهب فيه بأن يجمع هذه الألفاظ إلى أن تجتمع لهم بركات الله، وبركة نبيه المسيح، وروح القدس التي يؤيد بها الأنبياء والرسل. وقد نراكم إذا أردتم الدعاء بعضكم لبعض، قلتم: صلاة فلان القديس تكون معك ومعنا. الصلاة الدعاء، واسم فلان النبي يعينك على أمورك. وكما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، يقرنوا طاعته، يقرنوا طاعته طاعة نبيه، يقرنوا طاعة نبيه أولي الأمر طاعته، لعله هو طاعة نبيه. نعم، قال: يقرنوا طاعة نبيه وأولي الأمر من المسلمين. أفنقول لذلك: إنهم جميعًا آلهة؟ قال: وقد يجوز أن يكون له معنى يدق عن الوقوف عليه، أو يدق عن الوقوف عليه بغير التأويل، إن لم يكن معناه ما قلناه. أو يكون المسيح عليه السلام ذهب فيه إلى ما هو أعلم به. فلما حكمتم بأنه ذهب إلى أن هذه الأسماء لما أضافها إلى الله عز وجل صارت آلهة، وجعلتم لها أقانيم لكل اسم أقنوم يقصه بعينه، وهو شخص واحد. كيف استجزتم ما أشركتموه مع الله عز وجل بالتأويل الذي لا يصح؟ وإذا قلتم بثلاثة أقانيم، كل أقنوم بذاته، فلابد من أن تعترفوا ضرورة بأن كل أقنوم منها حي سميع بصير عالم حكيم، منفرد بذاته. كما يقولون في المسيح: إنه جالس عن يمين أبيه. فنراكم أخذتم الأقنومين الذين أحدثتموهما مع الله من جهة أن الله حكيم حي، فحكمته الكلمة، وهي المسيح، وروحه روح القدس. وهذه صفة من صفات الله، مثلها كثير، لأنه يقال: حكيم عليم سميع بصير حي قدير. وكذلك ربنا تبارك وتعالى، وإن كانت صفاتنا إياه لا تلحق صفاته، ولا تبلغ كنه مجده إلا بالتمثيل لعظمته وعزته وجلاله وعلوه. فنحلتم صفاته التي هي معناه، وليست سواه غيره، وجعلتموه أقانيم، لكل واحد من الحياة والحكمة وسائر الصفات مثل الذي له. وما منها أقنوم له صفة إلا ويحتمل على قياس قولكم أن تكون صفته مثله. فإذا كانت هذه الأقانيم آلهة، وكل صفة إله وهي من جوهره، فيجب أن تكون كل صفة لكل واحد من الثلاثة الأقانيم إلهًا مثله، إذ كان من جوهره. فيتسع الأمر في ذلك حتى لا يكون له غاية ولا نهاية. قال: وإذا قلتم بثلاثة أقانيم هي في السماء من جوهر قديم، أفليس يلزمكم الإقرار بثلاثة آلهة؟ لأن الأقانيم أشخاص يوموا إليها ويقع الحد عليها. وإلا فما الحجة؟ وأنتم تذكرون في بعض احتجاجكم أنها ثلاثة ترجع إلى واحد غير متبعضة ولا منفصلة، وتشبهونها في اجتماعها وظهور ما يظهر منها بالشمس. وقد نراكم عقدتم شريعة إيمانكم على أن المسيح إله وإنسان متحدين، وأنه يصعد إلى السماء ويجلس عن يمين أبيه. والجالس عن يمين صاحبه أليس هو منفصلًا عنه مفروزًا عنه؟ فكيف يصح على هذا القول قياس، أو يصح به عقد دين؟ تقولون مرة مجتمع، ومرة منفصل. وما شبهتموه به من الشمس، وقد تقدم شرحنا لبطلان الحجة فيه، وأنه لا يكون قياسه القياس الذي تعلقتم به. على أن وجدناكم تقولون في معنى التثليث: إن الذي دعاكم إليه ما ذكرتم أن متى التلميذ حكاه في الإنجيل عن المسيح عليه السلام، إذ قال لتلاميذه: سيروا في البلاد، وعمدوا الناس باسم الأب والإبن وروح القدس. وأنكم فكرتم في هذا القول بعقولكم، فعلمتم أن المراد بذلك أنه لما أنثبت حدوث العالم، علمتم أن له محدثًا، فتوهمتموه شيئًا موجودًا، ثم توهمتموه حيا، ثم ناطقًا، لأن الشيء ينقسم لحي ولا حي، والحي ينقسم لناطق ولا ناطق. وأنكم علمتم بذلك أنه شيء حي ناطق، فأثبتتم له حياة ونطقًا غيره في الشخص، وهما هو في الجوهرية. فنقول لكم في ذلك: إذا كان الحي له حياة ونطق، فأخبرونا عنه. أتقولون: إنه قادر عزيز أم عاجز ذليل؟ فإن قلتم: لا بل هو قادر عزيز. قلنا: فأثبتوا له قدرة وعزة كما أثبتتم له حياة وحكمة. فإن قلتم: لا يلزمنا ذلك، لأنه قادر بنفسه عزيز بنفسه. قلنا لكم: وكذلك فقولوا: إنه حي بنفسه وناطق بنفسه. ولا بد لكم مع ذلك من إبطال التثليث أو إثبات التخميس. وإلا فما الفرق؟ وهيهات من فرق. وقال حسن بن أيوب أيضًا: إن كل ما تأملنا معكم في نسبة المسيح عليه السلام إلى إلهية وعبادتكم له مع الله على الجهة التي تذهبون إليها، وطلبنا لكم الحجة في ذلك من كتبكم، ازددنا بصيرة في استحالة ذلك، ووضعكم له من القول ما لا يثبت لكم به حجة، ولا يشهد به لكم شيء من كتبكم. ووجدنا أبيًا ما جاء في المسيح، وصحة أمره فيما أتى به. ما قال متى التلميذ: إنه لما جاء يسوع إلى أرض قيسارية، سأل تلاميذه فقال: ماذا يقول الناس في أني ابن البشر؟ فقالوا: منهم من يقول: إنك يوحن المعمداني، وآخرون يقولون: إنك أرمياء أو أحد الأنبياء. فقال لهم يسوع: فأنتم ماذا تقولون؟ فأجابه سمعان الصفاء، وهو رئيسهم، فقال: أنت المسيح من الله الحق. فأجابه المسيح وقال: طوبى لك يا سمعان من يونان، إنه لم يطلعك على هذا لحم ولا دم، ولكن أبي الذي في السماء. قال: في إنجيل متى الإصحاح السادس عشر. ثم ذكر الكلام، وقال فيه: ولكن أبي الذي في السماوات. يعني: فيكون أبي الذي في السماء. صوابه: في السماء. قال: ولكن أبي الذي في السماء. وحكى لوقا في إنجيله هذا الخبر، فقال: إن سمعان أجابه فقال: أنت مسيح الله. ولم يقل: ابن الله. فهذا كلام تلميذه الرئيس فيه، وأرضاه ما قال. وقوله: إنه لم ينطق بذلك إلا ما وحاه الله في قلبه. ولم ندفعكم قط عن أنه مسيح الله، ولا عن أنه كما تقولون في لغتكم: إنه ابن الله بالرحمة والصفوة. مع هذا الاختلاف الواقع في ذلك في الإنجيلين. وقد قال مثل ذلك فيكم جميعًا: إن الله إلهي وإلهكم، وأبي وأبيكم. فنعمل على احتجاجكم بأنه ليس مثلكم في معنى بنوة، ونجعله مثل من سمى في الكتب ابنا على جهة الاصطفاء والمحبة، مثل إسرائيل وغيره. بل قد خص إسرائيل بأن قال عز وجل: ﴿أَنْتَ ابْنِي الْأَوَّلُ﴾. وهذا كلام له مذهب في اللغة القديمة التي جاءت بها الكتب، وليست بموجبة الإلهية، إذ كان قد شاركه في هذا الاسم غيره. فلما لا جعلتموه كما جعل نفسه، ومما يؤكد المعنى في ذلك ويزيل تأويل من يتأول له ما لم يدعه ولم يرض به، قوله في علم الساعة: إن ذلك شيء لا يعلم أحد من الخلق، ولا الملائكة المقربون، ولا الإبن -يعني نفسه- إلا الأب وحده. ثم قال لرجل الذي أتاه فقال له: أيها العالم الصالح، أي الأعمال خير لي الذي تكون لي حياة إلى يوم الدين؟ فقال له: لم تقول لي صالحًا؟ ليس الصالح إلا الله وحده. فاعترف لله بأنه واحد لا شريك له، ونفى عن نفسه، فلم يجعلها ولا أحد من الخلق أهلًا لذلك. وقول للمرأة التي جاءت فقالت: أنت ذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه؟ فقال لها المسيح: صدقتي، طوبى لك. ثم قال للشيطان حين اختبره، فسامه أن يلقي نفسه من رأس الهيكل، فقال: أمرنا أن لا نجرب الرب. ثم سامه أن يسجد له، فقال: أمرنا أن لا نسجد إلا لله وحده، ولا نعبد سواه. ثم صلاته في غير وقت لله، وآخرها الليلة التي أخذته اليهود فيها. فإذا كان إلها كما زعمتم، فلمن كان يصلي ويسجد؟ ثم قول الجموع الذين كانوا معه حين دخل أرشليم، وهي مدينة بيت المقدس، على الأتان، لمن كان يسأله عن أمره لما رادت المدينة به: هذا هو يسوع الناصري النبي الذي في الناصرة. ثم قوله في بعض الإنجيل: اخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يبجل في مدينته. وفي موضع آخر: أنه قال: لا يهان نبي إلا في مدينته، وفي بيته، وأقاربه. وقوله في بعض خطبه: إن هذا الجيل السوء يريد آية، وإنه لا يعطى إلا آية يونس. كما كان يونس لأهل نينوى، كذلك يكون ابن البشر لهذا الجيل. ورجال نينوى يقومون في الدين مع هذا الجيل، فيخصمونهم لأنهم تابوا على قول يونس النبي، وإنها هنا أفضل من يونس. ثم قول داود في نبوته عليه السلام من هذا الرجل الذي ذكرته، وجعلته دون الملائكة قليلًا. ثم قول تلاميذه فيه، ما شرحناه في صدر كتابنا هذا ما تقدم. ووصفهم أنه رجل أتى من عند الله بالأيدي والقوة. ومما يشبه ذلك أنه لما قدم تلاميذته، فركب السفينة، وقال لهم: امضوا، فإني ألحق بكم. فأتاهم يمشي على البحر. فلما رأوا في تلك الحال، قالوا: ما هذا الحال؟ ويح ومن الغرق صاحوا. فقال لهم يسوع: اطمئنه ولا تقاف أنه. فأجابه شمعون الصفاء وقال له: يا رب، إن كنت أنت هو، فأذن لي آتيك على الماء. فقال له: تعال. فنزل سمعان إلى الماء ليمشي عليه، فلم يستطع، وجعل يغرق، فصاح وقال: يا رب أغثني. فبسط يده يسوع فأخذه، وقال له: لما تشككت يا قليل الأمانة. قال: فبان بذلك عجز المسيح عن إتمام ما سأله شمعون الصفاء. ومثله أمر الرجل الذي قال ليسوع خبر ابنته، وما ينالها من الشيطان، وأنه قد قدمها إلى تلاميذه، قدمها إلى تلاميذه فلم يستطيعوا أن يخرجوه. وقد كان جعل لهم ذلك وغيره، فأخرجه هو منها. وقال في الإنجيل، وهو يذكر الأمثال التي ضربها لرؤساء الكهنة: أنهم لما سمعوها منه، علموا أنها في شأنهم، فهموا أن يأخذوه، ثم فرقوا من الجموع لأنهم كانوا ينزلونه مثل النبي. وقال في الإنجيل: لما جاءت أم ابني زند، وكانت من تلامذته مع ابنيها، فقال لها: ما تريدين؟ قالت: أريد أن تجلس ابناي أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك في ملكوتك. قال: ليس من ذلك سبيل، لأنه ليس لي أن أعطيه، ولكن من وعد له من أبي. قال الحسن بن أيوب: فما يكون يا هؤلاء أفصح وأبيا وأوضح من اجتماع هذه الشواهد لكم في كتبكم، ما رضيتم بقوله في نفسه، ولا بقول. ولا بقول تلامذته فيه، ولا بقول من تنبأ عليه من الأنبياء، ولا قول جموعه الذين تولوه، لمن سألهم من مخالفيهم عنه. وتركتم ذلك كله، وأخذتم بآراء قوم تأول لكم على علمكم بأنهم قد اختلفوا أيضًا في الرأي. فقال كل قوم في المسيح مختارًا، واتبع كلًا منهم طائفة، قالوا بقولهم. ثم سلك من بعدهم سبيل الآباء في الاقتداء بهم. فبينوا لنا حجتكم في ذلك، وهي هات من حجة. ونحن نستوهب الله العصمة والتوفيق منه. بسم الله الرحمن الرحيم.