الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  153

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 153

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 153، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نقد معتقدات النصارى حول اتحاد اللاهوت بالناسوت

يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال النصارى حول اتحاد اللاهوت بالناسوت ويبين تناقضاتهم وفساد معتقداتهم. يحذر من القول على الله بغير علم ويبرز بطلان معتقداتهم.

امتناع الاتحاد عقلا ومقارنة مع بعض المفاهيم الصوفية

يبين ابن تيمية امتناع مفهوم الاتحاد عند النصارى عقلا، حيث يلزم منه أن يكون الخالق محتاجا إلى المخلوق. يقارن ذلك بمفهوم الوحدة والاتحاد العام عند بعض الصوفية.

انتقاد أفكار الاتحاد والحلول في بعض الطوائف الإسلامية

يناقش ابن تيمية أفكار بعض الطوائف الإسلامية التي تؤمن بالاتحاد والحلول، ويبين أوجه الشبه مع معتقدات النصارى وفساد هذه الأفكار شرعا وعقلا. ينتقد بعض الشخصيات الإسلامية التي تبنت هذه الأفكار.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب «الجواب الصحيح من بدل دين المسيح»: قال الوجه الحادي عشر: قولهم «وإن وجدنا روح الإنسان العاقلة الكلمانية -يعنون النفس الناطقة- ألطف من لطيف الخلق، فلذلك كانت أولى خلق الله بحجاب الله، فكانت لها حجابا، وكانت النفس الدموية لها حجابا، والجسد الغليظ حجابا، فعلى هذا خالطت كلمة الله الخالق نفس الإنسان الكاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمانية، وصارت كلمة الله في قوامها قواما لتفديث الناس التي كمل جوهرها بتقويم قوام كلمة الله إياها، لأنها لم تخلق ولم تكو شيئا إلا بقوام من كلمة الله الذي خلقها وكونها لا من شيء سبق قبل ذلك في بطن مريم، ولا من سبب كان لها من غير ذلك، غير طوام الكلمة الخالقة الذي هو أحد التثليث الإلهي». فيقال لهم: هذا الكلام يقتضي أن الخالق احتجب بالنفس الناطقة، والنفس الناطقة احتجبت بالبدن. وأنتم تصرحون بأن نفس الكلمة التي هي القالق -وهي الله عندكم- التي خلقت لنفسها إنسانا احتجبت به، وقلتم: هو إنسان تام بجسده ونفسه الدموية وروحه الكلمانية -أي نفسه الناطقة- التي هي صورة الله في الإنسان وشبهه في الإنسان. فكانت مسكنا لله في حلوله واحتجابه. فصرحتم بأن البدن مع الروح مسكن لله في حلوله واحتجابه، وأنه هو الذي خلق ذلك البدن والروح. وقلتم: إن هذه الكلمة الخالقة المحتجبة التي قلتم إنها الله التحمت من مريم العذراء. وإذا كان الله الخالق قد التحم من مريم العذراء، فمعلوم أن ذلك قبل نفخ النفس الناطقة التي سميتموها الروح الكلمانية في المسيح. وإذا كان الخالق تعالى قد التحم بجسد لا روح فيه، والتحامه به أبلغ من حلوله فيه، ثم اتخذ الجسد حجابا قبل نفخ الروح الكلمانية فيه، فكيف يقال: إنما حل في الروح لا في البدن؟ وهو قد التحم بالبدن واتخذ منه جزءا مسكنا له وحجابا قبل أن ينفخ فيه الروح الكلمانية. وقلتم أيضا: «فعلى هذا خالطت كلمة الله الخالقة نفس الإنسان الكاملة بجسدها ودمها وروحها العاقلة الكلمانية». وهذا تصريح بأن الخالق خالط الإنسان بجسده ودمه وروحه، فكيف تقولون: إنما احتجبت بالروح اللطيفة؟ مع تصريحكم بأن الخالق اختلط بالجسد والدم. وهذا أيضا يناقض قول من قال: إنه اتحد به اتحادا بريا من الاختلاط. فقد صرحتم هنا أنه اختلط به. وسيأتي نظائر هذا في كلامهم، يصرحون فيه باختلاط اللاهوت بالناسوت. الوجه الثاني عشر: قولكم «غير قوام الكلمة القالقة الذي هو أحد التثليث الإلهي، فذلك القوام معدود معروف مع الناس، لما ضم إليه وخلقه له، اتحم به من جوهر الإنسان، فهو بتوحيد ذلك القوام الواحد قوام الكلمة الله الخالقة، واحد في التثليث بجوهر لاهوته، واحد في الناس بجوهر ناسوته، ليس باثنين، ولكن واحد مع الأب والروح، وهو إياه واحد مع الناس جميعا بجوهرين مختلفين من جوهر اللاهوت الخالق وجوهر الناسوت المخلوق، بتوحيد القوام الواحد قوام الكلمة التي هي الإبن المولود من الله من قبل كل الدهور، وهو إياه المولود من مريم العذراء في آخر الزمان، من غير مفارقة من الأب ولا من روح القدس». فيقال في هذا الكلام -بل فيما تقدم ذكره- ما يطول تعداده ووصفه من التناقض والفساد والكلام الباطل، والكلام الذي تكلم به قائله وهو لا يتصور ما يقول، مع سوء التعبير عنه، كقوله: «هو هو إياه» فيضع الضمير المنفصل موضع المتصل، ويعطف أحدهما على الآخر بلا واو عطف، إلى أمثال ذلك مما يطول ذكر معانيه. وذلك أن قولهم في نفسه باطل لا حقيقة له، وهم لم يتصوروا معنى معقولا ثم عبروا عنه، حتى يقال: قصروا في التعبير، بل هم في ظلال وجهل، لا يتصورون معقولا ولا يعرفون ما يقولون، بل ولا لهم اعتقاد يثبتون عليه في المسيح. بل مهما قالوه من بدعهم كان باطلا، وكانوا هم معترفين بأنهم لا يفقهون ما يقولون. لهذا يقولون: «هذا فوق العقل»، ويقولون: «قد اتحد به بشر لا يدرك». فما لا يدرك وما هو فوق العقل ليس لأحد أن يعتقده، ولا يقوله برأيه. لكن إذا أخبرت الرسل الصادقون بما يعجز عقل الإنسان عنه، علم صدقهم. وإن نقل عنهم ناقل ما يعلم بصريح العقل بطلانه، علم أنه يكذب عليهم إما في اللفظ والمعنى، وإما في أحدهما. وأما إذا كان هو يقول القول الذي يذكر أنه علم صحته، أو أنه فسر به كلام الأنبياء، وهو لا يتصور ما يقوله ولا يفقه، فهذا قائل على الله وعلى رسله ما لا يعلم. وهذا قد ارتكب أعظم المحرمات. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]، وقال تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:169]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ۞ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:171-172]. قالوا: قد اتفق أهل الملل على أن القول على الله بغير علم حرام. والله سبحانه نهاهم أن يقولوا على الله إلا الحق، فكان هذا نهيا أن يقولوا الباطل، سواء علموا أنه باطل أو لم يعلموا. فإنهم إن لم يعلموا أنه باطل، فلم يعلموا أنه حق أيضا. وإذ الباطل يمتنع أن يعلم أنه حق، وإن اعتقد معتقد اعتقادا فاسدا أنه حق، فذلك ليس بعلم. فلا تقولوا على الله ما لا تعلمون. وإن علموا أنه باطل، فهو أجدر أن لا يقولوه. وعامة النصارى ظلال، لا يعلمون: أن ما يقولونه حق، بل يقولون على الله ما لا يعلمون. والمقصود: أن الباطل في كلامهم كثير، كقولهم: «فهو بتوحيد ذلك القوام الواحد قوام لكلمة الله الخالقة». والمسيح عندهم اسم للهوت والناسوت جميعا، اسم للخالق والمخلوق، وأحدهما متحد بالآخر، فهو بتوحيد ذلك القوام قوام لكلمة الله الخالقة. وسواء أريد بذلك: أن الناسوت واللهوت قوام للهوت، أو أن الناسوت قوام للهوت. وهم يمثلون ذلك بالروح والجسد، والنار والحديد، فيكون كما لو قيل: إن الجسد والروح، أو الجسد قوام للروح، أو النار والحديد، أو الحديد قوام للنار. فيقال: الخالق الأزلي الذي لم يزل ولا يزال، هل يكون المحدث المخلوق قواما له؟ فيكون المخلوق المصنوع المحدث المفتقر إلى الله من كل وجه، قواما للخالق الغني عنه من كل وجه. وهل هذا إلا من أظهر الدور الممتنع؟ فإنهم يعلمون بصريح العقل واتفاق العقلاء: أن المخلوق لا قوام له إلا بالخالق. فإن كان الخالق قوامه بالمخلوق، لازم أن يكون كل من الخالق والمخلوق قوامه بالآخر، فيكون كل منهما محتاجا إلى الآخر، إذ ما كان قوام الشيء به، فإنه محتاج إليه. وهذا مع كونه يقتضي أن الخالق يحتاج إلى مخلوقه، وهو من الكفر الواضح، فإنه يظهر امتناعه بصريح العقل. وهذا لازم للنصارى، سواء قالوا بالاتحاد أو بالحلول. وإن كانت فرقهم الثلاث يقولون بنوع من الاتحاد، فإنه مع الاتحاد كل من المتحدين لا بد له من الآخر، فهو محتاج إليه، كما يمثلون به في الروح مع البدن، والنار مع الحديد. فإن الروح التي في البدن محتاجة إلى البدن، كما أن النار في الحديد محتاجة إلى الحديدة. وكذلك الحلول، فإن كل حال محتاج إلى محلول فيه. وهو من الكفر الواضح، فإنه يظهر امتناعه بصريح العقل. فإن ذلك المخلوق، إن قدر أنه موجود بنفسه قديم أزلي، فليس هو مخلوقا. ومع هذا، فيمتنع أن يكون كل من القديمين الأزليين محتاجا إلى الآخر، سواء قدر أنه فاعل له، أو تمام الفاعل له، أو كان مفتقرا إليه بوجه من الوجوه. لأنه إذا كان مفتقرا إليه بوجه من الوجوه، لم يكن موجودا إلا به. فإن الموجود لا يكون موجودا إلا بوجود لوازمه، ولا يتم وجوده إلا به. فكل ما قدر أنه محتاج إليه، لم يكن موجودا إلا به. فإذا كان كل من القديمين محتاجا إلى الآخر، لزم أن لا يكون هذا موجودا إلا بخلق ذلك ما به تتم حاجة الآخر. وأن لا يكون هذا موجودا إلا بخلق ذلك ما به تتم حاجة الآخر. والخالق لا يكون خالقا حتى يكون موجودا، ولا يكون موجودا إلا بلوازم وجوده. فيلزم أن لا يكون هذا موجودا حتى يجعله الآخر موجودا، ولا يكون ذاك موجودا حتى يجعله الآخر موجودا. إذ كان جعله لما لم يتم به وجوده، يتوقف وجوده عليه. فلا يكون موجودا إلا به. فلا فرق بين أن يحتاج أحدهما إلى الآخر في وجوده، أو فيما لا يتم وجوده إلا به. وهذا هو الدور القبلي الممتنع باتفاق العقلاء. وأما الدور المعي -وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، ولا هذا إلا مع هذا- كالأبوة مع البنوة، كصفات الرب بعضها مع بعض، وصفاته مع ذاته. فإنه لا يكون عالما إلا مع كونه قادرا، ولا يكون عالما قادرا إلا مع كونه حيا، ولا يكون حيا إلا مع كونه عالما قادرا. ولا تكون صفاته موجودة إلا بذاته، ولا ذاته موجودة إلا بصفاته. فهذا جائز في المخلوقين الذين يفتقران إلى الخالق الذي يحدثهما جميعا، كالأبوة والبنوة. وجائز في الرب الملازم لصفاته تعالى. وأما إذا قدر قديمان أزليان ربان فاعلان، امتنع أن يكون أحدهما محتاجا إلى الآخر. إذ كان وجوده لا يتم إلا بما يحتاج وجوده إليه، ولا يكون فاعلا لشيء إن لم يتم وجوده. فيمتنع مع نقص كل منهما عن تمام وجوده، أن يكون فاعلا لغيره، تمام وجود ذلك الغير. ولهذا لم يقل بها أحد من الأمم. ولكن الذي قاله النصارى: أنهم جعلوا قوام الخالق تعالى بالمخلوق. فيقال لهم: هذا أيضا ممتنع في صريح العقل، أعظم من امتناع قيام كل من القالين بالآخر. وإن كان هذا أيضا ممتنعا. فإن المخلوق مفتقر في جميع أموره للخالق، فيمتنع مع فقره في وجوده وتمام وجوده للخالق، أن يكون قوام القالق به. لأن ذلك يقتضي أن يكون مقيما له، وأن يكون تمام وجوده به. فيكون المخلوق لا وجود لشيء منه إلا بالخالق. فالقدر الذي يقال: إنه يقيم به الخالق، هو من الخالق. والخالق خالقه، وخالق كل مخلوق، فلا وجود له ولا قيام إلا بالخالق. فكيف يكون به قيام الخالق؟ وليس هذا كالجوهر وأعراضه اللازمة، أو كالمادة والصورة عند من يزعم أن صورة جوهر. إذا كان متلازمين، فإن هذا من باب الدور المعي، كالنبوة مع الأبوة. وهذا جائز كما تقدم، إذ كان الخالق لهما جميعا هو الله. وأما مع كون كل منهما هو الخالق، فهو ممتنع. ومع كون أحدهما خالقا والآخر مخلوقا، فهو أشد امتناعا. والرب تعالى غني عن كل ما سواه من كل وجه، وكل ما سواه فقير إليه من كل وجه. وهذا معنى اسمه «الصمد». فإن الصمد: الذي يصمد إليه كل شيء لافتقاره إليه، وهو غني عن كل شيء، لا يصمد إلى شيء، ولا يسأله شيئا، سبحانه وتعالى. فكيف يكون قوامه بشيء من المخلوقات؟ وهذا الاتحاد الخاص من النصارى، يشبه من بعض الوجوه قول أهل الوحدة والاتحاد العام، الذين يقولون -كما يقوله ابن عربي، صاحب الفصوص والفتوحات المكية-: إن أعيان المخلوقات ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فهي مفتقرة إليه من حيث الوجود المشترك العام، وهو وجوده. ومفتقر إليها من حيث الأعيان الثابتة في العدم، وهو ما يختص به كل عين عين. فيجعل كل واحد من الخالق والمخلوق مفتقرا إلى الآخر. ويقولون: «الوجود واحد»، ثم يثبتون تعدد الأعيان، ويقولون: «هي مظاهر ومجالي». فإن كان المظهر والمجلى غير الظاهر، فقد ثبت التعدد. وإن كان هو إياه، فلا تعدد. فلهذا يضطرون إلى التناقض، كما يضطر إليه النصارى، حيث يثبتون الوحدة مع الكثرة. وينشدون: «فيعبدني وأعبده، ويحمدني وأحمده». وهؤلاء بنوا قولهم على أصلين فاسدين: أحدهما: أن أعيان الممكنات ثابتة في العدم، كقول من يقول من أهل الكلام: إن المعدوم شيء ثابت في العدم. وهذا القول فاسد عند جماهير العقلاء. وإنما حقيقة الأمر: أن المعدوم يراد إيجاده، ويتصور، ويخبر به، ويكتب قبل وجوده، فله وجود في العلم، والقول، والخط. وأما في الخارج، فلا وجود له. والوجود هو الثبوت، فلا ثبوت له في الوجود العيني الخارجي. وإنما ثبوته في العلم، أي: بعلمه العالم قبل وجوده. والأصل الثاني: أنهم جعلوا نفس وجود رب العالمين الخالق القديم الأزلي الواجب بنفسه، هو نفس وجود المربوب المصنوع الممكن. كما قال ابن عربي: «ومن عرف ما قرناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها، علم أن الحق المنزه هو القالق المشبه». إلى أن قال: «وما ذبح سوى نفسه، وما نكح سوى نفسه». وقال: «ومن أسماء الحسنى العلي على من يكون عليا؟ وما هو إلا هو، أو عن ماذا يكون عليا؟ وما ثم إلا هو». فعلوه لنفسه، وما هو من حيث الوجود عين الموجودات. فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها، وليست إلا هو. وقد نقل عن أبي سعيد الخراز أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ قال: «بجمعه بين الأضداد». وقرأ قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:3]. أراد بذلك أنه مجتمع في حقه سبحانه ما يتضاد في حق غيره. فإن المخلوق لا يكون أولا وأخرا، وباطنا وظاهرا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». فجاء هذا الملحد، وفسر قول أبي سعيد: بأن المخلوق هو الخالق. فقال أبو سعيد: «وهو وجه من وجوه الحق، ولسان من ألسنته، ينطق عن نفسه: بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره. وما ثم من يراه غيره، وما ثم من بطن عنه سواه، فهو ظاهر لنفسه، باطن عن نفسه. وهو المسمى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات». ولهذا قال بعض النصارى لمن يقول مثل هذا، ويحكيه عن شيوخه، ويقول: إنه مسلم: «أنتم كفرتمونا؛ لأجل أن قلنا: إن الله هو المسيح. وشيوخكم يقولون: إن الله هو أبو سعيد الخراز. والمسيح خير من أبي سعيد». وهؤلاء يجيبون النصارى لجواب يتبين به أنهم أعظم إلحادا من النصارى، فيقولون للنصارى: «أنتم قصصتموه بالمسيح، ونحن نقول: هو وجود كل شيء، لا نخص المسيح». ولهذا قال بعضهم: «ليحذق هؤلاء التلمساني الملقب بالعفيف: أنت نصيري». فقال: «نصير جزء مني». فإن النصيرية أتباع أبي سعيد محمد بن نصير، يقولون في علي بن أبي طالب نظير ما يقوله النصارى في المسيح. وكذلك سائر الغلاة في علي، أو في أحد من أهل بيته، أو في الإسماعيلية بني عبيد المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر -كالحاكم وغيره- أو في الحلاج، أو في بعض من الشيوخ الذين يقولون في واحد من هؤلاء باتحاد اللهوت به، أو حلوله فيه، نظير ما تقوله النصارى في المسيح. وهؤلاء يقولون: بأن الحلول والاتحاد محدث، وأن القديم حل أو اتحد بالمحدث بعد أن لم يكونا متحدين. وأما أولئك فيقولون بالوحدة المطلقة. فمحققوهم يقولون: «إنه وجود كل شيء»، لا يقولون باتحاد وجودين، ولا بحلول أحدهما بالآخر. بل قد يقولون: «إن الوجود هو ثبوت وجود الحق، وثبوت الأشياء اتحدا، وكل منهما مفتقر إلى الآخر». فالحق إذا ظهر كان عبدا، والعبد إذا بطن كان ربا. ويقولون: «إذا حصل لك التجل الذاتي -وهو هذا- لم تضرك عبادة الأوثان ولا غيرها». بل يصرحون بأنه عين الأوثان والأنداد، وأن أحدا لم يعبد غيره. كما يقول ابن عربي -مصوبا لقوم نوح الكفار-: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح:22]، قال: «لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية». يدعو إلى الله، فهذا عين المكر. فأجابوه مكرا كما دعاهم مكرا. فقالوا في مكرهم: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:23]. إذا تركوهم، جهلوا عن الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء. فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. كما قال في المحمديين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:23]، أي: حكم. فما حكم الله بشيء إلا وقع. فالعارف يعرف من عبد، وفي أي صورة ظهر، حتى عبد. وفي أي صورة ظهر، حتى عبد. وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في صورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصور الروحانية. فما عبد غير الله في كل معبود. وصوب هذا الملحد فرعون في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24]. قال: «ولما كان فرعون في منصب التحكم، صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي لذلك، قال: أنا ربكم الأعلى، أي: وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم». قال: «ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله، لم ينكروه، وأقروا له بذلك. وقالوا له: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَحْنُ بِكَ مُؤْمِنُونَ﴾ [طه:72]، فالدولة لك». قال: «فصح قول فرعون: أنا ربكم الأعلى، وإن كان فرعون عين الحق». وصوب أيضا أهل العجل في عبادتهم العجل، وزعم أن موسى رضي بذلك. فقال: «ولما كان موسى أعلم بالأمر من هارون، لعلمه بأن الله قضى أن لا نعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، كان عتبه على هارون لإنكاره وعدم اتساعه». فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل من يراه عين كل شيء. ومن هؤلاء طائفة يقولون: «بسم الله الرحمن الرحيم». جعل رحمه الله تعالى في هذا الموضع الوجه الحادي عشر والثاني عشر في بيان فساد قول النصارى في الاتحاد، وأنه فاسد من جهة الشرع ومن جهة العقل، ويستلزم لوازم فاسدة كما بيّنه في معنى الدور الذي هو ممتنع أعظم الامتناع. وذلك أن إثبات صفة الألوهية للخالق سبحانه وتعالى تستلزم كمال قيوميته واستغنائه عما سواه وأزليته. فزعمهم أن الخالق حل في المخلوق ينافي ذلك، ويستلزم بطلان الصفات التي تستلزمها صفات الخالق، وغير ذلك من اللوازم الباطلة. ثم انتقل رحمه الله إلى ذكر كلام أهل الحلول والاتحاد، ليبين وجه الشبه. فكما أن النصارى ينكرون على أهل الحلول والاتحاد، ويستدلون بمعتقدهم على تصويب معتقد أنفسهم، وهم في الحقيقة يكفرونهم أعظم التكفير لقولهم بالحلول والاتحاد. فإن في هذا عظة لكل منصف من النصارى: أن منتهى قول أهل الحلول والاتحاد ممن ضل من المسلمين هو حقيقة منتهى قول النصارى، بل مبتدأ قول هؤلاء الضلال من أهل الحلول والاتحاد هو حقيقة من شأنه من قول النصارى. وأهل الإسلام الحق يكفرون أهل الحلول والاتحاد لشناعة قولهم ومخالفته للمعقول والمنقول، وتضمنه أنواع الكفريات. وهكذا كذلك النصارى الذين قولهم جزء من قول أهل الحلول والاتحاد. وسيأتي معنا إن شاء الله زيادة إضاح لهذا في المباحث الآتية. وإلى هنا والله تعالى أعلى.