الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 160، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش اعتقاد النصارى بأقانيم الله الثلاثة وردود المسلمين عليهم، ويبين أن كلا الطرفين يستند إلى نصوص مقدسة تحتمل التأويل. يوضح أن أهل السنة والجماعة يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفته به رسله.
يناقش انتقادات النصارى للمسلمين ويبين عدم صحة هذه الانتقادات، ويشير إلى أن النصارى ابتدعوا أقوالاً وعقائد ليست منصوصة عن الأنبياء. يبين أن المسلمين لم يثبتوا لله صفات تشبه صفات المخلوقين كما زعم النصارى.
يناقش ادعاءات أهل الكتاب بأن المسلمين يصفون الله بالتجسيم، ويبين أن هذا الوصف موجود في التوراة وغيرها من الكتب الإلهية. يوضح أن الألفاظ المستخدمة في وصف الله وصفات خلقه قد تكون متشابهة، ولكنها تختلف في المعنى حسب السياق والإضافة.
يتناول كيفية فهم الصفات الإلهية وتأويل النصوص الدينية، مشيرا إلى أن سوء الفهم قد يؤدي إلى تأويلات خاطئة. يوضح أن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، وأن اللغة قد تستخدم في دلالات مختلفة حسب السياق.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام المتلمي، رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح لبدل دين المسيح، فصل. قال الحاكي عنهم: فقلت لهم: إنهم يقولون لنا: إذا كان اعتقادكم في الباري تعالى أنه واحد، فما حملكم على أن تقولوا: أب وابن وروح قدس، فتوهمون السامعين أنكم تعتقدون في الله ثلاثة أشخاص مركبة أو ثلاثة آلهة أو ثلاثة أجزاء، وأن له ابنًا، ويظن من لا يعرف اعتقادكم أنكم تريدون بذلك ابن المباضعة والتناسل، فتطرقون على أنفسكم تهمة أنتم منها بريئون. قالوا: وهم أيضًا لما كان اعتقادهم في الباري، جلت عظمته، أنه غير ذي جسم، وغير ذي جوارح وعضو، وغير محصور في مكان، فما حملهم على أن يقولوا: إن له عينين يبصر بهما، ويدين يبسطهما، وساقًا، ووجهًا يوليه إلى كل مكان، وجنبًا، وأنه يأتي في ظلل من الغمام، فيوهمون السامعين أن الله ذو جسم، وذو أعضاء، وجوارح، وأنه ينتقل من مكان إلى مكان في ظلل من الغمام، فيظن من لا يعرف اعتقادهم أنهم يجسمون الباري، حتى إن قومًا منهم اعتقدوا ذلك، واتخذوه مذهبًا، ومن لم يتحقق اعتقادهم يتهمهم بما هم بريئون منه. قال: قلت لهم: إنهم يقولون: إن العلة في قولهم هذا: أن الله له عينان، ويدان، ووجه، وساق، وجنب، وأنه يأتي في ظلل من الغمام، فهو أن القرآن نطق به، وأن ذلك غير ظاهر اللفظ، وكل من يحمل ذلك على ظاهر اللفظ، ويعتقد أن الله له عينان، ويدان، ووجه، وجنب، وجوارح، وعضو، وأن ذاته تنتقل، فهم يلعنونه ويكفرونه، فإذا كفروا من يعتقد هذا، فليس لمخالفيهم أن يلزموهم هذا بعد أن لا يعتقدوه. قالوا: وكذلك نحن أيضًا، النصارى، العلة في قولنا: إن الله ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح قدس، أن الإنجيل نطق به، والمراد بالأقانيم غير الأشخاص المركبة، والأجزاء، والأبعاض، وغير ذلك مما يقتضي الشرك والتكثير، وبالأب والابن غير الأبوة، وبنوة نكاح أو تناسل أو جماعة مباضعة، وكل من يعتقد أن الثلاثة أقانيم ثلاثة آلهة مختلفة، أو ثلاثة آلهة متفقة، أو ثلاثة أجسام مؤلفة، أو ثلاثة أجزاء متفرقة، أو ثلاثة أشخاص مركبة، أو أعراضًا، أو قوة، أو غير ذلك مما يقتضي الاشتراك والتكثير والتبعيض والتشبيه، أو بنوة نكاح أو تناسل أو مباضعة أو جماعة أو ولادة زوجة أو من بعض الأجسام أو من بعض الملائكة أو من بعض المخلوقين، فنحن نلعنه ونكفره ونجرمه، وإذا لعنا أو كفرنا من يعتقد ذلك، فليس لمخالفين أن يلزموننا بعد أن لا نعتقده، وإن ألزمونا الشرك والتشبيه لأجل قولنا: أب وابن وروح قدس، لأن ظاهر ذلك يقتضي التكثير والتشبيه، ألزمناهم أيضًا نحن التجسيم والتشبيه لقولهم: إن الله له عينان، ويدان، ووجه، وساق، وجنب، وأن ذاته تنتقل من مكان إلى مكان، وأنه استوى على العرش من بعد أن لم يكن عليه، وغير ذلك مما يقتضي ظاهره التجسيم والتشبيه. والجواب من وجوه: أحدها أن يقال: من آمن بما جاءت به الرسل، وقال ما قالوه من غير تحريف للفظه ولا معناه، فهذا لا إنكار عليه، بخلاف من ابتدع أقوالًا لم تقلها الرسل، بل هي تخالف ما قالوه، وحرف ما قالوه إما لفظًا ومعنى، وإما معنى فقط، فهذا يستحق الإنكار عليه باتفاق الطوائف. وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصل ونفي مجمل. فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطل يعبد عدمًا، والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وهو رد على الممثلة، وهو السميع البصير، وهو رد على المعطلة. فوصفته الرسل بأنه حي منزه عن الموت، عليم منزه عن الجهل، قدير قوي عزيز منزه عن العجز والضعف والذل واللغوب، سميع بصير منزه عن الصمم والعمى، غني منزه عن الفقر، جواد منزه عن البخل، حكيم حليم منزه عن السفه، صادق منزه عن الكذب، إلى سائر صفات الكمال. مثل وصفه بأنه ودود رحيم لطيف، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فالصمد اسم يتضمن إثبات صفات الكمال ونفي النقائص، وهو العليم الكامل في علمه، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته. ولنا مصنف مبسوط في تفسير هذه السورة، وآخر في بيان أنها تعادل ثلث القرآن، وذكرنا كلام علماء المسلمين من الصحابة والتابعين في معنى الصمد. وذكر تعالى في هذه السورة أنه أحد ليس له كفوا أحد، فنفى بذلك أن يكون شيئًا من الأشياء له كفوا، وبيّن أنه أحد لا نظير له. وقال في آية أخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. وما ورد في القرآن والسنة من إثبات صفات الله، فقد ورد في التوراة وغيرها من كتب الله مثل ذلك، فهو أمر اتفقت عليه الرسل، وأهل الكتاب في ذلك كالمسلمين. فليس في كلام الأنبياء، لا المسيح ولا غيره، ذكر أقانيم لله، لا ثلاثة ولا أكثر، ولا إثبات ثلاث صفات، ولا تسمية شيء من صفات الله ابنا لله، ولا ربا، ولا تسمية حياته روحًا، ولا أن الله ابنا هو إله حق من إله حق من جوهر أبيه، وأنه خالق كما أن الله خالق، إلى غير ذلك من الأقوال المتضمنة لأنواع من الكفر لم تنقل عن نبي من الأنبياء. فقالوا في شريعة إيمانهم: نؤمن بالله الأب، صانع كل شيء، ما يرى وما لا يرى، وهذا حق، ثم قالوا: وبالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، مولود ليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، نور من نور، مساو للأب في الجوهر، الذي بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، ومن مريم العذراء البتول، وصار إنسانًا، وحبل به، وولد من مريم البتول، وتألم، وصلب، ودفن، وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس المحيي، وروح الحق المنبثق من أبيه، أو الذي خرج من أبيه، روح محيي. فأين في كلام الأنبياء أن شيئًا من صفات الله أو من مخلوقاته يقال فيه: إنه أقنوم، وإنه حق من إله حق من جوهر أبيه، وأنه مساو لله في الجوهر، وإنه خالق خلق كل شيء، وإنه قعد عن يمين الله فوق العرش، وإنه الذي يقضي بين الناس يوم القيامة؟ وأين في كلام الأنبياء أن لله ولدًا قديمًا أزليًا؟ ومن الذي سمى كلام الله أو علمه أو حكمته مولودًا له أو ابنا له أو شيئًا من صفاته مولودًا له أو ابنا له؟ ومن الذي قال من الأنبياء: إنه مولود وهو مع ذلك قديم أزلي؟ وأين في كلامهم أن لله أقنومًا ثالثًا هو حياته، ويسمى بروح القدس، وأنه أيضًا رب حي محيي؟ فلو كان النصارى آمنوا بنصوص الأنبياء كما آمن المؤمنون، لم يكن عليهم ملام، ومن اعترض على نصوص الأنبياء، كان لفساد فهمه ونقص معرفته. ولكنهم ابتدعوا أقوالًا وعقائد ليست منصوصة عن أحد من الأنبياء عليهم السلام، وفيها كفر ظاهر وتناقض. فلو قدر أنهم أرادوا بها معًا صحيحًا، لم يكن لأحد أن يبتدع كلامًا لم يأتي به نبي يدل على الكفر المتناقض الذي يخالف الشرع والعقل، ويقول: إني أردت به معنى صحيحًا، من غير أن يكون لفظه دالًا على ذلك. فكيف والمراد الذي يفسرون به كلامهم فاسد متناقض كما تقدم؟ فهم ابتدعوا أقوالًا منكرة، وفسروها بتفسير منكر، فكان الرد عليهم من كل واحد من الوجهين. وهم في ذلك نظير بعض ملاحدة المسلمين الذين يعتقدون إلهية بعض أهل البيت أو بعض المشايخ، ويصفون الله بصفات لم ينطق بها كتاب، وهؤلاء ملحدون عند المسلمين. بخلاف المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسله، الذين آمنوا بما قالت الأنبياء، ولم يبتدعوا أقوالًا لم يأتي بها الأنبياء، وجعلوها أصل دينهم. الوجه الثاني: أن يقال: ما ذكرتموه عن المسلمين كذب ظاهر عليهم، فهذا النظم الذي ذكروه ليس هو في القرآن ولا في الحديث، ولا يعرف عالم مشهور، ولا طائفة مشورة من طوائفهم يطلقون العبارة التي حكوها عن المسلمين. حيث قالوا عنهم: إنهم يقولون: إن لله عينين يبصر بهما، ويدين يبسطهما، وساقًا، ووجهًا يوليه إلى كل مكان، وجنبًا. ولكن هؤلاء ركبوا من ألفاظ القرآن بسوء صرفهم وفهمهم تركيبًا زعموا أن المسلمين يطلقونه، وليس في القرآن ما يدل ظاهره على ما ذكروه. فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. واليهود أرادوا بقولهم: يد الله مغلولة: أنه بخيل، فكذبهم الله في ذلك، وبين أنه جواد لا يبخل، فأخبر أن يديه مبسوطتان، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾. فبسط اليدين المراد به الجود والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد، ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها، صار من المعروف اللغة التعبير ببسط اليد عن العطاء. فلما قالت اليهود: يد الله مغلولة، وأرادوا بذلك أنه بخيل، كذبهم الله في ذلك، وبين أنه جواد ماجد، وإثبات اليدين له موجود في التوراة وسائر النبوات، كما هو موجود في القرآن. فلم يكن في هذا شيء يخالف ما جاءت به الرسل، ولا ما يناقض العقل، وقد قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأخبر أنه خلق آدم بيديه، وجاءت الأحاديث صحيحة توافق ذلك. وأما لفظ العينين فليس هو في القرآن، ولكن جاء فيه حديث، وذكر الأشعري عن أهل السنة: أنهم يقولون: إن لله عينين. ولكن الذي جاء في القرآن: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدِسْرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. وأما قولهم: له وجه يوليه إلى كل مكان، فليس هذا في القرآن، ولكن في القرآن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. وهذا قد قال فيه طائفة من السلف: فثم قبلة الله، أي: فثم جهة الله، والجهة كالوجه والعدة. والمراد بوجه الله: وجهة الله، الوجه والجهة التي لله يستقبل في الصلاة، كما قال في أول الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، ثم قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإذا كان لله المشرق والمغرب، ولكل وجهة هو موليها، فقوله: موليها، أي: متوليها أو مستقبلها، فهذا كقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: فأينما تستقبلوا فثم وجهة الله. وقد قيل: إنه يدل على صفة الله، لكن يدل على أن ثم وجهًا لله، وأن العباد أينما يولون فثم وجه الله، فهم الذين يولون ويستقبلون، لا أنه يولي وجهه إلى كل مكان، فهذا تحريف منهم للفظ القرآن عن معناه، وكذب على المسلمين. ومن قال بالقول الثاني من المسلمين، فإن ذلك يقتضي أن الله محيط بالعالم كله، كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا بيان ضلال هؤلاء في دينهم، فيما ابتدعوا من الكفر والتثليث والاتحاد، دون الذين آمنوا بالله ورسله، وما أخبرت به الرسل من الله عن الله تبارك وتعالى. وأما قولهم: وجنب، فإنه لا يعرف عالم مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان. وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَةً عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة، وصفاتها القائمة بها، ما ليس بصفة له باتفاق الخلق. فقوله تعالى: بيت الله، وناقة الله، وعباد الله، بل وكذلك روح الله عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم. ولكن إذا أضيف إليه ما هو صفة له، وليس بصفة لغيره، مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك، نصفة له. وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان، فإنه قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَةً عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾. والتفريط ليس في شيء من صفات الله عز وجل، والإنسان إذا قال: فلان قد فرط في جنب فلان، أو جانبه، لا يريد به أن التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد به أنه فرط في جهته، وفي حقه. فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أن التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه، فكيف يظن أن ظاهره في حق الله أن التفريط كان في ذاته؟ وجنب الشيء وجانبه قد يراد به منتهاه وحده، ويسمى جنب الإنسان جنبًا بهذا الاعتبار. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. وإذا قدر أن الإضافة هنا تتضمن صفة الله، كان الكلام في هذا كالكلام في سائر ما يضاف إليه تعالى من الصفات. وفي التوراة من ذلك نظير ما في القرآن، وهذا يتبين بالوجه الثالث. الوجه الثالث: أن يقال: ما في القرآن والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وصف الله بهذه الصفات التي يسميها بعض الناس تجسيما، وهو مثل ما في التوراة وسائر كتب الأنبياء. وهذا الذي في التوراة وكتب الأنبياء ليس مما أحدثه أهل الكتاب، ولو كانوا مبتدعي ذلك، ووصفوا الخالق بما يمتنع عليه من التجسيم، لكان النبي صلى الله عليه وسلم ذمهم على ذلك. كما ذمهم على ما وصفوه به من النقائص في مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. فنفى عنه اللغوب الذي يظن في لفظ الاستراحة الذي في التوراة، فإن فيها: أن الله خلق العالم في ستة أيام، ثم استراح في يوم السبت، فظن بعض الناس أنه تعب فاستراح. ثم من علماء المسلمين من قال: إن هذا اللفظ حرفوا معناه دون لفظه، وهذا لفظ التوراة المنزلة، قالهم: نقتيبة وغيره. وقالوا: معناه: ثم ترك الخلق، فعبر عن ذلك بلفظ استراح، ومنهم من قال: بل حرفوا لفظه، كما قال: أبو بكر الأنباري وغيره، وقالوا: ليس هذا لفظ التوراة المنزلة. وأما ما في التوراة من إثبات الصفات، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك، بل كان علماء اليهود إذا ذكروا شيئًا من ذلك يقرهم عليه، ويصدقهم عليه. كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود: أن حبرًا من اليهود جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إن الله عز وجل يوم القيامة يحمل السماوات على أصبع، والأرض على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تعجبًا تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. وفي التوراة: إن الله كتب التوراة بأصبعه. وإذا ثبت أن مثل هذه النصوص في التوراة والكتب المتقدمة باتفاق أهل الكتاب، وبما يشهد على ذلك من إخبار الرسول بنظير ذلك، وترك إنكاره لما في التوراة، وتصديقه على ما كانوا يذكرونه من ذلك، لم يكن المسلمون مختصين بذكر ما سموه تجسيما، بل يلزم أهل الكتاب اليهود والنصارى من ذلك نظير ما يلزم المسلمين. وقد افترق أهل الكتاب في ذلك كما افترق فيه المسلمون، منهم الغالي في النفي والتعطيل، ومنهم الغالي في التشبيه والتمثيل، والمسلمون أئمتهم وجمهورهم مقتصدون بين التعطيل والتمثيل. وكذلك طائفة من أهل الكتاب، والمقصود أنه إذا كانت هذه الصفات قد جاءت في الكتب الإلهية التوراة وغيرها، كما جاءت في القرآن، لم يكن للمسلمين بذلك اختصاص، ولم يجوز للنصارى أن يجعلوا ذلك نظيرًا مختصًا به من التثليث والاتحاد، فإن ذلك مختص بهم. وهذه الصفات قد اشترك فيها أهل الملل الثلاث، لأن التثليث والاتحاد ليس منصوصًا عن أحد من الأنبياء عليهم السلام، وهذه الصفات منصوصة في القرآن والتوراة وغيرهما من كتب الأنبياء. فكيف يجوز تشبيه هذا بهذا؟ الوجه الرابع: قولهم: فيوهمون السامعين أن الله ذو جسم وأعضاء وجوارح، كلام باطل. وذلك أن الله سمى نفسه وصفاته بأسماء، وسمى بعض عباده وصفات عباده بأسماء هي في حقهم نظير تلك الأسماء في حقه سبحانه وتعالى. فسمى نفسه حيا، وسمى بعض عباده حيا، وسمى نفسه عليما، وسمى بعض عباده عليما، وسمى نفسه حليما، وسمى بعض عباده حليما، وسمى نفسه رؤوفا رحيما، وسمى بعض عباده رؤوفا رحيما. وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم، وكذلك سمى نفسه ملكا جبارا متكبرا عزيزا، وسمى بعض عباده ملكا، وبعضهم عزيزا، وبعضهم جبارا متكبرا. وليس هو في ذلك مماثلا لخلقه، وكذلك سمى بعض صفاته علما وقوة وأيدا وقدرة ورحمة وغضبا ورضا ويدا وغير ذلك، وسمى بعض صفات عباده بذلك. وليس علمه كعلمهم، ولا قدرته كقدرتهم، ولا رحمته وغضبه كرحمتهم وغضبهم، ولا يده كأيديهم. وكذلك ما أخبر به عن نفسه من استواءه على العرش، ومجيئه في ظلل من الغمام، وغير ذلك من هذا الباب، ليس استواءه كاستوائهم، ولا مجيئه كمجيئهم. وهذه المعاني التي تضاف إلى الخالق تارة، وإلى المخلوق أقرأ تذكر على ثلاثة أوجه: تارة تقيد بالإضافة إلى الخالق، أو بإضافته إليها، وتارة تتقيد بالمخلوق، وتارة تطلق مجردة. فإذا قيدت بالخالق لم تدل على شيء من خصائص المخلوقين، فإذا قيل: علم الله، وقدرته، واستواءه، ومجيئه، ويده، ونحو ذلك، كانت هذه الإضافة توجب ما يختص به الرب الخالق، وتمنع أن يدخل فيها ما يختص به المخلوق. وكذلك إذا قيل: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك، كانت هذه الإضافة توجب ما يختص بالعبد، وتمنع أن يدخل في ذلك ما يختص بالرب عز وجل. وإذا جرد اللفظ عن القيود، فذكر بوصف العموم والإطلاق، تناول الأمرين، كسائر الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق. وهذه للناس فيها أقوال: قيل: إن حقيقة في الخالق، مجاز في المخلوق، وقيل: بالعكس، وقيل: حقيقة فيهما، وهو قول الجمهور. ثم قيل: هي مشتركة اشتراكا لفظيا، وقيل: متواطية، وهو قول الجمهور. ثم من جعل المشكك نوعا من المتواطية لم يمتن عنده إذا قيل: مشكك، أن تكون متواطية، ومن جعل ذلك نوعا آخر جعلها مشككة لا متواطية. وهذا نزاع اللفظ، فإن المتواطية التواطئ العام يدخل فيها المشككة، إذ المراد بالمشككة ما يتفاضل معانيها في مواردها. والمقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى إذا أضاف إلى نفسه ما أضافه، إضافة يختص بها، وتمنع أن يدخل فيها شيء من قصائص المخلوقين، وقد قال مع ذلك: إنه ليس كمثله شيء، وإنه لم يكن له كفوا أحد، وأنكر أن يكون له سمي. وكان من فهم من هذه ما يختص به المخلوق، قد أوتي من سوء فهمه ونقص عقله، ولا من قصور في بيان الله ورسوله، ولا فرق في ذلك بين صفة وصفة. فمن فهم من علم الله ما يختص به المخلوق من أنه عرض محدث بالطرار أو اكتساب من نفسه، أوتي، وليس في قولنا: علم الله، ما يدل على ذلك. وكذلك من فهم من قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ما يختص به المخلوق من جوارحه وأعضائه، فمن نفسه أوتي، فليس في ظاهر هذا اللفظ ما يدل على ما يختص به المخلوق، كما في سائر الصفات. وكذلك إذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، من فهم من ذلك ما يختص بالمخلوق كما يفهم من قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، فمن نفسه أتي. فإن ظاهر اللفظ يدل على استواء يضاف إلى الله عز وجل، كما يدل في تلك الآية على استواء يضاف إلى العبد. وإذا كان المستوي ليس مماثلا للمستوي، لم يكن الاستواء مماثلا للاستواء. فإذا كان العبد فقيرا إلى ما استوى عليه، يحتاج إلى حمله، وكان الرب عز وجل غنيا عن كل ما سواه، والعرش وما سواه فقيرا إليه، وهو الذي يحمل العرش وحملة العرش. لم يلزم إذا كان الفقير محتاجا إلى ما استوى عليه، أن يكون الغني عن كل شيء، وكل شيء محتاج إليه، محتاجا إلى ما استوى عليه. وليس في ظاهر كلام الله عز وجل ما يدل على ما يختص به المخلوق من حاجة إلى حامل، وغير ذلك. بل توهم هذا من سوء الفهم، لا من دلالة اللفظ. لكن إذا تخيل المتخيل في نفسه أن الله مثله، تخيل أن يكون استواءه كاستوائه، وإذا عرف أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، علم أن استواءه ليس كاستوائه، ولا مجيئه كمجيئه. كما أن علمه وقدرته ورضاه وغضبه ليس كعلمه وقدرته ورضاه وغضبه. وما بين الأسماء من المعنى العام الكل، كما بين قولنا: حي وحي، وعالم وعالم، وهذا المعنى العام الكل المشترك لا يوجد عاما كليا مشتركا إلا في العلم والذهن، وإلا فالذي في الخارج أمر يختص بالموصوف. فصفات الرب عز وجل مختصة به، وصفات المخلوق مختصة به، ليس بينهما اشتراك، ولا بين مخلوق ومخلوق. الوجه الخامس: قولهم: لما كان اعتقادهم في الباري جلت قدرته أنه غير ذي جسم، استعمال منهم للفظ الجسم في القدر والغلظ، لا في ذي القدر والغلظ. وهذا أحد موردي استعماله، وهو الأشهر في لغة العامة، فيقولون: هذا الثوب له جسم، وهذا ليس له جسم، أي: هذا له غلظ وكثافة دون هذا. ولكن النظار أكثر ما يستعملون لفظ الجسم في نفسه ذي القدر، فيقولون: للقائم بنفسه ذي القدر إنه جسم. وهذا اللفظ لما كثر استعماله في كلام النظار تفرقوا في معانيه لغة وعقلا وشرعا، تفرقا ضل به كثير من الناس. فإن هذا اللفظ أصله في اللغة هو الجسد، قال غير واحد من أهل اللغة: كالأصمعي وأبي زيد وغيرهما: الجسم هو الجسد. وهذا إنما يستعمل أهل اللغة فيما كان غليظا كثيفا، فلا يسمون الهواء جسما ولا جسدا، ويسمون بدن الإنسان جسدا. وقد تقدم أن الجسم يراد به نفس الجسد، ويراد به قدر الجسد، وغيرظه. قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. وقد يراد به هذا وهذا، ثم إن أهل النظر استعملوا لفظ الجسد في أعم معناه في اللغة، كما فعلوا مثل ذلك في لفظ الجوهر، ولفظ العرض، ولفظ الوجود، ولفظ الذات، كغير ذلك. فاستعملوا لفظ الجسم فيما يقوم بنفسه، وتمكن الإشارة إليه الحسية المختلفة، ثم تنازعوا نزاعا عقلي