الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 6، الدرس السادس:من( باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ... الثانية والعشرون:حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث النبي حول السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وتحليل معنى تحقيق التوحيد. يُفصّل أهمية العلم والتوكل واجتناب الشرك والمعاصي.
يبرز أهمية العلم بالتوحيد والعمل به، ويشرح فوائد حديث ابن عباس مثل التوكل وترك الرقية والكي، ويبين أهمية الاعتقاد الصحيح وأعمال القلب.
يتناول استنباطات من حديث الرقية مثل عدم الاغترار بالكثرة والزهد في القلة، ويتحدث عن حسن خلق النبي في اعتذاره عن رجل وأثنى على جوابه العظيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «كتاب التوحيد»: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. وعن حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب، أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمى. والحمى هو كل ما حمي موضعه من أثر لدغ الهوام، سواء كان لدغ عقرب أو لدغ ثعبان أو لدغ نملة أو غير ذلك مما يلدغ ويؤثر بالحمى والحرارة في المكان. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع -يعني علمه-، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». وقد مر معنا في دروس سابقة أنهم أكثر من سبعين ألف، ومر معنا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين أنهم سبعون، ومعهم سبعون، وسبعون، وهكذا، كذلك فيما مر معنا في الصحيح المسند من دلائل النبوة. ولهذا قال بعض أهل العلم كابن الأثير في كتابه «النهاية في غريب الحديث»: أن لفظ السبعة والسبعين والسبعمائة عند العرب يذكر للتكثير والمبالغة، والتضعيف يذكر للتكثير والمضاعفة، وكذلك المبالغة والتكثير، فليس يذكر لأجل تحديد عين العدد، ولكن المقصود منه الكثرة والمضاعفة في ذلك، وقاله، وكذلك في الكتاب والحديث ولغة العرب. ثم ذكر شواهد كثيرة، رحمه الله، تدل على هذا المعنى، كقول الله عز وجل: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾، فليس المقصود عين العدد، بقصد ما المقصود هو الكثرة. وذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف»، ثم قال: «إلى ماذا؟ إلى أضعاف كثيرة». فدل أن سبع مئة ضعف ليس المقصود به التعيين، ولكن مقصود به التضعيف والتكثير والمبالغة في هذه الكثرة. وهكذا كذلك في هذا الحديث: «معهم سبعون ألفا»، أي: عدد كثير يعدون بالألوف الكثيرة. قال: ثم نهض، فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». وهذا من كمال إيمانهم وتحقيق توحيدهم، فهم أدوا معنى تحقيق التوحيد على الوجه الواجب والمستحب، وعلى الوجه الذي يقضى به الأصل، والذي يحصل به التمام. والتفريق بين الواجب والمستحب والأصل وما كان على وجه التمام: أن الواجب هو تخليص هذا التوحيد من الشرك والبدع والكبائر والإصرار على الصغائر. وأما المستحب فهو تخليص هذا التوحيد، أو ما يتعلق بالتوحيد من معاني قلبية وعملية، من كل معنى فيه تعلق القلب بالمخلوقين. فإذا زال هذا التعلق القلبي والعملي، فإنه عند ذلك يكمل تحقق التوحيد. ولهذا ترى أن هذا الحديث فيه الإشارة إلى هذا المعنى. قال: فقام عكاش بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشة». والحديث في الصحيحين، وهذا لفظ الإمام مسلم، رحمه الله. وذكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في تعليق على هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عكاش بن محصن؛ لما بلي به قبل هذا الحديث من بلاء في غزوة قبل ذلك. قال رحمه الله: «فيه مسائل». أي: هذا الحديث. قال: «الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. فالناس مراتب: منهم من حقق أصل التوحيد، ومنهم من لم يحقق أصل التوحيد. فمن لم يحقق أصل التوحيد لم ينج، إن كان المنافي لأصل التوحيد الشرك والكفر، وإن كان المنافي له البدعة والكبائر والمعاصي، فهو تحت المشيئة. ومن حقق التوحيد أو أصله، فهو بإذن الله تعالى من الناجين. ومن حقق التوحيد وكمله -كما سبق- بالإتيان بمستحباته ومكملاته وفضائله، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويكون من القانتين الذين ربما يأتي الواحد منهم وهو أمة. إن إبراهيم كان أمة، بماذا؟ بتحقيق توحيده، رحمه الله، قانتا لله حنيفا، ولم يكن من المشركين». وفي هذا إشارة: أن الإمامة من أعظم شروطها تحقيق التوحيد، فمن لم يحقق التوحيد علما وعملا، لا تكون له إمامة، وإن كانت فهي إمامة زائلة، وإمامة غير مرضية، ولا ينتفع بها صاحبها. قال: «الثانية: ما معنى تحقيقه؟ أي: تحقيق التوحيد. ومعناه هو الإتيان -كما قلنا- بما يجب ويستحب من ذلك. ولذلك أمور معينة لتحقيق التوحيد، من أعظم هذه الأمور ثلاث خصال: أولها: العلم. فإن العلم من أعظم ما يتحقق به التوحيد. وفاقد الشيء لا يعطيه، من لم يكن عنده علم بمسائل التوحيد لا يحقق التوحيد. ولهذا لو تأملت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في التوحيد، تجدها علما يفتقر إليه الكثير من الناس، سواء من النوع الأول -أي: الواجب منه- أو النوع الثاني -وهو المستحب- على ما سبق تفصيله. فمن الأول: كل ما ينافي الشرك، كل ما ينافي التوحيد، ويكون من الشرك. وعلى سبيل المثال للحصر: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»، ونظائر لهذا المعنى كثيرة. ومن الثاني: هذا الحديث، حديث ابن عباس، وأحاديث كثيرة، كالنهي عن الطيرة. قالوا: يا رسول الله -كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي-: «ومنه الناس يتطيرون». قال: «ذلك شيء يجد أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم». رواه مسلم. وهكذا من هذه الأمور: ثانيا: الاعتقاد. والأول من العلم تحقيقه، كذلك بالعمل به؛ لأن المقصود بالعلم ليس العلم المجرد عن العمل، بل العلم المتبوع بالعمل. «فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك». والثاني: الاعتقاد. ومنه أعمال القلب، كالمحبة والرهبة والخوف والرجاء وغير ذلك، التي تثمر أعمالا محققة للتوحيد. والثالث: الانقياد بالجوارح، وعدم الكبر، كما قال الله عز وجل في مدح هذا المعنى، والتحذير من ضده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، والمقصود هو عدم الاستكبار والانقياد. قال رحمه الله: «الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين، وهذا ظاهر بتحقيق توحيده، وكونه حنيفا، أي: مائلا عن الشرك، مقبلا ومستقيما على التوحيد». قال: «الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. والمراد بسادات الأولياء: أي: عباد الله من الرسل والأنبياء، ومن تبعهم من الصحابة وغيرهم». قال: «الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. وكما مر معنا: أن تركها هو الأفضل لمن يقدر على ذلك، ومن استعملها فهو مباح إذا احتاج إليه». قال: «السادسة: والسبب في ذلك: أن الرقية وطلبها من الغير، فيها تعلق القلب بغير الله عز وجل. ولهذا نبه العلماء على أنه لم يصح نهي عن الرقية، وإنما النهي عن طلب الرقية. ولهذا لو قال: كون ترك طلب الرقية والكي من تحقيق التوحيد، لكان أدق وأحسن؛ لأن النهي إنما هو عن طلب الرقية، وليس الرقية. لو رقى نفسه، أو رقى بغير طلب، لم ينافي ذلك كمال التوحيد. ولهذا فإن لفظة «لا يرقون» ضعيفة، و«لا يسترقون» هي الصحيحة». قال: «السادسة -يعني من جهة المعنى، ومن جهة الرواية كذلك-: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل؛ لأنه قال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، فعلم أن كمال التوكل بترك كل ما ينافيه، ومما ينافيه طلب الرقية من الغير، والاكتواء، والتطير». فإن قيل: كيف الاكتواء؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الشفاء في ثلاثة: ومنها الكي». فالجواب: أن للعلماء في ذلك أجوبة، وخلاصتها: أن الكي ذريعة مفضية لتعلق المخلوق بالشفاء، مع حصول الضرر عليه. فلأجل تعلق المخلوق بغير الله -أي: بهذا السبب- الذي قد ينافي تعلقه بالمسبب، ولهذا يؤثر الضرر بنفسه لأجله. فلأجل ذلك كان من كمال التوحيد تركوا الاكتواء؛ حتى لا يكون هناك التفات من القلب إلى السبب، أعظم من التفاتته إلى المسبب. هذا خلاصة ما قد يذكر على وجه الاختصار في هذا المقام. قال: «السابع: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. والمعنى: عمق علم الصحابة في بيان هذا المعنى -وهو تحقيق التوحيد- وبلوغ كمال مراتبه، لا يكون إلا بعمل. ومن هذا العمل: الإتيان بمتمماته ومكملاته، فضلا عن واجباته. ولهذا من هذا المعنى: نبه الحافظ ابن حجر: أن السبب الذي لأجله قبل عكاشة، ودعي له أن يكون منهم، وغيره لا؛ لأن عكاشة أتى بسببه». قال: «الثامنة: حرصهم على الخير -يعني في مثل هذا الحديث- حديث ابن عباس، وحرص من يكون من هؤلاء، ومداراتهم الأمر -يعني في البحث- ما هي الصفات التي تجعلهم من هؤلاء، أو تجعل الواحد يكون من هؤلاء، حتى سألوا النبي صلى الله عليه وسلم. كان هذا داعيا، أو مؤكدا لهذا المعنى». قال: «التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. الكمية: أي أنها أمة كثيرة، فأمة محمد عليه الصلاة والسلام أكثر الأمم. والكيفية: يعني النوع، فهم أكملوا هذه الأمم توحيدا، وعبادة لله سبحانه وتعالى. يعني من بني آدم، هم أكمل الأمم، وأكثر الأمم من أمم الرسل والأنبياء جميعا. فعرفنا أنهم أكثر بالعدد، وأكمل بكمال التوحيد». قال: «العاشرة: فضيلة أصحاب موسى -أي: على سائر الأمم-؛ لأنهم كثر يأتون. ولهذا ترى أن تدين اليهود فيما يتعلق بالتوحيد، أحسن من تدين النصارى. وكلهم على ضلال، لكن أهل التوراة فيما يتعلق بالتوحيد، هم أقرب إلى الحق من النصارى. وتعرف بهذا: أثر وفضل التوحيد على أهله، حتى لو دخل الضلال عليهم، فإنه يقلل الضلال. بينما إذا كان الضلال في أصل التوحيد، فإنه يزول عنهم، كذلك غيره. ولهذا تجد أهل المعاصي من أهل التوحيد، هم أقل معصية من أهل المعاصي من ماذا؟ من غير أهل التوحيد، من غير أهل التوحيد. ولا يعني ذلك: أن اليهود أفضل من النصارى، لا، هذا باعتبار من ينجو منهم. وإلا فالنصارى أقرب -كما نص القرآن على ذلك- لما فيهم من التحريف، واليهود -أي: من ضل منهم- والتحريف، وشدة النقمة، والسخرية، وغير ذلك من خصال السوء التي اتصفوا بها». قال: «الحادي عشرة: عرض الأمم عليه عليه الصلاة والسلام. يعني: أن الأمم تعرض عليه، فيدل ذلك على فضله». قال: «الثاني عشر: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. وهذا علم من أعلام نبوته، وخبر من أخبار يوم القيامة». قال: «الثالث عشر: قلة من استجاب للأنبياء. ومع ذلك لم يضرهم، ولم يضر بالحق. فيأتي النبي وليس معه أحد، ويأتي النبي معه الرجل والرجلان، ويكون هذا تسلية لصاحب الحق إذا لم يتابعه أحد، أو سار في الطريق وحده، فيتسلى بمن سبقه من الأنبياء، وهم أنبياء خير منه، وأفضل، ورسل أرسلهم الله، ومع ذلك يأتون وليس معهم أحد». قال: «الرابع عشر: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده. يعني: إكراما من الله. وهذا كما ذكر العلماء: أنه من كرامة الله عز وجل لعباده، ومن عدله سبحانه وتعالى بخلقه: أنه يكرم من يبتلى من عباده بجنس مبتلي به. فلما كان في الدنيا وحيدا حزينا، يكرمه الله عز وجل بالكرامة: أن يأتي يوم القيامة وهو أمة وحده. والجزاء من جنس العمل، والعكس بالعكس. فإن أهل المعاصي، وأهل الشرك والكفر، يكون لهم المجازاة بضد ذلك. وهذا من عدل الله بخلقه، وفضله بعباده». قال: «الخامس عشر: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة. يعني: مما يستفاد من هذا الحديث: عدم الاغترار بالكثرة؛ لأن بعض الكثرة تضر، وليست علامة على الفلاح. وإنما بعض -وليس كل-، وإنما بعض، أو كثير. فأمة محمد عليه الصلاة والسلام يأتون يوم القيامة وهم كثير، ومع ذلك هم من الناجون، أو هم من الناجين. فليست الكثرة علامة على عدم الفلاح، ولكنها مضنة عدم الفلاح. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وهكذا كذلك القلة: ينبغي أن يتسلل الإنسان بمن سبقه من الرسل والأنبياء؛ فإنهم ابتلوا بها -أي: بالقلة-». قال: «السادس عشر: الرفق في الرقية من العين والحمى. مما يلحق بما سبق: أن النبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ أمره بقلة، ولكن العاقبة للمتقين. حتى أن اليهود زعموا أن مما منعه من الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام -مع تحقق صفاته- أنه لم يجد السبعين ألفا الذي حدث وأخبر بها عن النبي الذي سيظهر. فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام أنه هو، وأنه سيكون في أمته سبعون ألفا، وسبعون ألفا، وسبعون ألفا. قال: «السادس عشر: الرقية من العين والحمى. وهي رخصة، لكن ليس هو الأفضل -أي: طلبها-، مع أن الحديث لا يدل على الطلب، وإنما يدل على الفعل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا رقية إلا من عين أو حمى». وفي هذا معنى آخر: وهو تضييق باب الرقية، تضييق باب الرقية؛ حتى في المشروع، ينبغي أن يضيق، ولا يفتح؛ لأنه قد يكون ذريعة للتعلق بالأسباب، ومن يجلبها من المخلوقين، أو من الأذكار. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول -كما في حديث جابر-: «اعرضوا علي رقاكم». أمر أن تعرض عليه الرقى؛ لأجل ما كان ممنوعا، منع، وما كان مشروعا أذن به. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على الرقى في موضعه». قال: «السابع عشر: عمق علم السلف لقوله: «قد أحسن من انتهى إلى ما سمع»، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. يعني: الحديث الأول يدل على الجواز، والحديث الثاني يدل على المقام الأفضل -كما سبق تفصيله في الرقية- على أن الحديث الأول يدل على أن الجواز لا ينافي الفضل، إذا كان ماذا؟ إذا كان بغير طلب الرقية، إذا كان بغير طلب الرقية. فننتبه لهذا المعنى». قال: «الثامن عشر: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. وذلك في قوله: «وأما إني لم أكن في صلاة». يعني: خشية أن يظن أن قيامه في هذه الساعة كان لصلاة، مع أن بعض أهل العلم قال: والظاهر أنه كان في صلاة. والظاهر أنه كان في صلاة، لكنه عرض، وابتعد عن سبب المدح بالتعريض. والمعاريض فيها مندوحة عن الكذب؛ لأنه في وقت اللدغ لم يكن يصلي، لكنه ربما قام ليصلي، فهو ليس بكاذب. قام ليصلي، أو كان حول أداء الصلاة، ولدغ وهو في نفس الوقت لم يكن يصلي. ولهذا استدل بعض أهل العلم: أنه كان يصلي؛ لأنه قال: «أما إني لم أكن في صلاة»، ولم يقل: «أما إني لم أقم للصلاة». وإنما نفى كونه داخل الصلاة. قال العلماء: ونفيه لكونه داخل الصلاة، فيه لمحة إلى أنه قد يكون ماذا؟ قام لأجل الصلاة. ويدل كذلك أولا: أمانة السلف، رحمهم الله، مع بعدهم عن المدح. وكذلك العجب، رحمهم الله، ورضي الله تعالى عنهم». قال رحمه الله تعالى: «التاسعة عشرة: قوله: «أنت منهم»، علم من أعلام النبوة. أي: كونه حدد عكاش بن محصن أنه منهم، ففيه هذا المعنى». قال: «العشرون: فضيلة عكاشة. يعني: بكونه من هؤلاء». قال: «الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. يعني: بقول النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «سبقك بها عكاشة». فقد قال بعض أهل العلم: لأن الرجل ليس فيه ما يستحب هذا الوصف، ولم يتوفر فيه سببه. فبدلا من أن يقول: لا، لست منهم. قال له ماذا؟ «سبقك بها عكاشة». وصار مثلا، وقولا يجاب به لمثل هذا المقام. وهو أدب عظيم رفيع من أدب النبوة عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال القائل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف «لا» إلا في تشهده. ولولا التشهد ما كان «لا» في تكلمه عليه الصلاة والسلام. يعني: أنه ما كان يعهد عنه «لا»، ولكن لو تأملت الأحاديث تجد أنه ينصرف عن قول «لا» إلى غيره. يأتيه الرجل فيسأله، فيقول: «لو كان عندي مثل كذا وكذا، لا أعطيتكم». ولما وجدتموني بخيلا؟ هل قال: «لا»؟ الجواب: ما قال «لا»، لكن أجابهم بجواب معناه: «ليس عندي ما أعطيكم»، ليس عندي ما أعطيكم. وهكذا كذلك في هذا الحديث: لم يقل للرجل: «أنت لست منهم»، أو «لا ما أستطيع». وإنما قال: «سبقك بها عكاشة». وهذا أدب رفيع عظيم. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على مثله، ونضائره». قال: «الثاني والعشرون: حسن خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يعني: في اعتذاره عن الرجل بمثل هذا الجواب العظيم الرفيع». نكتفي بهذا، ونترك الباقي -إن شاء الله- إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. هذه الأسئلة نتركها إلى وقت آخر؛ لأن الوقت انتهى. بارك الله فيكم.