الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 33، الدرس الثالث والثلاثون:من( باب قول الله تعالى:أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ... وانصرف تعلقه بالمخلوقين خوفاً ورجاء وطمعاً والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك تعليق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي على كتاب التوحيد، مبينًا أن التوحيد له براهين نقلية وعقلية. توحيد الربوبية والأسماء والصفات هو من أكبر براهين التوحيد.
يُبين أن جميع المخلوقات فقراء إلى الله وعاجزون، ولا يملكون نفعًا أو ضرًا، مما يدل على أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم وصفات المخلوقين الفقراء.
يشرح مفهوم التوحيد وأهميته، ويبين أن العبادة يجب أن تكون لله وحده دون غيره. كمال العبودية يتحقق بكمال التوحيد والمعرفة بالله وصفات خلقه، مستشهدا بموقف النبي عليه الصلاة والسلام مع ابنته فاطمة.
الكمال في المعرفة والعلم يتحقق بالأدلة النقلية والعقلية معًا، كما هو واضح في الكتاب والسنة، حيث يستدل بهما معًا للوصول إلى عظمة توحيد الله سبحانه وتعالى والاعتناء به.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى، في كتابه «القول السديد في مقاصد التوحيد» في تعليقه على كتاب التوحيد. قال رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. قال: هذا شروع في براهين التوحيد وأدلته، فالتوحيد له من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره. فتقدم أن التوحيد... توحيدان. هكذا عندكم: أن التوحيد توحيدان، فتقدم أن التوحيدين: توحيد الربوبية والأسماء والصفات من أكبر براهينه وأضخمها. فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق من جميع الوجوه، هو الذي لا يستحق العبادة سواه. وهذا كما قال رحمه الله: شروع في المقصود من ذكر براهين التوحيد: البراهين النقلية، يعني من أدلة الكتاب والسنة، والعقلية، أي المأخوذ من عمومات تلك الأدلة، ومما فطر عليه الخلق، ومما يعرف بالقياس الصحيح، وغير ذلك. فذكر رحمه الله أول ذلك: أن التوحيد توحيدان: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهو من أكبر براهينه. ثم قال رحمه الله: «فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق، هو الذي لا يستحق العبادة سواه». وهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، أو نستطيع أن نقول: من الاستدلال بالتوحيد العلمي الخبري على التوحيد القصدي الطلبي. فما هو التوحيد العلمي الخبري؟ أنا أعرف الربوبية والأسماء والصفات. والطلب القصدي ما هو؟ الألوهية. نعم، فهذا الاستدلال هو من الأدلة النقلية؛ لأن الأدلة النقلية دلت عليه، والأدلة العقلية؛ لأن المعنى المعقول يطلبه ويفتقر إليه. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. والمعنى: كما أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، فإذن لا يستحق العبادة إلا الله. وهذا من الاستدلال بالتوحيد العلمي الخبري على التوحيد الطلب القصدي، أو من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. قال رحمه الله: «وكذلك من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين». ومن عبد مع الله، فإن جميع ما يعبد من دون الله، من ملك وبشر، ومن شجر وحجر، وغيرها، كلهم فقراء إلى الله، عاجزون، ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا. والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق، وهو الرازق لكل مرزوق، المدبر للأمور كلها، الضار النافع، المعطي المانع، الذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وله يقصد ويصمد ويخضع كل شيء. وهذا كذلك استدلال آخر نقلي وعقلي على أمر التوحيد. فمن براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين. فمن أعظم أوصاف المخلوقين الفقر، فهم فقراء عاجزون عن القيام بأنفسهم. هل يستطيع أن يقوم المخلوق بنفسه؟ الجواب: لا، فهو يفتقر إلى غيره، يفتقر إلى طعام وشراب يعيش به، وهواء يتنفس به، وأرض يعيش بها، وزوجة يسكن إليها، وأولاد يستعين بهم، وغير ذلك من أنواع الفقر التي يفتقر إليها الإنسان. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وكل من عبد من دون الله، من ملك وبشر، وشجر وحجر، كلها مخلوقات فقيرة إلى الله سبحانه وتعالى، فلذلك صار هذا دليلا على أنها لا تستحق العبادة، بل الله عز وجل وحده الذي يعبد. وهذا هو قوله: «كلهم فقراء إلى الله، عاجزون، ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة»، بل ولا أدنى من ذلك، كما أخبر الله عز وجل عن هذا. وهكذا «ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون»، كما قال الله عز وجل. ولا يملكون ضرا ولا نفعا، ولا حياة ولا موتا، ولا نشورا، كما أخبر الله عز وجل. وهكذا والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق، الله خالق كل شيء، وهو الرازق لكل مرزوق كذلك، وهو الرزاق ذو القوة المتين، وغير ذلك مما أشار إليه. قال رحمه الله: «فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه، وعلى لسان رسوله؟». وإذا تأملت الآيات المكية، تجد فيها من هذا الشيء الكثير. قال: «فهو دليل عقلي فطري، كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله أنه الحق، وعلى بطلان الشرك». وإذا كان أشرف الخلق على الإطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحمة، أو رحما أمسهم به رحما، فكيف بغيره؟ ويريد بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يشير إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. ومعناه: أنك إذا لم تنذرهم، وإذا لم يستجيبوا، فسينال عشيرتك الأقربين عذاب الله. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، قال لفاطمة: «لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد»، لا أغني عنك من الله شيئا. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لابنته أحب أقرب الناس إليه شيئا، فكيف يمكن أن يكون يملك لغيره شيئا حتى يعبد من دون الله، ويلتجأ إليه مع الله؟ فإذا كان هذا في حق نبينا، فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى أنه لا يملك لأقرب قريب شيئا. قال رحمه الله: «فتبا لمن أشرك بالله، وساوى به أحدا من المخلوقين، لقد سلب عقله بعدما سلب دينه». سلب عقله؛ لأن العقل السليم الصحيح يدعوه إلى أن يرجع إلى الله؛ لأن الجميع فقير إلى الله، وأن لا يرجع إلى المخلوق؛ لأن جميع المخلوقين فقراء إلى الله، فهو سلب عقله. وقوله: «بعد أن سلب دينه»؛ لأن فعله للشرك سلب للدين؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة دعت جميع أهل الأرض أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا صالحا من الصالحين. قال رحمه الله: «فنعوت الباري تعالى، وصفات عظمته، وتوحده في الكمال المطلق، أكبر برهان على أنه لا يستحق العبادة إلا هو». ومعنى نعوت الباري: أي صفات الباري. فإن صفات الباري، وصفات العظمة والتوحد، تدل أنه وحده الذي يعبد، ولا يعبد معه غيره. قال: «وكذلك صفات المخلوقات كلها، وما هي عليه من النقص والحاجة والفقر إلى ربها في كل شؤونها، وأنه ليس لها من الكمال إلا ما أعطاها ربها، من أعظم البراهين على بطلان إلهية شيء منها». فمن عرف الله وعرف الخلق، اضطرته هذه المعرفة إلى عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والثناء عليه، وحمده، وشكره بلسانه وقلبه وأركانه، وانصرف تعلقه بالمخلوقين خوفا ورجاءا وطمعا. والله أعلم. فإذا كمل التوحيد في العبد، كملت العبودية لربه سبحانه وتعالى. فكمال العبودية بكمال التوحيد، وكمال التوحيد والعبودية بكمال المعرفة. كمال المعرفة والعلم، وذلك يكون بالأدلة النقلية والعقلية. ولهذا فإن الأدلة في الكتاب وفي السنة كثيرا ما تستدل بالأدلة النقلية والعقلية، يقرن بينهما؛ لأجل يتوصل به إلى عظمة ما يجب العمل به والاعتناء به، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. طيب، لهنا والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.