القول السديد في مقاصد التوحيد  62

القول السديد في مقاصد التوحيد 62

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 62، الدرس الثاني والستون:من( باب ما جاء في التنجيم ... الرابعة:الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في التنجيم وحكم تعلمه

يتناول شرح كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، حيث يشرح باب ما جاء في التنجيم. يبين الحكمة من خلق النجوم وذكر الخلاف في تعلم المنازل والوعيد لمن صدق بالسحر.

تفصيل حكم تعلم منازل النجوم والقمر

يناقش حكم تعلم منازل النجوم والقمر، ويبين أن العلماء اختلفوا في ذلك. التفصيل هو الأصح، حيث يُمنع تعلمها إذا كان قد يكون سببًا للشرك أو الفتنة.

مسائل متعلقة بالسحر وتعلم النجوم والتفاؤل

يناقش مسائل متعلقة بالسحر وتعلم النجوم، ويبين الوعيد لمن صدق بشيء من السحر. كما يتناول تصحيح حديث يتعلق بالتفاؤل والتطير، ويوضح أن التفاؤل المقصود هو حسن الظن بالله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه كتاب التوحيد، باب ما جاء في التنجيم. قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. انتهى. وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص بن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر». رواه أحمد بن حبان في صحيحه. قال فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم، والثاني: الرد على من زعم غير ذلك، والثالث: ذكر الخلاف بتعلم المنازل، والرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب بسياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد، فهو يذكرها في هذه الأبواب بعد أن ذكر فضل التوحيد وأهميته في أوائل الأبواب. والواجب فيه ذكر المسائل التي تنافي التوحيد، ومنها ما هو يهدم ذلك التوحيد فيوصل إلى الكفر والشرك الأكبر، ومنها ما ينقص ذلك التوحيد فيوصل إلى الشرك الأصغر. وقوله: «باب ما جاء في التنجيم»، أي هذا مدخل في معرفة حكم ما جاء في التنجيم. والتنجيم كما تقدم معناه يفسر بأحد التفسيرين: أحدهما الاستدلال بالأحداث والمنازل السماوية على الأحداث الأرضية، سواء في كشف غيب أو كذلك اعتقاد حصول خير أو شر به. فإن هذا من معاني التنجيم الذي نهي عنه، ومن معانيه كذلك استخدام هذه المنازل في السحر وغيره، فإن بعض السحرة يستعملون هذه المنازل، وذلك لأن السحر هو ذلك العمل الخفي الذي يكون فيه شيء من الخبث والدناءة، ومن ذلك أنهم يستغلون بعض ما يحدث في هذا الكون لإحداث بعض ما يكون به حصول السحر والتأثير به. وقوله: «قال البخاري في صحيحه: قال قتادة»، يشير بهذا أن الحكمة من النجوم هي هذه الخصال الثلاث: أنها خلقت زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، أي في البر والبحر وللزمان، أي في معرفة أوقاته، وللمكان. فأنت تعرف بحركة النجوم، أي أهل الخبرة يعرفون بحركة النجوم أول الليل من وسطه من آخره، ويعرفون كذلك بمنازل النجوم أول الشهر ووسطه وآخره، فمنازل النجوم علامات يهتدى بها في البر والبحر، وهكذا كذلك لمعرفة الزمان والمكان. وقوله: «فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به»، يعني من تعدى هذا المأذون به في الشرع إلى ما ليس بمأذون، فإنه أخطأ؛ لأن الله لم يجعلها أسبابا لكشف الغيب ولا لحصول الشر والخير كما يظنه بعض أهل الجاهلية ومن سبقهم من المشركين. وأضاع نصيبه؛ لأنه وقع في الشرك الأكبر أو الأصغر على ما سبق تفصيله، فإنه إن اعتقد أنها تنفع وتضر بذاتها وقع في الشرك الأكبر، أو أنها تكشف الغيب أو أن أحدا يملك بها كشف الغيب، فإن هذا شرك أكبر. وإن اعتقد أن الله جعلها أسبابا لحصول الخير أو الشر أو كشف الغيب، والله سبحانه لم يجعلها كذلك، فقد وقع في الشرك الأصغر. وهكذا من استعملها في السحر، فكان من السحر الذي يوجب الكفر مما يكون من الاستعانة بالشياطين شياطين الجن والإنس، وما يلحق به من الكفر والقول به وفعله، فهذا كذلك كفر أكبر وشرك أكبر. وقوله: «وتكلف ما لا علم له به»، أي أنه لو قدر أن هناك شيئا آخر لم نعلمه بدليل شرعي صحيح صريح، لم يجز لنا أن نخوض فيه؛ لأنه من الغيب الذي كتمه الله، ولا يجوز للإنسان أن يخوض فيما لا علم له به. وقوله: «وكره قتادة تعلم منازل القمر»، وما ذكر من أقوال أئمة في هذا الباب، يريد أن نتعلم منازل القمر. وللقمر ثمانية وعشرون منزلا، فهو ينزل في كل ليلة منزلا واحدا. بقي ما حكم تعلم هذه المنازل؟ إذا كانت هذه المنازل قد يستفاد منها بكونها علامات، فهل يجوز تعلم منازل هذه النجوم ومنازل القمر؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح في هذا التفصيل، والمؤلف رحمه الله بإيراده قول المانعين والمجيزين، كأنه يشير بذلك إلى معنى التفصيل. وتقديمه لقول المانعين وتأخيره لقول المجيزين، كذلك إشارة منه رحمه الله إلى أنه ينبغي في هذا الباب أن تقطع وسائل وذرائع الشرك بمنعه عما قد يكون تعلمه له فتنة. ثم ذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. والشاهد منه قوله: «ومصدق بالسحر»، فإنه يدخل في هذا المعنى؛ فإن النجوم تستعمل في هذا الباب. وقوله: «مدمن خمر»، دليل على أن إثم ما ذكر أعظم من إثم الكبائر العادية أو المعتادة، بل هو فوق الكبائر. ولهذا جاء في بعض الأحاديث: قتل مدمن الخمر، مع أن مدمن الخمر حده ليس القتل، لكن إذا وصل الأمر به إلى الإدمان فإنه يقتل. وهكذا كذلك من وصل به الأمر في هذا الباب فهو فاسد من المفسدين، خصوصا إذا كان قد وقع في السحر، فالساحر يقتل. وأما من لم يقع به فهو يعني لم يعمل السحر، ولكنه يتعلم ويعتقده أو يتعلم ذلك على أحد المعاني السابقة، فهو وقع فيما هو أعظم من الكبائر في الشرك إما الأكبر وإما الأصغر. وقوله: «فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم»، أي ما تقدم من قول قتادة. «والثاني: الرد على من زعم غير ذلك»، أي في قول قتادة: «وأخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به»، أي فيمن ظن غير هذا المأذون المشروع. وقوله: «الثالث: ذكر الخلاف بتعلم المنازل»، يعني ما ذكر من قول قتادة وابن عيينة وأحمد وإسحاق وغيرهم مما سبقت الإشارة إليه. وقوله: «الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل»، كذلك في حق من تعلم النجوم أو كذلك اعتقد ما يعتقده من يتعلم النجوم ويعمل بمقتضى ذلك العلم على الوجه الممنوع. فإن من صدق بذلك ناله بعض الإثم الذي ينال التصديق بالسحر، بل قد يوصل صاحبه إلى الشرك والكفر الأكبر والعياذ بالله؛ لأن الكفر لا يكون فقط بالفعل، ولكنه قد يكون كذلك بالاعتقاد. إلى هنا والله تعالى أعلم. وهنا تنبيه بالنسبة للحديث المتقدم في الباب الذي قبله: «كان لا يتفاءل ولا يتطير»، الصواب في الحديث: «كان يتفاءل ولا يتطير»، هذا هو الصواب بدون لفظة «لا». فإن لفظة «لا» تصحيف حصل الوهم به بسبب أحد النسخ التي حصل فيها هذا التصحيف. ومع ذلك فليس معناه أن الحكم الذي سبق تفصيله ينتفي؛ لأن معناه ثابت بعمومات وبالآثار المروية في هذا الباب، ومنها ما أشار إليه المؤلف رحمه الله في حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أرضاك أو ردك». فهذا الحديث وإن كان فيه ضعف لانقطاعه، لكن كما تقدم معنا صحيح، ودلت عليه آثار كثيرة مما روي في هذا الباب عن ابن عباس وطاووس ومجاهد وجماعة، فيها دليل أنه ليس من التفاؤل تعليق علم الغيب بما يظن به الخير أو أن ما يظن به الخير أو ما هو مظنة التفاؤل جعله الله عز وجل سببا لحصول خير أو كشف غيب، والله عز وجل لم يجعل تلك المسموعات والمرئيات والمخلوقات أسبابا لحصول خير ولا كذلك لكشف غيب، هذا هو الواقع. ولكن التفاؤل المقصود هو حسن الظن. والله تعالى أعلم.