الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 13، الدرس الثالث عشر:من( والشفاعة حق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالشفاعة حق وهو من مسائل الاعتقاد، وتدل عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع. الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مذبذبة وشفاعة منفية.
الشفاعة المنفية هي تلك التي يزعمها المشركون، بينما الشفاعة المثبتة تتطلب ثلاثة شروط: الرضا عن الشافع والمشفوع له والإذن بالشفاعة. أهل السنة والجماعة يقفون بين طرفي نفي الشفاعة وإفراطها.
تنقسم الشفاعة إلى أقسام متعددة وتحدث عند توفر شروطها، وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعات خاصة مثل شفاعة أهل الموقف ودخول أهل الجنة الجنة.
أبو لهب خفف عنه عذاب النار بشفاعة النبي، وهو أهون أهل النار عذابا، حيث يغلي دماغه من جمرتين وشراكين في رجليه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمامان الرازيان، رحمهم الله تعالى، في معتقدهما: «والشفاعة حق». وهكذا كذلك من مسائل الاعتقاد التي نقلها عن علماء الأمصار، وما أثر عن سلف الأمة، وما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة الإيمان بالشفاعة، وأنها حق. ولا يزال العلماء يتناقلون ذلك في كتب العقائد الصغار والكبار، وينقلون ذلك عن الأمة، كما نقل اللالكائي، رحمه الله، معنى ذلك بمواضع من كتابه عن عدد من الأمة. وهكذا كذلك غيره من أهل كتب العقائد، كما ذكر معنى ذلك ابن خزيمة، رحمه الله، وابن منده، وغيرهم من أهل العلم، وهكذا من بعدهم. ومما ذكره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي، رحمه الله تعالى، باعتقاد أهل الحديث، قال: «ويقولون إن الله يخرج من النار قوما من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وأن الشفاعة حق». وذكر الإمام أبو عثمان الصابوني، شيخ الإسلام، رحمه الله، في عقيدته «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»، قال: «ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». ودل على ثبوت الشفاعة الكتاب والسنة والإجماع. ومباحث الشفاعة كثيرة، ومرت معنا في دروس سابقة قريبة. ولأجل عدم الإطالة، فيذكر شيء من تلك المسائل على وجه الاختصار والإجمال. من أهمها أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة مذبذبة وشفاعة منفية، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فالشفاعة المنفية هي شفاعة المشركين التي ظنوها بآلهتهم التي عبدوها من دون الله عز وجل، وهذا هو الذي نفاه الله عز وجل في كتابه في مواضع كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وهي الشفاعة التي تخلفت فيها شروط الشفاعة. وأما الشفاعة المثبتة، فهي الشفاعة التي توفرت فيها شروط الشفاعة، وهي ثلاثة: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. وكل واحد من هذه الشروط الثلاثة قد دلت عليه أدلة من الكتاب ومن السنة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على هذا المعنى. فأهل السنة والجماعة في هذا الباب بين من نفى الشفاعة وبين من أفرط فبالغ في إطلاق الشفاعة. والصحيح أن الشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وهي ما تزعمه طوائف الشرك من أن من عبدوهم من دون الله يشفعون لهم، كشفاعة الشفعاء عند الملوك رغبة ورهبة. فزعموا أن لله شفعاء يوم القيامة، كما أن لملوك الأرض شفعاء يشفعون عندهم، ولا ترد شفاعتهم إما رغبة وإما رهبة. فالملك مهما عظم فإنه قد لا يتجاسر أن يرد شفاعة بعض الشافعين إما رغبة فيما عند هذا الشافع وإما رهبة من هذا الشافع. فشبه الخالق تعالى وعز بهؤلاء المخلوقين الضعفاء، وتعالى الله عز وجل عن ذلك التشبيه وتنزه سبحانه وتعالى، بل هو سبحانه العظيم العلي الذي ليس كمثله شيء، سبحانه وهو السميع البصير. وهكذا كذلك في مقابل هؤلاء من نفى الشفاعة ممن غلا في أدلة الوعيد كالمعتزلة والخوارج الذين نفوا الشفاعة، وفعلهم هذا زكره الله، خير فعلهم هذا كذلك خطأ مخالف لأدلة الكتاب والسنة. فأدلة الكتاب والسنة أثبتت هذه الشفاعة بأوجه كثيرة من الكتاب ومن السنة، لكن إذا توفرت شروطها: أن يرضى الله عز وجل عن الشافع، وأن يرضى عن المشفوع له، وأن يأذن سبحانه وتعالى بالشفاعة. فإذا توفرت هذه الشروط، وقعت الشفاعة. والشفاعة تنقسم إلى أقسام، فمن هذه الشفاعة شفاعة تمنع من يستحق دخول النار أن يدخل النار، وشفاعة في من دخل النار أن يخرج منها، وشفاعة في من دخل النار أن يخفف عنه شيء من عذاب النار، وشفاعة في من لم يدخل الجنة أن يدخل الجنة، وشفاعة في من دخل الجنة أن ترفع درجته في الجنة. فهذه بعض أقسام وأهم أقسام الشفاعات التي تكون يوم القيامة، وهي تكون للملائكة وللأنبياء والرسل وللصديقين والشهداء والصالحين. منها ما يشترك فيها جميع الخلق، ومنها ما خص بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد خص عليه الصلاة والسلام بشفاعات، منها الشفاعة لأهل الموقف أن يفرج عنهم ما هم فيه، فقد صحت الأحاديث الكثيرة أن الأنبياء والرسل يتراجعون عنها حتى ترد إليه عليه الصلاة والسلام، فيشفع لأهل الموقف حتى يفرج عنهم ما هم فيه. وهكذا من هذه الشفاعات ما خص به عليه الصلاة والسلام من دخول أهل الجنة الجنة، فإنه أول شافع يشفع في أهل الجنة أن يدخل الجنة، كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره. وهكذا مما خص به عليه الصلاة والسلام أنه شفع في عمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار، وهو ممن يستحق القعود في النار لأنه مات كافرا، كما دلت على ذلك الأدلة الصحيحة. فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام لما كان من نصرته له أن خفف عنه من عذاب النار، فهو أهونهم عذابا، وله جمرتان وشراكان في رجليه يغلي منهما دماغه، وله أخف أهل النار عذابا، كما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا هناك مسائل ومباحث، وهذا أهم ما يذكر في هذا المبحث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.