شرح خمسون حديثا في العقيدة 3

شرح خمسون حديثا في العقيدة 3

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث النبي حول كلمة التوحيد

شرح الشيخ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حول كلمة التوحيد وحقوقها، مبينا أن كلمة التوحيد لا تنجي صاحبها إلا إذا جاء بشرائع الإسلام. استدل بآثار وأحاديث نبوية تؤكد أهمية الامتثال لشرائع الإسلام.

شروط تحقيق الإيمان بلا إله إلا الله

لا يكفي قول لا إله إلا الله للنجاة، بل يجب الكفر بما يعبد من دون الله والإيمان بالله على حقيقته. من يشرك بالله أو يجحد شيئا من الدين يعتبر كافرا حتى لو يصلي ويزكي.

حكم توبة الزنديق ووجود الشرك في جزيرة العرب

يتناول حكم توبة الزنديق حيث لا تقبل توبته ظاهرا ويقتل حظا للمسلمين من شره، كما يبين أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حول عدم عبادة الشيطان في جزيرة العرب لا يعني عدم وقوع الشرك فيها.

أهمية الحديث العظيم في التعليم الديني

يبرز أهمية الحديث النبوي في تعليم مسائل دينية مهمة ويشير إلى ضرورة حفظه لطلاب العلم. يعتبر هذا الحديث عظيمًا لما يحتويه من مسائل قليلة الفهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين، الحديث الثالث. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا سويد بن سعيد وابن أبي عمر، قال: حدثنا مروان -يعنيان الفزاري- عن أبي مالك عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله». الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك حديث عظيم من الأحاديث التي ينبغي لطالب العلم أن يحفظها؛ لما فيها من الأصل العظيم الذي لا يستغني عنه، خصوصا في مثل هذا الزمان الذي لم يفهم كثير من أهل الإسلام - فضلا عن غيرهم - معنى أصل كلمة التوحيد التي بها يدخل في هذا الدين، وبها يخرج من سائر الأديان، والذي بها يعصم دمه وماله وعرضه، ويكون له حكم أهل الإسلام بالدنيا والآخرة. وصار هذا الحديث أصل عظيم لورود الشبه في عدم فهم كلمة التوحيد وحقيقتها من قبل بعض أهل الباطل ممن ينتسبون إلى الإسلام، فضلا عن غيرهم. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، أولها: فيه أن معنى لا إله إلا الله التي وردت بها الأدلة؛ لأن صاحبها يدخل الجنة وينجو من النار - كحديث عثمان بن مالك، وحديث عثمان، وغيرها من الأحاديث - إنما هي لا إله إلا الله التي فيها امتثال ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فليست لا إله إلا الله من دون شرائع الإسلام تنجي صاحبها. ولهذا جاء عن القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرح حديث عبد الله بن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم... إلى آخره»، أن هذا الحديث إنما هو لمشركي العرب، وليس لأهل الإسلام. أما أهل الإسلام، فلا تغنيهم لا إله إلا الله إذا لم يأتوا بشرائع الإسلام. فلابد من شرائع الإسلام. وذكر العلماء - ومنهم النووي رحمه الله تعالى - مؤيدا لهذا المفهوم، ما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بمعنى حديث عبد الله بن عمر، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله، وآمن - أو قال: واتبعني - على ما جئت به»، فهذه اللغة تبين وتؤكد أنه لا يغني المسلم أن يقول لا إله إلا الله، بل لابد أن يأتي بشرائع الإسلام. وهذه هي كذلك المسألة الثانية: أن ما ورد في حديث عبد الله بن عمر، وبمعنى حديث أنس، وبمعنى حديث جابر، وبمعنى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة والزكاة»، فإن ذلك لا يعني أن من شهد بالشهادتين وأتى بالصلاة والزكاة أنه يحرم دمه ويعصم ماله؛ لا، بل إنه لابد أن يأتي بكل شرائع الإسلام. فإذا جحد شيئا من الدين فإنه يكفر بالله عز وجل. حتى ذكر الفقهاء في كتبهم أن من جحد أي أمر معلوم من الدين بالضرورة فإنه يكفر بالله، حتى الأذان؛ فمن جحد الأذان - وهو ليس من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الشهادتين - فإنه يكفر بالله جل وعلا. ومعنى أن الكفر يمكن أن يقع ممن قال لا إله إلا الله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة. بل الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام وللأنبياء من قبله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66]، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]. فعلم بذلك أن لا إله إلا الله لا ينتفع صاحبها بها إلا إذا أتى معها بما أوجب الله جل وعلا عليه، فإن جحد شيئا من الدين كفر. فليس كل من قال لا إله إلا الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يسلم وينجو؛ لا. ولهذا قال بعده عليه الصلاة والسلام: «وكفر بما يعبد من دون الله». ومعنى أن الإيمان بلا إله إلا الله لا يتم حتى يكفر بما يعبد من دون الله؛ فمن قال لا إله إلا الله ولم يكفر بما عبد من دون الله، فهو لم ينتفع بلا إله إلا الله، وهو كذلك لا يكون له حكم أهل لا إله إلا الله؛ لأنه لم يأت بلا إله إلا الله على الحقيقة. بل هذا في كتاب الله عز وجل؛ أين هذا في كتاب الله؟! أن من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فإنه هو الذي ينتفع بلا إله إلا الله. فهذا فيه فقط الثاني؛ شيء الأول والثاني مع بعض مرتبطتان؛ الأول والثاني مع بعض هما بمعنى: فقد استمسك بالعروة الوثقى. فالاستمساك بالعروة الوثقى لا يكون إلا بالإيمان بالله والكفر بالطاغوت؛ بالإيمان بالله والكفر بالطاغوت. ما يتم إيمان بالله عز وجل وصاحبه لم يكفر بالطاغوت؛ فلابد أن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله حتى يتم له الإيمان وينتفع بلا إله إلا الله. وعلى هذا فما يفعله كثير من عباد القبور بهذا الزمان، الذين يعبدون غير الله بالذبح لها، والنذر لها، ودعائها وطلبها من دون الله عز وجل، ثم يجمعون أنهم يقولون لا إله إلا الله ويشهدون أن محمدا رسول الله، ويصلون ويزكون، وأنهم بهذا من المسلمين؛ فيقال لهم: قد دخلتم من الإسلام من باب وخرجتم من باب آخر؛ لأنكم فعلتم ما يدل على نقض هذا الإسلام عليكم. والله جل وعلا قد أمر بمقاتلة المشركين، فقال جل وعلا آمرا لقتال المشركين: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فأمر بقتال المشركين. وكل من أشرك بالله جل وعلا لم يحرم دمه ولا ماله. ومن لم يؤمن بالله ويكفر بما يعبد من دون الله فهو مشرك؛ لأن المشرك يؤمن بالله. ولهذا قال بعض أهل العلم: يلزم على هذا حتى أنه لا يكفر اليهود ولا النصارى؛ لأن اليهود والنصارى يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم هل أتوا بلا إله إلا الله على حقيقتها؟ الجواب: لا؛ فإنهم قالوا لا إله إلا الله وعبدوا غير الله، وهم كفار. وهكذا لا فرق. إذا كان اليهود كفروا بعبادتهم للعزير، والنصارى بعبادتهم للمسيح، ولعدم إيمانهم والتزامهم ببعض شرائع الدين وجحودها؛ فكذلك لا مانع أن يوجد من المسلمين من يكون عنده الإسلام وليس له بالإسلام حقيقة، وليس له في حكم الإسلام حقيقة؛ لماذا؟ لأنه لم يأت بالإسلام على الوجه الصحيح. كما أن اليهود لم يأتوا بدينهم على الوجه الصحيح، والنصارى لم يأتوا بدينهم على الوجه الصحيح؛ فلهذا كانوا كفارا. وكذلك يكفر من كان بدين الإسلام وقد أتى بما ينقض هذا الإسلام عليه. في هذا الحديث مسألة ثالثة مهمة، وهي قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عصم دمه وماله وحسابه على الله»، أي: أن كذلك حصول شرائع الدين الظاهرة من الإنسان تعصم الدم والمال، ومع ذلك نحن لا ندري بباطنه؛ حسابه عند الله جل وعلا. وقد استدل العلماء بهذا الحديث وأمثاله على أنه يوكل الناس إلى ظواهرهم، وأنه يؤخذ منهم هذا الظاهر؛ إلا الزنديق، فقد استثناه بعض الأئمة كالإمام مالك والإمام أحمد؛ فمن عرف بالزندقة والكفر والردة فإنه يقتل ولا تقبل توبته؛ حظا للشر الذي قد يورده على المسلمين. وتوبته فيما بينه وبين الله عز وجل. كمن علم منه الردة والقول بالكفر، ثم يتوب، ثم يرجع مرة ثانية، ثم يتوب، ثم يرجع، ثم يتوب؛ فإنه بعد ذلك لا تقبل توبته، لو تاب وقال له: توبتك بينك وبين الله، وأما في الدنيا فإنك تقتل؛ حظا للمسلمين من شرك الذي يأتي منك. وهذا هو القول الصحيح في توبة الزنديق، وهو ما روي عن إمام أحمد رحمه الله، ونحوه عن الإمام مالك رحمه الله تعالى. وفي الحديث كذلك مسألة رابعة، وهي كذلك من المسائل التي يدندن بها بعض أهل الباطل في هذا الزمان، وهي أنه لا يوجد الشرك في جزيرة العرب، وذلك استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في مسلم: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». وقد جاء العلماء عن هذا الحديث بمثل هذا الحديث الذي بين أيدينا. فإن هذا الحديث فيه دليل على أن من قال لا إله إلا الله لا يمنع أن يقع منه الكفر، ولا يمنع أن يقع منه الشرك؛ فكيف لا يكون الشيطان يعبد في جزيرة العرب؟ وهكذا أجابوا عن هذا الحديث بأجوبة؛ أولا: أن الحديث لا يدل على عدم وقوع الشرك في جزيرة العرب؛ فإن يأس الشيطان ليس حكم، وإنما هو خبر. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوحي إليه بما وقع في نفس الشيطان، ولا يلزم أن يكون ما وقع في نفس الشيطان يكون هو الواقع حقيقة؛ إنما الشيطان يأس لشدة ما رأى من دخول الناس في دين الله أفواجا؛ فقد يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن لا يعني ذلك أنه لا يقع؛ بل يقع؛ لأن الشيطان لا يعلم الغيب. ومما يؤكد ذلك أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ منها أحاديث عامة، ومنها أحاديث خاصة؛ أن الشرك يوجد مرة أخرى في جزيرة العرب، ويوجد ممن هو من أهل الإسلام. من هذه الأحاديث قول النبي عليه الصلاة والسلام - الحديث العامة -: «لا تقليد سنة من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: «فمن إذن؟!». فاليهود والنصارى قد وقعوا في الشرك، فسيقع بعض هذه الأمة في الشرك بنص هذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يستثن شيئا من هذه المتابعة. وهكذا الأحاديث الخاصة؛ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ستضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة»، وذو الخلصة صنم كان يعبد في جهة الطائف، أو قربا من الطائف؛ موضع قريب من الطائف. فإنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الصنم سيعبد مرة أخرى في جزيرة العرب. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأصنام أو الأوثان، ويعود على ما كان عليه المشركون»، وهذا حق كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، وسيكون في آخر الزمان. فهذه الأدلة وغيرها تدل على خطأ هذا المفهوم، والذي فهمه بعض الناس. فعلمنا بهذا أن هذا الحديث حديث عظيم، فيه مسائل مهمة قل من يفهمها؛ فلهذا صار مما ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم حفظه. مثل هذا الحديث بهذا قد نكتفي، والحمد لله رب العالمين.