الدرس في فتوى الرد على النصيرية لابن تيمية 8، الدرس الثامن:(وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ... فما شك في نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
اتفق علماء المسلمين على عدم جواز مناكحة الباطنية واستحلال ذبائحهم لكونهم كفار مرتدون. ولا يجوز للمسلم أن يتزوج منهم أو يزوجهم، كما لا تحل ذبائحهم.
يناقش حكم أجبان الكفار وطهارتها، ويُرجح عدم نجاسة الأنفحة. كما يفصل بين آنية أهل الكتاب وآنية المجوس، فيرى أن آنية أهل الكتاب حلال بينما يُستعمل ما ليس مظنة للنجاسة من آنية المشركين ويُغسل ما كان مظنة للنجاسة.
أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تفصيل في معاملة أوعية الباطنية، ويكون التعامل معهم بناء على هذا التفصيل. جاء ذلك في سياق توضيح حكم التعامل معهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتواه في رده على النصيرية: وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم. وقد نقل هذا الاتفاق غير واحد من أهل العلم، من أن الباطنية كفار مرتدون، فهم أشد من أهل الكتاب؛ لأنهم أهل ردة وإلحاد. أهل الكتاب يجوز أن يتزوج الرجل منهم، ولا يجوز أن يتزوج الكتابي المسلمة؛ لأن الرجال قوامون على النساء، فلعل الله أن يهدي المرأة الكتابية فتسلم. وأما الكافر يتزوج، أي الكتابي الصحيح، ليس الملحد والعلماني، فلا يجوز للكتابي أن يتزوج المسلمة. أما الباطنية ومنهم النصيرية، فهم أكثر من اليهود والنصارى، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من العلماء، فهم لا يزوجون ولا يتزوج منهم، فلا تجوز مناكحتهم بأي كيفية من الكيفيات أو أي صورة من الصور، ولا تحل ذبائحهم كذلك؛ لأنهم أكثر من اليهود والنصارى، هم أهل ردة وإلحاد، كما تقدم. معنى لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا بكتبه ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره، فكيف يكون لهؤلاء إيمان؟ أو كيف تحل لهؤلاء ذبيحة؟ قال رحمه الله: أما الجبن المعمول بأنفحتهم، ففيه قولان مشهوران للعلماء، كسائر أنفحة الميتة، وكأنفحة ذبيحة المجوس وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون الذبائح. فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين -واختلفت الروايات عن أحمد- لما يأتي من الآثار المختلفة عن الصحابة في ذلك إن شاء الله. قال: وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن؛ لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول؛ لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة، وملاقات الوعاء النجس في الباطن لا ينجس. وحقيقة الأنفحة هي ما يبقى على جدار البهيمة الصغيرة كالجدي والسخلة وما كان بمعناها من صغير بهيمة الأنعام، ما يبقى في كرشة وهو صغير يؤخذ فيجبن به الجبن، وهو الذي نسميه اللبأ. تعرفون اللبأ الذي يخرج أول ما يخرج من ضرع البهيمة حين تلد، فهذا اللبأ ينقطع من بطن الأم بعد فترة، ينقطع يوم أو يومين أو ثلاثة على حسب، لكن يبقى في معدة هذا الجدي أو تلك السخلة من الصغير من بهيمة الأنعام. فإذا أرادوا أن يجبنوا الجبن فيكون له نكهة طيبة يخمرونه بهذه الأنفحة، فهو مثل تخمير اللبن إذا أرادوا أن يحولوا الحليب إلى لبن، يأخذون من ماذا؟ من اللبن الذي قبله، وهو ما نسميه بالروب أو الزبادي إذا قد جمد وثقل. فهذا التخمير يفعل مثله في الأجبان. فإذا ليس هذا بنجس، ولهذا رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع أخرى من كتبه، وهو المشهور من قوله، أن الأنفحة حلال وأنها لا تحرم؛ لأنها ليست بنجسة؛ لأن أكثر الآثار المروية عن الصحابة في جوازها، ولم يزالوا يأكلون من أجبان المشركين والمجوس ولا يسألون عن ذلك. قال رحمه الله: لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول؛ لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة؛ لأنه شيء باق في بطنها، وملاقات الوعاء النجس في الباطن لا ينجس يعني لا ينجس ما فيه. قال: ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أن هذا الجبن نجس. فقول الجمهور النجاسة، ورواية عن الإمام أحمد وأبي حنيفة عدم النجاسة، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعدد كبير من أهل العلم من الحنابلة وأهل الحديث والفقهاء وغيرهم. حتى أن بعض أهل العلم تنزل وفتوى اللجنة الدائمة كذلك بجواز هذه الأنفحة وأنها لا تنجس. حتى أن بعض أهل العلم تنزل، وأذكر أن شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله نوقش في هذه المسألة، وفي الآثار المروية بالمنع وفي القول بالنجاسة، فقيل له: يا شيخ، فإذا كان الكفار لا يبالون فيضعون بعض ما في الكرشة وهي نجسة فيرمون الكرشة في الجبن وهي نجسة ألا تنجسه؟ فقال الشيخ: لو قدر أن هذا وقع، وهذا نادر، فهو قليل يضيع في كثير، كالماء إذا بلغ قلتين ماذا؟ لم يحمل الخبث. وهو كما قال رحمه الله رحمة واسعة: لو قدر أنهم قصوا شيئا من الكرشة ولم يبالوا فرموه بين الجبن، فيقال: أين هذه الكرشة اليسيرة مع جبن كثير يخمر؟ فإنه لا يضر هذا إذا قدر أنه وجد. والغالب أنهم لا يضعون الكرشة؛ لأن بيع الكرشة لوحدها أنفع لهم، فهم يكتفون بأخذ الأنفحة يقشطونها قشطا من هذه الكرشة الصغيرة، ثم يخمرون بها ولا يأخذون شيئا كثيرا. من عرفهم وعرف طريقتهم عرف أنهم لا يأخذون إلا قدر الملعقة للوعاء الكبير، ملعقة صغيرة تكفي للوعاء الكبير. فإذا كان كذلك، فإذن هو كما قال شيخنا رحمه الله تعالى. وصحيح أنه رويت آثار بالمنع وآثار بالجواز، لكن آثار الجواز أكثر. فقد روي عن ابن عباس فيما رواه الحربي وغيره أنه سئل عن الأنفحة فقال: إن كنت في شك فاذكر اسم الله وكل. ونحوه روي عن عمر رضي الله عنه، وعن مجاهد عن ابن عباس سئل عن أنفحة يصنعها الكفار من الميتة فقال: لا تأكلوا. وهذا يحمل لو صح على أن الكثير من الآثار في صحتها شيء. لو قدر أنه صح لقيل أن هذا إذا استيقن وجزم أن النجاسة أثرت على هذا الجبن وهذه الأنفحة. ولكن الذي عليه كما قال شيخ الإسلام وغيره جمهور الصحابة الأكل من أجبان الكفار دون السؤال. ومن شك يذكر اسم الله ويأكل ولا يضره ذلك؛ أولا لأن الأنفحة ليست بنجسة، ولو قدر أنها لامست النجاسة فلا يضرها؛ لأنها من الداخل. وثالثا لو قدر أنه شيء من النجاسة اختلط بالأنفحة أو وضع في الجبن مع الأنفحة لكان شيئا يسيرا نادرا يغمر في الكثير، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث. قال رحمه الله تعالى: قال، ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أن هذا الجبن نجس؛ لأن أنفحة هؤلاء نجسة؛ لأن لبن أنفحة عندهم نجس. والصحيح كما تقدم أنه ليس بنجس، وهو الذي نسميه اللبأ أو اللبن. قال: ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة. فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس -يعني الذين قالوا بالجواز- كما يروى عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وهو قول الحنفية وجماعة من الحنابلة وكثير من أهل الحديث، وكذلك جماعة من أهل الفقه. والقول الثاني قول الجمهور. قال: وأصحاب القول الثاني نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى -يعني يحمل على هذا جمعا بين الآثار المروية- والظاهر أن الآثار ليس فيها هذا التفصيل؛ فإنه قد صح أنهم كانوا يأكلون من جبن وأجبان المجوس، والمجوس ليس من أهل الكتاب. قال: فهذه مسألة اجتهاد، للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين. وهنا كما نرى الشيخ لم يشدد في المسألة ولم يرجح ترجيحا جازما، يقول: من قال بهذا القول أو قال بهذا القول، فهذا واسع؛ لأن هذا من المسائل التي يسوق فيها الخلاف، الخلاف فيه من خلاف الأفهام، وليس هناك شيء صحيح صريح يقضي بالجزم. فإذا الأمر سهل. وإن كان في كتبه الأخرى -وهو المشهور من فتواه- كما نقله صاحب الإنصاف وغيره عنه رحمه الله أنه يقول بجواز هذه الأنفحة وأجبان المشركين مطلقا، وهذا هو الصحيح كما تقدم لما سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله تعالى: وأما أوانيهم وملابسهم فكأواني المجوس وملابس المجوس، على ما عرف من مذاهبهم. فالصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها؛ فإن ذبائحهم ميتة، فلابد أن تصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتتنجس بذلك. فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل، كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها. وقد توضأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من جرة نصرانية، فما شك في نجاستها، فما شك في نجاستها لم يحكم بنجاستها بالشك. والمعنى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة يفصل بين آنية أهل الكتاب وآنية المجوس. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. أما آنية أهل الكتاب فهي حلال؛ فقد أحل الله لنا ماذا؟ ذبائحهم، فأحل الله لنا ذبائحهم، فكذلك تحل آنيتهم. وقد صح معناه في أحاديث كثيرة. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر أولا، حديث: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس أن يهوديا دعاه على خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه عليه الصلاة والسلام. والحديث رواه أحمد وهو صحيح. ودل ذلك على جواز الأكل من آنية أهل الكتاب، ولا فرق بين الجاف والرطب؛ لأن الأهالة السنخة فيها رطوبة. وأما أهل الشرك والمجوس فيفصل بين الآنية التي هي مظنة النجاسة وما ليس مظنة النجاسة. فما كان ليس مظنة النجاسة، وهذا هو الغالب الأعم، فإنه حلال، ولو وقع الشك فالشك لا يضر؛ لأن الشك لا يزيل اليقين. ودليله ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها، لا يعاب علينا في ذلك، أو قال: لم يعب علينا في ذلك أحد. و(صح) في الصحيحين من حديث عمران -والحديث مشهور- أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة امرأة مشركة، فدل ذلك على أن آنية المشركين التي هي ليست مظنة النجاسة كذلك تستعمل. ومنهم المجوس فهم من المشركين. وأما ما كان مظنة النجاسة كوعاء معروف أنه وعاء خمر مثلا فيغسل، أو وعاء معروف أنه وعاء اللحم فيغسل، ونحو ذلك من أوعية يعلم أنها خاصة توضع فيها النجاسة، وما كان بمعناها من المحرم على المسلم فيغسلها احتياطا. وأما من الأوعية التي لا يعلم، عامة أوعية عامة لا يعلم تستعمل في حرام أو في حلال، فالأصل ماذا؟ الحل. هذا هو الصحيح، الأصل هو الحل. هذا هو التفصيل الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة. فإذن على هذا التفصيل يكون معاملة أوعية الباطنية النصيرية وغيرهم طيب. إلى هنا والله تعالى أعلم.