الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ السبب العاشر لرفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهو معارضة الدليل بما يدل على ضعفه أو نسخ أو تأويله، وأوضح أن هذه القاعدة ليست بصحيحة. كما ناقش أمثلة على معارضة الكوفيين للحديث الصحيح بظاهر القرآن.
ناقش المقطع آراء العلماء الذين يعارضون السنة بالقرآن أو بالقياس، وبين أن هذه المعارضة لا تصح لأن السنة تفسر القرآن وتوضحه. كما ذكر أمثلة على معارضة بعض الحنفية للسنة التي تزيد على حكم القرآن.
بين المقطع ثلاثة أخطاء في معارضة السنة بالقياس الجلي، منها استجازة معارضة الدليل الصحيح بقواعد غير مثبتة. وأوضح أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بالقياس الصحيح.
ينبغي التمييز بين من لديه لوثة حزبية ومن أخطأ بسبب قلة الخبرة، مع ضرورة الحذر من بعض المشايخ الذين قد يكون لديهم آراء مشتبهة. يجب دراسة حال كل شخص بدقة لتحديد موقفه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أما بعد، مر معنا بالدرس الماضي السبب التاسع من الأسباب التي ذكرها شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله، يكون بها رفع الملام عن الأئمة الأعلام. ما هو هذا السبب؟ نعم، أحسن اعتقاد أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخ أو تأويله. وما هو الفرق بين هذا وبين الذي قبله؟ نعم، ما هو الفرق؟ في الثامن، التعارض في الدلالة، وفي التاسع، التعارض بين الدليلين. وما قبل الثامن، ماذا كانت الأسباب؟ من الأول إلى السابع، ما هي؟ نعم، ضعف الأدلة وصحتها، وكذلك دلالة هذه الأدلة. ومر معنا في هذا السبب التاسع مسائل كثيرة، مما فيها معنى تعارض الأدلة في نظر المجتهد. ونقول في نظر المجتهد؛ لأنه ليس هناك تعارض بين الأدلة، إنما في نظر المجتهد. ومما مر معنا من هذه الأمثلة التي ذكرها رحمه الله، ما مر معنا بقضية ما أسبل الكعبين. وصحيح التفصيل، ما هو التفصيل؟ نعم، أنه محرم، وإذا كان خيلاء فهو أشد حرمة، ففيه الوعيد الذي ورد أي بالزيادة. وعلمنا كذلك أن مبحث التعارض بين الأدلة والترجيح بينها من المباحث المهمة جدًا، التي ينبغي أن يعتنى بها، ولها أثر في الوصول إلى الصواب في كثير من مسائل الاجتهاد. فما هي أهم الكتب في هذا الباب؟ أرفع صوتك، ما سمعت. ذكرنا بعض الكتب، مثل كتاب الزنجاني «التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية»، أو البرزنجي كذلك. نعم، وكذلك يوجد كتب أخرى، مثل كتاب البرزنجي «التعارض والترجيح بين الأدلة»، وكتاب «التعارض بين الأدلة الشرعية والترجيح بينها» لحمدة سعيد، وكذلك «أثر التعارض والترجيح في الفروع» للخراز، وغيرها. ومما مر معنا من المسائل في هذا السبب، إحداث قول ثالث. ماذا قيل في هذا؟ إحداث قول ثالث. نعم، قيل بالمنع، وقيل بالجواز مطلقًا، روي عن من؟ نعم، عن الصفار الهندي، وجماعة. والتف، في ضوابط فيما يمكن به الجمع بين القولين، ونحو ذلك. وهذا قول كثير من المحققين من أهل العلم. وكذلك من المسائل التي مرت معنا، أن أكثر الإجماعات المنقولة، عبارة عن ماذا؟ أكثر الإجماعات المنقولة، عدم العلم بالمخالف. والصحيح أن عدم العلم بالمخالف، ليس إجماعًا، ليس بإجماع. ومن الذي اشتهر عنه نقل الإجماع في مثل هذا؟ ابن المنذر. نعم، أبو ثور، وابن جرير الطبري، أبو ثور، وابن جرير الطبري. ومر معنا كذلك، من المباحث مما يشبه نقل الإجماع، فيما ليس بإجماع، وإنما هو عدم العلم بالمخالف. نقل بعض أهل العلم أن العمل ليس عليه عند أهل العلم. من يقول هذا؟ كثيرًا، الترمذي. نعم، الترمذي في الكثير من الأحاديث. والسبب العاشر، اليوم. أظن قال رحمه الله تعالى، السبب العاشر، معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخ أو تأويله. هذه ثلاثة أمثلة لمعنى المعارضة. لكن المعارضة هنا تختلف عن السبب التاسع والثامن؛ بأن هذه المعارضة، معارضة بين دليل مع آخر، قد يكون دليلًا، وقد يكون كذلك مدلولًا، فهم من قاعدة أو غيرها، ونحوها. ولم يعمل به هذا المعارض، إما لضعفه أو نسخ أو تأويله. وسيأتي معنى أمثلة لذلك. قال رحمه الله: «لا يعتقده غيره أن جنسه معارض، أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا». كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن، واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم ونحوه، مقدم على نص الحديث. ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر، ظاهرا؛ لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة. ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين، وإن كان غيرهم يعلم أنه ليس بظاهر القرآن، ما يمنع الحكم بشاهد ويمين. ولو كان في ذلك، فالسنة هي المفسرة للقرآن عندهم. هذه مسألة من المسائل، أو نقول قاعدة من القواعد التي حصل فيها الخلاف، وانبنى على هذا الخلاف خلاف في فروع كثيرة. في فروع كثيرة، يعني الكلام هنا ليس على مسائل بعينها، وإنما على أوجه تعارض، أوجه تعارض. فمن أوجه التعارض، أن يعارض الدليل بقاعدة ليست صحيحة. فمن هذه القواعد غير الصحيحة، قول بعض الكوفيين، وبعضهم يقول هذا مذهب الكثير من الكوفيين: أن الحديث الصحيح إذا عارض ظاهر القرآن، فإنه لا يعمل به، ولو كان حديثًا صحيحًا. وهذه القاعدة من أين جاءت؟ ليس لها أصل، لا بكتاب الله، ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمل بها، ولا ينقل العمل بها عن أحد من السلف. لكنهم أخذوها من باب الترجيح بين الأدلة؛ وأن قوة القرآن المتواتر ترجح على السنة. هذا وجه. ووجه آخر: أن القرآن محكم، والسنة يرد عليها ما يضعفها من أوجه كثيرة. والصحيح أن هذه القاعدة ليست بصحيحة. أولًا، ثانيًا: كما ذكر رحمه الله تعالى، يقول: أولًا، واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم ونحوه، مقدم على نص الحديث. هذه القاعدة خطأ، هذا اعتقاد اعتقدوه، ليس له دليل. ثانيًا: ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر، ظاهرًا. والأمر ليس كذلك. والأمر ليس كذلك، يعتقد؛ إذن أول شيء، قاعدة ليست صحيحة. ثاني شيء، اعتقد التعارض، والحقيقة لا وجود للتعارض، لا وجود للتعارض. مثاله: ما فعلوا في رد حديث الشاهد واليمين. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بالصحيح مسلم، الحديث بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. قضى، يعني معناه في القضى، يجوز اليمين والشاهد. وأدلة الكتاب والسنة، دلت على أن باب الشهادة واسع، فهناك ما يلزم أربعة شهداء، مثل الزنا. وهناك ما يلزم شهادة رجلين، أو رجل ومرأتان، مثل الشهادة في الأموال. وهناك ما يجوز فيه شهادة الرجل، مثل الشهادة في دخول شهر رمضان. وهناك ما تجوز، كما الآن صارت، شهادة مجموعة من النساء، فيما يختص بأمر النساء. ثم كذلك شهادة رجل ويمين، كما جاء في حديث بن عباس الذي تقدم. ثم كذلك اليمين فقط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». إذن، الأدلة الشرعية فرقت، ما جعلت الكل سواء. فمن الخطأ أن يقال: ليس في القرآن مذكور قبول شهادة الشاهد واليمين، وأن القول بذلك مخالف لنصوص القرآن. فيقال: وهل نصوص القرآن استوعبت كل الأحكام الشرعية؟ نصوص القرآن لم تستوعب كل النصوص الشرعية، بل السنة جاءت مفسرها. القرآن فالصلاة، ليس في القرآن أنها خمس صلوات، وأنها على هذا التفصيل، صلاة الفجر ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا. أين هذا في القرآن؟ لا يوجد في القرآن، ولكن جاء أين في السنة؟ كذلك تفصيل أحكام الصيام، أين هو في القرآن؟ إنما جاء أين في السنة؟ تفاصيل الزكاة، أين هو في القرآن؟ إنما جاء في السنة. وهكذا قل في باقي أركان الإسلام، كالحج. وقل في أحكام كثيرة جدًا، مما جاءت به نصوص الكتاب، وفسرتها، ووضحتها، وبينتها السنة. وكذلك باب الشهادات، باب الشهادات كذلك؛ فإن السنة تفسر وتوضح وتبين القرآن. وقد ذكر العلماء كلامًا طويلًا كثيرًا في هذا الباب، مما يوضح ويجلي هذه المسألة. أولًا، ببيان عين المسألة. ثانيًا، بضرب ما هو نظير لهذه المسألة، مما جاءت السنة بتفسيره. وقال به هذا المخالف. فيقال له: أنت على خلاف القاعدة، على قاعدتك. يلزم أن لا تعمل إلا بالقرآن، وتترك ما جاء في السنة؛ لأن كل ما جاء في السنة مما ليس بالقرآن، فهو مما يترك. والأمر ليس كذلك، حتى عندك أنت في هذه القاعدة، لم تجعل هذه القاعدة مضطردة. فإذا كان كذلك، فالواجب العمل بما صحت به السنة، ولا تخص مسائل دون مسائل أخرى. ولذلك يطيل من يرد على هؤلاء، بالأمثلة المذكورة في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «وللشافعي رحمه الله في هذه القاعدة كلام معروف». يعني في الرد على هذه القاعدة، في كتابه «الرسالة». فقد ذكر كلامًا قويًا، استدل فيه بأوجه كثيرة، يرد على هذه القاعدة. وخلاصتها: ما سمعنا قبل قليل، من أن الواجب الاضطراد في هذه القاعدة، وهم لا يضطردون في هذه القاعدة. هذا أمر. الأمر الثاني: أن الأدلة الشرعية فرقت بين أنواع الشهادات، فكذلك ينبغي أن نقبل هذا التفريق. ففرق بين شهادة الزنا، تجعلوا أربعة. وفي الأموال، رجلان أو رجل ومرأتان. وهكذا كذلك في غيرها. فما دامت دلة الأدلة على التفريق في باب الشهادات، فلماذا لا يكون كذلك التفريق في باب القضاء؟ وباب القضاء أوسع، وهو يرجع إلى ولي الأمر. قال رحمه الله: «وللإمام أحمد رحمه الله تعالى فيها رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره. وهذه الرسالة للإمام أحمد، سماها «طاعة الرسول». يعني أن القرآن دل على وجوب طاعة الرسول. وما أكثر الآيات التي يأمر الله عز وجل فيها بطاعة الرسول. كما قال سبحانه: «وأطيع الله وأطيع الرسول». ومن يطيع الله ورسوله، وغير ذلك من الأدلة التي فيها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قبول سنته التي تفسر وتبين القرآن. قال رحمه الله تعالى: «ومن ذلك دفع الخبر الذي فيه تخصيص لعموم الكتاب، أو تقييد لمطلقه، أو فيه زيادة عليه». واعتقاد من يقول ذلك: أن الزيادة على النص، كتقييد المطلق، نسخ. وأن تخصيص العام، نسخ. والمعنى: أنهم يردون ذلك، كما هو قول بعض الحنفية. فإنهم يردون مثل هذا، زعمًا منهم أن هذا يكون مثل النسخ. وهذا ليس بالصحيح، هذا ليس بالصحيح. وبسط العلماء الكلام على هذا، في مبحث النسخ، والرد على الحنفية في هذه المسألة. وهذا المفهوم. فعندهم أن ما زاد عن القرآن مما جاءت في السنة، لا يقبل، ويرد. زعمًا منهم أنه يقتضي النسخ. مثلا جاءت القرآن بوجوب جلد البكرين بمئة. وجاءت السنة بزيادة حكم التغريب. التغريب عام. فالحنفية ردوا حكم التغريب. ردوا حكم التغريب. والصواب إثبات حكم التغريب. سبب ردهم: زعموا أنه ليس موجود في القرآن. وأن زيادة هذا على القرآن، يعدك الناس خلف. والأمر ليس كذلك، بل الصحيح أنه بيان لما في القرآن. فالتغريب زيادة بيان، التغريب زيادة بيان. كذلك قول الله عز وجل: «كتاب الله عليكم، وحل لكم ما وراء ذلكم». يعني من النكاح. وجاء في السنة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. وهذا يرده بعض أهل الرأي، على هذه القاعدة. وهكذا كذلك قول الله عز وجل: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمان». الآية. مع أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع، إلى آخره. وهذا كذلك رده بعض أهل الرأي، على هذه القاعدة. والصواب العمل بهذه الأدلة كلها. فإذا انظروا، الخلاف في فهم بعض القواعد، سبب خلاف في فروع كثيرة من المسائل. قال رحمه الله تعالى: «وكمعارضة طائفة من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة؛ بناء على أنهم مجمعون على مخالفة الخبر، وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر». وهذا كذلك من القواعد الخاطئة. أي عملوا بهذا الاضطراد، التي سببت خلافًا في فروع كثيرة. فقد ذهب الإمام مالك، وجماعة من المالكية، إلى القول بعمل أهل المدينة. فجعلوه ميزان رد به بعض السنن. فرد المالكية حديث الخيار، حديث بن عمر: «إذا تبايع الرجلان، فكل منهما بالخيار ما لم يتفرقا». ما هو السبب؟ السبب قالوا: ليس عليه عمل أهل المدينة. وهذا خلط من وجهين: الوجه الأول: أن القاعدة ليس لها أصل، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا عنزلة في الأمة. قد يستأنس بفعل أهل المدينة، لكنه ليس دليل مستقل. ليس في أدلة الكتاب والسنة أن عمل أهل المدينة دليل، فضلا أن يعارض به الأدلة. ولكن قد يستأنس به في فهم بعض الأدلة، لا في معارضة الأدلة. وفرق بين الأمرين. الأمر الثاني: أنه ثبت الخلاف في هذه المسائل عن بعض أصحاب المدينة. فهذه المسألة بعينها، خالف بها جماعة من أهل المدينة، كابن المسيب، والزهري، وجماعة خالفوا في هذه المسألة، وقالوا بظاهر الحديث. فعلم بهذا أن قول من قال: أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك، خطأ، وليس بصواب. ومثله، وقريب منه، القول بعمل أهل مكة، كما يروى عن الإمام الثوري رحمه الله، في عدد من المسائل. فيثبت بعض المسائل، أو ينفي بعضها. ويعارض الأدلة، بحجة أن عمل أهل المكة على ذلك، أو على خلاف ذلك. وهذا يقال فيه، كما قيل في عمل أهل المدينة. مثل قول الإمام الثوري في ختم القرآن، وغيره من المسائل التي نقلت من عنه، واستدلاله ما هو عمل أهل مكة. والصحيح أن عمل أهل مكة، ليس دليل مستقل، ليس بدليل مستقل، تثبت به الأحكام، فضلا أن تعارض به الأدلة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك، أن المسائل التي قيل أن عليها عمل أهل مكة، ثبت عن بعض علماء أهل مكة، العمل بخلافه، والخلاف فيه؟ فهذا يدل على عدم صحة هذا التقعيد. قال رحمه الله تعالى: «وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر». وهذا ليس بصحيح. قال: «كمخالفة أحاديث خيار المجلس؛ بناء على هذا الأصل». وتقدمت الإشارة إليه. قال: «وإن كان أكثر الناس قد يثبتون أن المدنيين قد اختلفوا بتلك المسألة، وأنهم لو أجمعوا، وخالفهم غيرهم، كانت الحجة في الخبر». يعني لو أجمع أهل المدينة، لما صح أن ترد به السنة. فكيف أهل المدينة أصلًا اختلفوا في المسألة؟ كما سمعنا فيما نقل عن الزهري، وابن أبي ذئب، وسعيد بن المسيب، وجماعة خالفوا الإمام مالك في هذه المسألة. بل شدد على الإمام مالك، وأوذي بسبب قوله ببعض المسائل، بخلاف الأحاديث، بخلاف الأحاديث، على هذه القاعدة. قال رحمه الله: «وكمعارضة قوم من البلدين، بعض الأحاديث بالقياس الجلي». وقوله «البلدين» يريد الكوفة والمدينة. وتقدم معنا الكوفة قبل قليل، وتقدم معنا المدينة. ويشير بذلك إلى ما نقل عن بعض الحنفية، وعن الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك كذلك، ببعض المسائل، اتفقوا عليها، وخالفوا جمهور أهل العلم، بماذا؟ ببعض مثل هذه القواعد. بعضها متفرقة، مثل ما تقدم معنا في خلاف أهل الكوفة، في مسألة مخالفة السنة، لظاهر القرآن. وهكذا كذلك أهل المدينة، في عمل أهل المدينة. وأهل مكة، في عمل أهل مكة. وهكذا هذه المسألة التي سيأتي ذكرها. قال: «وكمعارضة قوم من البلدين، معناه ليس كل أهل البلدين، ليس كل أهل الكوفة، ولا كل أهل المدينة، بعض». قال «بعض الأحاديث بالقياس الجلي؛ بناء على أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر». إلى غير ذلك من أنواع المعارضات، سواء كان المعارض مصيبًا أو مخطئًا. هنا ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أنهم استجازوا أن ترد السنة الصحيحة، بالقواعد والمفاهيم التي ليس لها أصل. وهذا خطأ، مثل ما تقدم معنا بعض الأمثلة. ومنها هذا المثال. المبحث الثاني: ردهم لبعض الأدلة، بما يسمى بالقياس الجلي، أنه معارض للقياس الجلي. وهذا خطأ، وهذا خطأ. فالصحيح أن القياس الصحيح لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة. لا يوجد هذا أبدًا، فهو إما أن الحديث لا يصح، أو أن القياس لا يصح. أما أن يوجد شيء صحيح صريح، يعارضه قياس صحيح، فهذا لا يوجد أبدًا. وإنما الخطأ يكون في أحد الأمرين. الأمر الثالث: أنهم أصلًا اختلفوا في فهم القياس الجلي، ما هو القياس الجلي؟ كما موشور في كتب الأصول. فالقياس الجلي عند أكثر أهل العلم، هو القياس الأولوي، هو القياس الأولوي. وعند بعض أهل العلم، وهو قول مرجوح: أنه فحوى الخطاب، أي دلالة الألفاظ. وهذا ليس بقياس، بل ممكن أن يسمى دلالة، أو عموم نص، أو نحو ذلك. والخطأ جاء من هذه الأوجه الثلاث: أولًا، استجازة معارضة الدليل الصحيح الصريح، بقاعدة القياس. ثانيًا: أن الكثير مما يدعى أنه خلاف القياس، ويريدون بالقياس تارة الأصل، ويريدون به كذلك القياس الأولوي، ويريدون به كذلك فحوى الخطاب. وكل هذه لا يصح أن تعارض بها الأدلة. فكيف إذا علم أن أكثر المسائل التي يدعى فيها مخالفة القياس، كان الصواب أن القياس يوافقها، وليس يخالفها؟ القياس يوافقها، وليس يخالفها. مثل حديث المصرّخ، فإنهم قالوا: هذا خلاف القياس. وعند النظر الصحيح، علم أنه موافق للقياس، وليس مخالف للقياس، ليس مخالف للقياس. ولهذا نظائر، وأمثال كثيرة، وقع فيها الخلاف من هؤلاء، والصواب خلاف ما ذهبوا إليه. قال رحمه الله تعالى: «إلى غير ذلك من أنواع المعارضات؛ سواء كان المعارض مصيبًا أو مخطئًا». يشير أنه ضرب ثلاثة أمثلة، وليست هذه حصرا، وإنما هذه تمثيلًا، ذكرها على وجه التمثيل، لا على وجه الحصر. وإلا فأوجه المعارضات كثيرة جدًا. وهذه المعارضات في قواعد، هذه القواعد أكثرها خاطئة. وما كان منها صوابًا، فإنها لا يجوز أن تعارض به الأدلة، لا يجوز أن تعارض به الأدلة. قال رحمه الله تعالى: «فهذه الأسباب العشرة ظاهرة». يعني الذي تقدمت، واضحة، وعلم بها أنها سببت خلافًا كثيرًا بين العلماء. ولا إمة، وأن هذا قد يعدر بعض العلماء؛ لأنهم خفي عليهم الصواب، أو اجتهدوا، ولم يصلوا للصواب. ولكن لا يعدر من بلغه الدليل، وعلم خطأ من سبقه. فالواجب اتباع الدليل، لا اتباع من أفتى بمخالفة الدليل. أما سؤالكم عن حكم تبادل التهنئة في بداية العام الهجري، وهل صحته؟ لم تثبت التهنئة بدخول العام الهجري، أو خروجه، ولا العام الميلادي وخروجه. بل هذا مما دخل على بعض المسلمين، وللأسف من أهل الكتاب وغيرهم، فهم الذين يصنعون هذا. أما أهل الإسلام، فليس عندهم عيد إلا عيد الفطر، وعيد الأضحى. فيهما تكون التهنئة. وبغير هذا، لا. الأمر الثاني: لم يثبت شيء صحيح صريح بالتهنئة في شيء من الأدعية. فينبغي التنبه لهذا. ثم إذا وقع من بعض الناس، يكون التنبه بلطف، يعني بما يوضح له المسألة، لا يكون جفاء يسبب الشر والفتنة والتنافر. لا، بس، زاد عليه. أما سؤالكم عن لباس المرأة، هل لابد في لباس المرأة من لبس الجلباب الإسلامي المعروف؟ الأصل أن المطلوب في حجاب المرأة، ثمانية شروط. إذا توفرت، فهو حجاب شرعي صحيح. الشرط الأول: أن يكون سابغًا لكل الجسد، فلا يظهر من جسد المرأة شيء. الشرط الثاني: أن لا يكون مبخرًا أو معطرًا. الشرط الثالث: أن لا يكون ضيقًا. الشرط الرابع: أن لا يكون رقيقًا يصف ما تحته. الشرط الخامس: أن لا يكون شبيهًا بلباس الرجال. الشرط السادس: أن لا يكون شبيهًا بلباس الفاجرات والفاسقات والكافرات. الشرط السابع: أن لا يكون ثوب شهرة، أن لا يكون ثوب شهرة. وثوب الشهرة هو الثوب الذي لم يجري به العرف، ويوجب أو يترتب عليه الفتنة. اللباس السعودي، العباءة السعودية، من حيث توفر الشروط، متوفرة الشروط، وربما يكون أحسن من الجلباب اليمني؛ لأنه يستر من أعلى الرأس إلى الأقدام، ما يظهر فيه الكتفين ونحو ذلك. لكنه من حيث الشهرة، هذا شيء آخر. فمثلًا، قرية صغيرة، امرأة لبست الحجاب السعودي، خلاص، إذن المرأة معروفة. أول ما تمشي، يقولوا: جبوا هذه فلانة. أول ما ترجع، هذه فلانة. إذن هي سترت نفسها، أو كشفت نفسها؟ كشفت نفسها. لكن إذا كان حجابها من جنس حجاب الناس، ما أحد يدري أين هي خرجت ورجعت، ما أحد يدري هذه فلانة، أولًا فلانة. عرفت، لكن إذا انتشر الحجاب السعودي في المدن، منتشر، ما في مشكلة. فأي حجاب، المهم أن الحجاب ساتر، تتوفر فيه الشروط الصحيحة للحجاب، فهذا جائز. وأما سؤالكم عن أفضل كتاب في قصص الأنبياء، كتاب الإمام بن كثير رحمه الله في قصص الأنبياء، كتاب نافع ومفيد. وهل تنصحون بقراءة كتاب الشيخ عثمان الخميس؟ الظاهر الشيخ عثمان في رده على الرافضة، ووقفاته في بعض مسائل السنة، جيدة. إلا أنه قد يخلط في بعض المسائل في الجماعات والفرق. فإن بعض من ينتسب إلى العلم، بسبب عدم وجود التميز في بعض البلاد، يحصل له الخلط في بعض هذه المسائل. فيظن أن دفاعه عن بعض الإسلاميين، دفاع عن الإسلام، ومحاربة للإلحاد، ومحاربة لكذا وكذا. مثل ما حصل مع بعض كبار المشايخ في فترة من الزمن، دافع عن سيد قطب، وعن حسن البنا، وعن غيرهم، في مقابل الإلحاد وغيرهم؛ باعتبار أن هؤلاء من الإسلاميين، وهؤلاء من الكفار، والحرب بين الإسلام والكفر. وهكذا دائمًا يصور الإخوان المسلمون القضية. لكن بعد أن بين العلماء بكتابات كثيرة، خطر ما عند هؤلاء في باب الاعتقاد، في القرب من الرافضة، في باب الولاء والبراء، في التلاعب بالأحكام الشرعية، في مقابلة السياسات، في إثارتهم للثورات والمظاهرات والانتفاضات وغير ذلك. تنبه العلماء الكثير من العلماء، وصار يحذرون من الإخوان المسلمين عمومًا، والسياسيين والثوريين، ومن رؤوس هؤلاء خصوصًا. وللأسف بعض الفضلاء من المشايخ، لا يزال عنده الخلط في هذه المسائل. وينبغي أن نفرق بين من كانت عنده لوثة حزبية، وعنده ولاء وبراء ضيق، فهذا يلحق بهؤلاء الحزبيين. ومن لم تكن عنده هذه اللوثة، وحصل عنده بعض الأخطاء بسبب قلة الخبرة والتميز، عدم وجود التميز في بلده، وغير ذلك من المسائل الأخرى. فيقال: أخطأ في هذه المسائل. وبعض الناس قد تحتار فيه، يحتاج منك وقت حتى تنظر في أمره بدقة، فتتوقف، تقول: الله أعلم، هل هذا الإنسان يعني عنده لوثة حزبية، أو هذا الإنسان خفيت عليه مثل هذه المسائل؟ فلذلك ينبغي أن تحذر من بعض المشايخ الذين عندهم بعض الكلمات والفتاوى والعبارات التي يكون فيها شيء في هذا الباب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.