الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
توحيد الأسماء والصفات يعني إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته دون تحريف أو تعطيل. يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما لم يرد في الكتاب والسنة.
تناول المقطع أقسام الناس في التعامل مع النصوص المتعلقة بالتوحيد، وبيّن غلط المتكلمين في مسمى التوحيد وعدم إدخالهم توحيد الألوهية فيه.
يتناول المقطع أصول الأمر والقدر، حيث يشير إلى ضرورة الامتثال للأمر والنهي والصبر على المقدور. يُفصّل في أصول الأمر والقدر وأهمية الاستعانة بالله والصبر.
المقطع يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام وتوجيه الشكر للمستمعين.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا محمد صالح عثيمين، رحمه الله تعالى، تقريب التدمرية. ومر معنا كلامه، رحمه الله، في أقسام التوحيد، واليوم إن شاء الله فيما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات. قال الشيخ -شيخنا- وفقه الله، ولي شيخنا، وللسامعين: فصل، وأما توحيد الأسماء والصفات، فهو إفراد الله تعالى بأسمائه وصفاته، وذلك بإثبات ما أثبته الله نفسه من الأسماء والصفات في كتابه، أولًا، ولسان رسوله، صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فلا يجوز نفي شيء مما سمى الله به نفسه، أو وصفه به نفسه، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وذم الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون. ولأن ذلك تعطيل يستلزم تحريف النصوص أو تكذيبها، مع وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب. ولا يجوز تسمية الله تعالى، وصفه بما لم يأت في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك قول على الله تعالى بلا علم. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التمثيل؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ولأن ذلك إشراك بالله تعالى يستلزم تحريف النصوص أو تكذيبها، مع تنقص الله تعالى بتمثيله بالمخلوق الناقص. ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التكييف؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم، يستلزم الفوضى والتخبط في صفة الله تعالى؛ إذ كل واحد يتخيل كيفية معينة غير ما تخيله الآخر. ولأن ذلك محاولة لإدراك ما لا يمكن إدراكه بالعقول. وهذا النوع من التوحيد هو الذي كثر فيه الخوض بين أهل القبلة، انقسموا في النصوص الواردة فيه إلى ستة أقسام. القسم الأول من أجروها على ظاهرها اللائق بالله تعالى، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهؤلاء هم السلف، وهذا هو الصواب المقطوع به؛ لدلالة الكتاب والسنة والعقل والإجماع السابق عليه، دلالة قطعية أو ظنية. القسم الثاني من أجروها على ظاهرها، لكن جعلوها من جنس صفات المخلوقين، وهؤلاء هم الممثلة، ومذهبهم باطل بالكتاب والسنة والعقل، وإنكر السلف. القسم الثالث من أجروها على خلاف ظاهرها، وعينوا لها معاني بعقولهم، وحرفوا من أجلها النصوص، وهؤلاء هم أهل التعطيل. فمنهم من عطل تعطيلًا كبيرًا، كالجهمية والمعتزلة ونحوهم، ومنهم من عطل تعطيلًا دون ذلك، كالأشاعرة. القسم الرابع من قالوا: الله أعلم بما أراد بها، فوضوا علم معانيها إلى الله وحده، وهؤلاء هم أهل التجهيل المفوضة. وتناقض بعضهم؛ فقال: الله أعلم بما أراد، لكنه لم يرد إثبات صفة خارجية له تعالى. القسم الخامس من قالوا: يجوز أن يكون المراد بهذه النصوص إثبات صفة تليق بالله تعالى، وأن لا يكون المراد ذلك، وهؤلاء كثير من الفقهاء وغيرهم. القسم السادس من أعرضوا بقلوبهم، وأمسكوا بألسنتهم على هذا كله، واقتصروا على قراءة النصوص، ولم يقولوا فيها بشيء. وهذه الأقسام سوى الأول باطلة. وبهذا التقرير على أقسام التوحيد، يتبين غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد؛ حيث جعلوه ثلاثة أنواع: الأول أن الله واحد في ذاته، لا قسيم له، أو لا جزء له، أو لا بعض له. الثاني أنه واحد في صفاته، لا شبيه له. الثالث أنه واحد في أفعاله، لا شريك له. وذكر الشيخ، رحمه الله، أقسامًا من ضل في باب الأسماء والصفات، بعد أن ذكر ما يتعلق بالأسماء والصفات من مباحث. وسبق وتعلقه بأقسام التوحيد الأخرى. وعلم مناسبة ذكر هذه الأقسام أنها لها علاقة؛ لأنها مرتبطة بالقدر. فمن نفى القدر، فإنه يستلزم منه نفي أقسام التوحيد الثلاثة؛ لأنها متلازمة مترابطة. ثم ذكر، رحمه الله، من ضل في هذا الباب، أنهم ستة أقسام. وهؤلاء الأقسام الستة على وجه الإجمال، وإلا في التفصيل فهم أكثر. فكلما فصلنا أكثر زادوا. وقد تقدم معنا أنهم بالإجمال هم ثلاثة: أهل تمثيل، وأهل تعطيل، وأهل تخيل. وأما أهل الحق، فهم أهل الدليل وسواء السبيل. فصل: وبهذا التقرير على أقسام التوحيد، يتبين غلط عامة المتكلمين في مسمى التوحيد. وبيان غلطهم من وجوه: أحدها أنهم لم يدخلوا فيه توحيد الألوهية، وهو أن الله تعالى واحد في ألوهيته، لا شريك له، فيفرد وحده بالعبادة. ومعلوم أن هذا النوع من التوحيد هو الذي من أجله خلق الجن والإنس، قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ومن أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فجميع الآلهة سواه باطلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. ومن أجله قامت المعارك الكلامية والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين. فصل: ولا يتم الإسلام إلا بالبراءة مما سواه، كما قال الله تعالى عن إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَى الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. والبراءة نوعان: الأول براءة من عمل، والثاني براءة من عامل. فأما البراءة من العمل، فتجب من كل عمل محرم، سواء كان كفرًا أم دونه. فيبرأ المؤمن من الشرك والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك. وأما البراءة من العامل، فإن كان عمله كفرًا، وجبت البراءة منه بكل حال، ومن كل وجه. وإن كان عمله دون الكفر، وجبت البراءة منه من وجه دون وجه. فيوالى بما معه من الإيمان والعمل الصالح، ويتبرأ منه بما معه من المعاصي. فصل: المؤمن أمر بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والجامع لهذا أنه لا بد في الأمر من أصلين، ولا بد في القدر من أصلين أيضًا. أما الأصلان في الأمر، فهما: أصل قبل العمل، أو مقارن له، وهو الاجتهاد في الامتثال، علما وعملا. فيجتهد في العلم بالله تعالى، وأسمائه وصفاته وأحكامه. ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور. والثاني أصل بعد العمل، وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور، أو التعدي في المحظور. وأما الأصلان في القدر، فهما: أصل قبل المقدور، وهو الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به، ودعاؤه، رغبة ورهبة. فيكون معتمدًا على ربه، ملتجيًا إليه، في حصول المطلوب، ودفع المكروه. والثاني بعد المقدور، وهو الصبر على المقدور؛ حيث يفوت مطلوبه، أو يقع مكروهه. فيوطن نفسه عليه؛ بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره الله تعالى. فيرضى بذلك، ويسلم، وينشرح صدره، ويذهب عنه الندم والحزن. كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: يهدي قلبه لليقين؛ فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: هو الرجل تصيبه المصيبة؛ فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم. فإذا رأى الأمر والقدر على الوجه الذي ذكرنا، كان عابدًا لله تعالى، مستعينًا به، متوكلا عليه، من الذين أنعم الله عليهم. وقد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم. جزاكم الله خيرًا.