الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 35، الدرس الخامس والثلاثون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثني عمرو بن علي ... لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة حديث صحيح ورجاله ثقات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبرز المقطع كرم النبي وتعامله الحسن مع أصحابه وضيوفه من خلال أحاديث نبوية عن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك. يظهر ذلك في استقباله لضيوفه وتناوله الطعام معهم.
تروي الأحاديث عن أبي هريرة قصة تكثير النبي لقدح لبن ليكفي أهل الصفة وتكثير الطعام في سفر مع النبي، مما يعد من دلائل نبوته وصدق رسالته. هذه القصص تبين معجزات النبي في تكثير الطعام.
في غزوة تبوك، جمع النبي ما تبقى من طعام الصحابة ودعا له بالبركة، فكفى الجميع وفضلت فضلة. هذا يدل على فضل التوحيد ومعناه ومقتضاه، وأنه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله: حدثنا عمر بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا حمضلة بن أبي سفيان، قال: أخبرنا سعيد بن ميناء، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لما حفر الخندق رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا -يعني تعبًا- فانكفيت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا. فأخرجت إلي جرابًا فيه صاع من شعير -والجراب: الكيس الصغير- ولنا بهيمة داجن -يعني صغيرة تدخل البيت كما تدخل الدجاج الأليف- فذبحتها وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتي، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه -يعني لا تأتي بناس كثير فتحرجني مع من يأتي- فأتيته، فساررته، فقلت: يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير -والصاع: أربعة أمداد- قال: «كان عندنا فتعال أنت ونفر معك». فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سورًا فحي هلا بكم» -والسور: يعني الإدام والطعام-. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء». فجئت، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلتي -يعني سررته سرًا- فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه وبرك، ثم عمد إلى برمتنا -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- فبصق وبرك، ثم قال: «ادعوا خابزة فالتخبز معي، واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها» -وهم ألف-. فأكلوا حتى تركوا وانحرفوا -يعني زاد بقية صاع من شعير، ومعه عناق -والعناق: مثل ماذا؟ مثل اثنين كيلو من اللحم اليوم أو أقل- قال: «وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» -يعني كأنه ما نقص منه شيء- ومر معنا هذا. قال البخاري رحمه الله: وقال إبراهيم عن نبي عثمان -واسمه الجعد- عن أنس بن مالك، قال: «مر بنا في مسجد بن رفاعة، فسمعته يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بجنبات أم سليم دخل عليها، فسلم عليها». ثم قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم عروسًا بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، فقلت لها: افعلي. فعمدت إلى تمر وسمن وأقط -والتمر والسمن معروف، والأقط هو ما يجفف مما يجبن من اللبن، فهو مثل الجبن وليس بجبن، يميل إلى الحموضة أكثر- قال: فاتخذت حيسة في برمة، فأرسلت بها معي إليه. فانطلقت بها إليه، فقال لي: «ضعها، ثم أمرني، فقال: ادع لي رجالًا سماهم، وادع لي من لقيته». قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله -يعني مليء بالناس- فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بها ما شاء الله -والحيس: كما سمعناه هو خلط التمر والسمن والأقط، وقد يكون معه شيء من الخبز، وهو معروف من أكل أهل المدينة، يؤت به كثيرًا في الحرم لأجل إذا رآه أحد عرفه، فهو فتات بين تمر وخبز وسمن، وربما أضيف إليه أقط- قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بها ما شاء الله -يعني برك- ثم جعل يده عشرة عشرة، يأكلون منه، ويقول لهم: «اذكر اسم الله، وليأكل كل رجل ممن يليه». وفيه استحباب الاجتماع بما ليس فيه مضرة ولا مشقة، فالعشرة أقصى ما عرف في السنة أنهم يجتمعون على الإناء الواحد -يعني لا يجتمع أكثر من عشرة؛ لأن هذا فيه مشقة ومضرة-. قال: «يأكلون منه، ويقول لهم: اذكر اسم الله، وليأكل كل رجل ممن يليه». قال: «حتى تصدعوا كلهم عنها» -يعني قاموا فخرج منهم من خرج، وبقي نفر يتحدثون- قال: «وجعلت أغتم، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات، وخرجت في إثريه، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع، فدخل البيت، أرخى الستر، وإني لفي الحجر، وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾» يعني نزلت الآية في هذا الموضع، وهذا سبب نزولها. وفي هذا الأدب كذلك، وهو أن الإنسان لا يأتي لطعام إلا أن يدعى، فضلًا أن يكون عنده شيء من الفضول الحسي أو القولي، وأنه إذا دعي فليكن خفيفًا، لا يكن ثقيلًا، يخرج أسرع ما يمكن، إلا إن طلبه صاحب البيت وألح عليه بالبقاء لحاجة أو لنحو ذلك استئناسًا به، فليبق. وفيه ما أشار إليه شيخنا رحمه الله مما رواه البخاري في هذا الحديث، ما يتعلق بدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام في تكثير الطعام. قال أبو عثمان: قال أنس: «إني خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين -يعني يحكي ذلك-». وأجمع أنس نفسه في حديث آخر. قال البخاري رحمه الله: حدثني ابن عين بنحو من نصف هذا الحديث، قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: حدثنا مجاهد: أنبأ هريرة: «كان يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ -صوابه: الله الذي لا إله إلا هو- إن كنت لا أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لا أشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله -ما سألته إلا ليشبعني- فمر فلم يفعل. ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله -ما سألته إلا ليشبعني- فمر فلم يفعل -يعني يدعوه إلى الطعام من شدة الجوع- ثم مر بي القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: «يا أبا هر؟» قلت: «لبيك يا رسول الله». قال: «الحق» ومضى، فتبعته، فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدح. فقال: «من أين هذا اللبن؟» قالوا: «أهداه لك فلان أو فلانة». قال: «أبا هر؟» قلت: «لبيك يا رسول الله». قال: «الحق إلى أهل الصفة، فادعهم» -وكانوا قرابة السبعين- قالوا: «أهل الصفة: أضياف الإسلام، لا يؤون على أهل، ولا مال، ولا على أحد. إذا أتته صدقة، بعث بها إليهم» -وليس معنى ذلك أنهم لم يكونوا يكتسبون، بل إذا اشتد بهم الحال اكتسبوا، لكن هم جاءوا لغرض، وهو تعلم العلم، والوقت قصير وضيق عليهم، جاءوا من أماكن متفرقة، يريدون تعلم العلم والرجوع إلى أهاليهم، فحرصوا على التفرغ للعلم، فإذا اشتد بهم الحال صبروا، وإذا زادت الشدة عملوا-. فقد روي عن بهريرة رضي الله عنه أنه كان يخرج يحتطب، لكنه كان يؤثر الصبر، كان يؤثر الصبر وتحمل الجوع على أن يخرج إلا إن اشتد به الحال، لإيثاره أخذ العلم مع الشدة على ضياع ما يضيع عليه من الوقت دون أن يأخذ شيء من العلم. فإذا جاءه شيء من غير مسألة قبله، وإن جاءه شيء وإن كان لا يأتيه شيء إلا بمسألة لم يسأل -كما ترون في هذا الحديث، فإنه لم يسأل الناس، ولكن كما قال: ربما يذكر الشيء من العلم تعريضًا أن يدعوه أحد-. قال: «فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها». فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ وفيه أنه كان من سنة النبي عليه الصلاة والسلام المشهورة أن ساق القوم آخرهم شربًا، وأن داعي القوم إلى الطعام مضيفهم، لا يكون داعي القوم أول القوم، بل داعيهم هو المضيف. قال: «ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد»، فأتيتهم، ودعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: «يا أبا هريرة؟» قلت: «لبيك يا رسول الله». قال: «خذ فأعطهم». فأخذت القدح، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضع على يديه، فنظر إلي فتبسم. فقال: «أبا هر؟» قلت: «لبيك يا رسول الله». قال: «بقيت أنا وأنت» -كأنه يشير إليه إلى ما كان في نفسه من خوفه على نفاذ اللبن- قال: «قلت: صدقت يا رسول الله». قال: «اقعد فاشرب». قال: «فقعدت فشربت». وفيه أن ساق القوم آخر الناس شربًا إلا صاحب البيت، فإنه يتقدمه، وهذا من إكرام صاحب البيت. قال: «فقعدت فشربت، فقال: إشرب؟ فما زال يقول: «إشرب» حتى قلت: «لا، والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا». قال: «فأرني». فأعطيته القدح، فحمد الله، وسما، وشرب الفضلة -يعني الباقي- وهذا حديث آخر، كذلك فيه دليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام في تكتير بعض الطعام والشراب، وليس هذا مما تجري به العادة، فهو مؤيد من المؤيدات الكثيرة التي تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن النضر، قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، قال: حدثنا عبيد الله الأجعي، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير -يعني في سفر أو طريق- قال: فنفذت أزواد القوم -قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم- قال: فقال عمر: «يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم، فدعوت الله عليها -يعني فيبارك الله عز وجل-». قال: «ففعل». قال: «فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره». وقال مجاهد: «وذو النواة بنواة» -يعني صاحب نوى التمر- حتى التمر كان يجمعه الصحابة رضي الله عنهم من شدة الجوع، لا يرمونه؛ لأنهم قد يحتاجون إليه، فيطحنونه -إما يكثرون به الدقيق، وإما أن يطعموا به البهائم، وهو إلى يومنا يطعم به البهائم، أو يكثر به الدقيق عند بعض من يشتد عليه الحال-. قال: «قلت: وما كانوا يصنعون بالنواة؟» قال: «كانوا يمصونه، ويشربون عليه الماء» -إما أنهم يمصونه -يعني يخرجون ما بقي فيه من تمر- أو يدقونه فيشرب مع الماء-. قال: «فدعا عليها، حتى ملأ القوم أزودتهم». قال: «فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة». وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس يفعل هذا من ذاته، ولكنه يفعله بما أقدره الله، وأمكنه الله منه، فهو يعلم أنه لم يكن ذلك من شخصه، ولكن بما أعانه الله عز وجل به. قال مزمل رحمه الله: «والمعنى أن ذاك الطعام القليل كفى أولئك القوم الكثير». قال مزمل رحمه الله: حدثنا سهل بن عثمان، وأبو كريب محمد بن العلاء جميعًا: أنا بمعاوية -قال أبو كريب: حدثنا أبو معاوية- عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد -شك أعمش- قال: «لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا -يعني إبل- فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا». فجاء عمر، فقال: «يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر -يعني سيتعب باقي الإبل بحمل الحمل الكثير، وسيتعب الناس؛ لأن الناس يركبون على الظهر، وهم في شدة حر، وسفر طويل؛ لأن غزوة تبوك كانت لملاقات الروم- قال: ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادعوا الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». وفيه مشورة الكبير للصغير، والأخذ بها عند صلاحها، والشورة عمومًا مما أمر به الإسلام، وكان عليه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فدعا بنطع، فبسطه -والنطع: القطع الصغيرة من الجلد أو الثوب- ثم دعا بفضل أزوادهم». قال: «فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة -يعني من خبز- حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، لم يمتلئ حتى النطع». قال: «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم». قال: «فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه -وأوعيتهم لم تكن من المعد فقط، فكانت أوعية من الجلد، والثوب، وغير ذلك-». قال: «فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة». وفيه أن هذا من دلائل نبوته الموجبة للشهادة لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة. وفيه فضل التوحيد، ومعناه، ومقتضاه، وشرطه. فإن من معنى غير الشك: العمل بمقتضى هذه الكلمة، والامتثال لما تقتضيه. وفيه فضل التوحيد، وما يدخل الجنة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا علي بن إسحاق، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك- قال: أنبأنا الأوزاعي، قال: حدثني المطلب بن حنطب المخزومي، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمارة الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأصاب الناس مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر بعض ظهورهم، وقالوا: يبلغنا الله به -يعني بالباقي-». فلما رأى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم، قال: «يا رسول الله، كيف بنا؟» -ولا يعارض هذا الرواية الأولى؛ بأن قوله: «نعم» لأن «نعم» مع عدم التنفيذ من الهم-. قال: «فلما رأى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم، قال: يا رسول الله، كيف بنا إذا لقيتنا القوم غدًا جياعًا، أو رجالًا -يعني ليس معنا ما نركب عليه-؟ ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم، فنجمعها، ثم تدعو الله فيها بالبركة، فإن الله تبارك وتعالى سيبلغنا بدعوتك، أو قال: سيبارك لنا في دعوتك». وفيه أنهم مع حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وإجلالهم له، ما كانوا يعتقدون أنه يبارك من ذات نفسه، بل الله هو الذي بارك فيه، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة: أنه ليس شيء بارك في نفسه إلا الله سبحانه وتعالى. وأما المخلوق: فهو مبارك بما جعل الله عز وجل فيه البركة، المخلوق مبارك. قال: «فدع النبي صلى الله عليه وسلم ببقايا أزوادهم، فجعل الناس يجيئون بالحثية من الطعام -وفوق ذلك، ومعناه أنه قليل- وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو، ثم دعا الجيش بأوعيتهم، فأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملأوا، وبقي مثله -يعني بقي مثله في الأرض- فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أني رسول الله. لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة». قال: «هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات». فهذا الحديث هو زيادة إضاحة للروايات التي سبقت في قصة تبوك، وفيها ما سمعنا من بركة الطعام على يديه عليه الصلاة والسلام، وهو في حوادث كثيرة تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام، وما أيد به. وإلى هنا والله تعالى أعلم.