الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 75، الدرس الخامس والسبعون:من( قال أبو داود رحمه الله:حدثنا حفص بن عمر النمري ... قال أبو عبدالرحمن:موسى بن يعقوب هو الزمعي وهو لين الحديث لكنه قد توبع كما ترى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بتوضيح حديث سعيد بن زيد في العشرة المبشرين بالجنة، وتناول سند الحديث ورواياته المختلفة. الحديث يبين فضل العشرة المبشرين بالجنة.
يشرح المقطع دلالة حديث العشرة المبشرين بالجنة على صدق نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويوضح فضل هؤلاء العشرة وترتيبهم في الفضل حسب ورود أسمائهم في الحديث.
يؤكد على وجوب الدفاع عن أهل الفضل وعدم الرضا بالطعن فيهم، مستدلًا بالأحاديث النبوية وآيات القرآن الكريم، ويشير إلى أن طعن الطاعنين لا يضر أهل الفضل بل يضر الطاعن نفسه.
يشرح جواز استعمال 'على' في الخير وليس فقط في الشر، ويبين تناوب أحرف الجر في اللغة العربية، ويظهر مرونة اللغة في استخدام أحرف الجر المختلفة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال رحمه الله تعالى: قال أبو داود، رحمه الله تعالى: حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: أخبرنا شعبة، عن الحر بن الصياح، عن عبد الرحمن بن الأخنس، أنه كان في المسجد، فذكر رجل عليًا، فقال سعيد بن زيد -يعني كأنه سبه أو ذكره بغير خير-، قال: فقام سعيد بن زيد، فقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أني سمعته وهو يقول: "عشرة في الجنة: النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة" -وسعد بن مالك، واسم والده مالك، وهو أبو وقاص-، قال: "وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر". قال: فقالوا: من هو؟ فسكت، قال: فقالوا: من هو؟ قال: هو سعيد بن زيد. قال شيخنا، رحمه الله: عبد الرحمن بن الأخنس مستور الحال، لكنه قد تابعه رياح بن الحارث، وهو مستور الحال، فالحديث حسن -يعني بطريقه-، قال: بل قد رواه جماعة عن سعيد بن زيد، كما ذكره الحافظ الذهبي، رحمه الله، في "الميزان" في ترجمة عبد الله بن ظالم. قال رحمه الله: قال أبو داود، رحمه الله: حدثنا أبو كامل، قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: أخبرنا صدقة بن المثنى النخعي، قال: حدثني جدي رياح بن الحارث، قال: كنت قاعدًا عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، فرحب به وحياه، وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، يقال له: قيس بن علقمة، فاستقبله وسب، فسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب عليًا -يعني كأنه قال فيه وفيه وكذا وكذا، ولم يذكر اسمًا-، فتعجب، قال: من يسب هذا؟ من المقصود بهذا السب؟ قال: قال: يسب عليًا، قال: لا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك، ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل، فيسألني عنه غدًا إذا لقيته: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة" وساق معناه -يعني الحديث المتقدم-، ثم قال: "لم أشهد رجلًا منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره، ولو عمر عمر نوح". وهذه الرواية هي الرواية المتابعة للرواية السابقة، فهي من رواية رياح بن الحارث، وهو مستور الحال، والأولى من رواية عبد الرحمن بن الأخنس، وهو مستور الحال، وكلاهما في الشواهد والمتابعات، وبهما الحديث حسن. قال: قال الإمام الترمذي، رحمه الله: أخبرنا أبو مصعب إراءة عن عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه -يعني حميدًا-، قال: عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، ولم يذكر فيه عن عبد الرحمن بن عوف. وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وهذا أصح من الحديث الأول. قال شيخنا: من حديث عبد الرحمن بن عوف -يعني أنه روي من طريق عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، وهو حميد، عن عبد الرحمن بن عوف-، ورواية عن سعيد بن زيد، والأصح رواية سعيد بن زيد -يعني في ذكر العشرة المبشرين بالجنة-. قال رحمه الله تعالى: قال الترمذي، رحمه الله: حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: أخبرني ابن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب، عن عمر بن سعيد، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، أن سعيد بن زيد حدثه في نفر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص". قال: فعد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشتموني بالله، أبو الأعور في الجنة، وأبو الأعور هو نفسه سعيد بن زيد، قال: هو سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل. قال: وسمعت محمدًا يقول: هذا أصح من الحديث الأول، ويريد بمحمد هو ابن إسماعيل البخاري، فالترمذي يسأله كثيرًا. قال أبو عبد الرحمن -وهو شيخنا، رحمه الله-: موسى بن يعقوب هو الزمعي، وهو لين الحديث، لكنه توبع كما ترى، فالحديث في الشواهد والمتابعات. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث بطرقه المذكورة، وفيها ذكر هؤلاء العشرة المبشرين في الجنة، وهم من ذكر في الرواية الأولى بدون ذكر أبي عبيدة، وفي الرواية الأخرى بذكر أبي عبيدة بن الجراح، فكلهم من أهل الجنة المبشرين، بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام. سبق معنا أن كون النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن أناس أنهم في الجنة، فيتوفاهم الله وهم على ذاك الخير الذي كانوا عليه، هذا من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته، إذ لا يمكن أن يقع ذلك على كثرة من حدث أنهم في الجنة، ولا يخلف الحكم، ولا في واحد منهم، إلا ودل ذلك أنه يتكلم بحق وصدق بما أوحى الله عز وجل إليه، وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الشاهد من هذه الروايات والحديث لإيراده في هذا الكتاب وهذا الفصل. ومر معنا كذلك أن هؤلاء العشر المبشرين بالجنة سموا بالعشرة ليس لأن المبشرين عشر فقط، ولكن سموا بالعشرة المبشرين بالجنة لأنهم جمعوا في حديث واحد، فلهذا سموا بالعشر المبشرين -يعني المذكورين في حديث واحد-، وإلا فالمبشرين بالجنة كثير من الرجال ومن النساء ومن الصغار ومن الكبار. ولكن من ذكروا في حديث واحد وهم عشرة، لا يوجد إلا هؤلاء العشرة فقط، ولهذا سموا بالعشرة المبشرين بالجنة -يعني الذين ذكروا في حديث واحد-، وذكرهم في حديث واحد يدل على زيادة فضلهم واختصاصهم بهذا الحكم، لأنهم خصوا بهذا الحكم مع بعضهم البعض، وهذا يدل على تأكيد هذا الحكم لهم وأسبقيتهم به. وفيه ولهذا فإن أكثر هؤلاء ذكر في أحاديث مفردة -أي أنه من أهل الجنة- كما مرت معنا بعض تلك الأحاديث في الخلفاء الأربعة، وهكذا كذلك في بعض هؤلاء أفرادًا كما صحت به الروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث كذلك فضل هؤلاء العشرة، فإن فيه فضل هؤلاء العشرة، وكما نرى فيهم الخلفاء الأربعة، وتقديم ذكرهم في الحديث يدل على تقديم فضلهم، ولهذا صار هذا الحديث وهذا من فوائده: فيه دليل على أفضلية الخلفاء الراشدين على سائر الصحابة، وأن ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الذكر. فانظر ذكر أبي بكر أولًا أنه في الجنة، ثم ذكر عمر، ثم ذكر عثمان، ثم ذكر علي، وهذا يدل على أن فضلهم على هذا النسق، ولهذا كان قول جمهور أهل العلم من أهل السنة أن ترتيب الصحابة في الفضل من الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في ماذا؟ في الخلافة، على ترتيبهم في الخلافة. فإن الأدلة أولًا دلت على ذلك، والصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على استخلافهم على هذا النسق، وهذا يؤيد ما جاء في الأدلة، فدل أنهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وهذا هو قول جمهور أهل السنة، وهو الذي دلت عليه الأدلة وتؤيده أدلة أخرى كثيرة. ففي حديث عبد الله بن عمر في البخاري وغيره: أنهم كانوا يفضلون بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيفضلون أبا بكر، ويفضلون ثم يفضلون عمر، ويفضلون ثم يفضلون عثمان، وهذا يدل على تأكيد ما سبق ذكره. وهكذا كذلك من ذكر في الحديث فهم كذلك في الفضل على ترتيبهم في الذكر، كما جاءت به الأحاديث. وفي الحديث مسائل أخرى كذلك، نقتصر إضافة إلى ذلك إلى مسألتين: في هذا الحديث كذلك ما ينبغي أن يكون عليه أهل الحق من الدفاع عن المحسنين وعدم الرضا بالطعن في أهل الفضل، ومنهم أهل العلم، فإنهم أشد. فكما أن فيه فضل الصحابة وأنه لا يجوز الطعن فيهم ولا السكوت على مثل هذا المنكر العظيم، ففيه كذلك أنه لا ينبغي السكوت في الطعن في أهل الفضل، لأن هذا من الظلم الذي لا يجوز الرضا به والسكوت عنه. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فلا يجوز الركون إلى الظالمين في مجالسهم والرضا بظلمهم. ولهذا قال سعيد بن زيد: "لا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير"، ففيه وجوب الإنكار والتغيير في موضع يسب ويتنقص فيه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وهكذا كذلك يقال على وجه العموم بعمومات الأدلة في كل ذوي الفضل، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهكذا كذلك مع ما فيه من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فيه كذلك ما كان عليه من وقع فيهم من الباطل والجهل، فإذا وقع هذا في ذاك الزمان، فلا يستبعد إنسان أن يقع في هذا الزمان، وفيه من الجهلة وكذلك المعرضين من هم أكثر. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، حتى لا يقول قائل: حتى لا يقول قائل: إن الطعن في أهل الفضل يدل على نقصهم، لا، بل طعن من هو أفضل منهم، طعن من هو أفضل منهم. هل هناك أحد أفضل من الصحابة؟ لا أحد أفضل منهم، ومع ذلك وجد من يطعن في الصحابة رضي الله عنهم، فهل ضر أولئك الصحابة طعن الطاعنين فيهم؟ الجواب: لا، ما ضر ذاك الطعن إلا في الطاعن نفسه. وهكذا كذلك طعن الطاعنين في أهل الفضل ممن هم دون الصحابة، ما داموا أهل فضل، فلا يضرهم الطعن فيهم، ولا ينبغي أن يكون هذا الطعن مشككًا في فضلهم، فلا يشك في ذوي الفضل في فضلهم إلا ناقص. لماذا؟ لأنه قد طعن في من هو أفضل منهم، وما ضرهم فضلهم طعن الطاعنين، فكذلك من دونهم ما داموا من أهل الفضل لا يضرهم طعن الطاعنين. وفي هذا درس عظيم للمطعون فيه أن يصبر ويحتسب ويوكل أمره ويفوضه إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن الله سيدفع عنه كما دفع عن من هو أفضل وأرفع منه، وفيه تسلي له في ذلك. وهكذا كذلك درس عظيم فيمن يغتر بقول القالة ويفتح أذنه لمثل هذا التشويش، فإن أمثال هؤلاء لهم في مثل هذه المواضع من السنة وكلام سلف الأمة والسيرة درسًا عظيمًا. وأخيرًا في قوله: "أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فيه فائدة لغوية، وهي جواز استعمال "على" في الخير، فليس دائمًا تأتي "على" ضد الخير، بل يجوز لأن الأصل "أشهد لرسول الله"، الأصل باللام، وغير استعمال "على" يدل على جواز تناوب أحرف الجر في مثل هذا الموضع. إلى هنا والله تعالى أعلم.