الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 98، الدرس الثامن والتسعون:من( قال مسلم رحمه الله:وحدثنا زهير بن حرب ... وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي سلمة بن الأكوع مشاركته في غزوة حنين ويصف كيف هزم الله الكفار برمية النبي التراب في وجوههم، مما يدل على صدق نبوته ومعجزته. يشرح الشيخ الحديث ويبين دلالته على نبوءة النبي.
يشرح المقطع قدرة الله عز وجل على فعل كل شيء ويستدل على ذلك بأمثلة من الواقع، ويؤكد أن إعانة الله للنبي دليل على صدق نبوته ورسالته. التوكل على الله ورجاء النصر منه يجعل الإنسان غير متأثر بإقبال الأسباب وإدبارها.
يتناول المقطع فضل الرمي واهتمام النبي به، كما يبرز خطورة الفرار من الزحف وأثر الثبات في المعارك، مستشهدًا بمواقف الصحابة في غزوة حنين. ومع الصبر والثبات يحول الله الشدة إلى فرج والابتلاء إلى نصر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال مسلم، رحمه الله: وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع. ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوهم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأرجعوا منهزمين. وعليّ بردتان، متزرًا بإحداهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري -يعني انطلق من مكانه، أي ارتخى- قال: فجمعتهما جميعًا -يعني لف ما على الأعلى على الأسفل فجعله كالحزام يحزم به إزاره- قال: ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا، وهو على بغلته الشهباء. قال الشيخ معلقًا: «منهزمًا» حال من سلمة بن الأكوع، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يفر، والمعنى: ومررت منهزمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على بغلته الشهباء، فيكون «منهزمًا» حالًا من الفاعل لا من المجرور. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا» -يعني يوجد شيء خافه- مر على النبي عليه الصلاة والسلام. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: «شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بذلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في ذكر دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام في رميه الكفار وجوههم بالحصى. وهذا الحديث فيه معنى ما تقدم في الحديث الذي قبله: حديث العباس بن عبد المطلب، والذي فيه ما ذكر، معناها هنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بقبضة من تراب من الأرض في وجوه الكفار، فأصابتهم في أعينهم. وهذا كما جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، ففي أحد التفاسير للآية أنها الرمي بالتراب، أي أن الله عز وجل هو الذي وفقه وقواه وأعانه حتى استطاع بهذه القبضة أن يوصل هذا التراب إلى وجوه الكفار، فما من أحد منهم إلا ودخل في عينيه شيء. وفسر غير ذلك، والله عز وجل على كل شيء قدير، فهو سبحانه وتعالى قادر جل وعلا بعظيم سلطانه وقوته وقدرته أن يفعل مثل ذلك وأعظم. وهذا المعنى قد يقرب بأشياء محسوسة، فإن العقل قد يحيل بعض الأشياء، ولكنه إذا شاهدها ورآها لم يجد بدًا إلا أن يثبتها. فالإنسان ضعيف، لكنه قد يستعين بأشياء فيكون به زيادة قوته، وهذا له شواهد في حس الناس وواقعهم. فمثلًا يرمي الإنسان بأنواع ما يرمى بواسطة بعض الآلات، فيستطيع أن يوصل هذا المرمي إلى مسافات لا يستطيع أن يوصلها الإنسان لو رمى الإنسان الحجر بكل قوته. كم يستطيع أن يبعد الحجر؟ كم تتوقعون؟ مئة متر ما أظن يزيد، ما أظن يزيد عن مئة متر. ولو رمى بالسهم كم يستطيع أن يرمي بسهمه؟ ذكر أن أرمى العرب كان يرمي ما لا يزيد عن مئتي متر تقريبًا فيما ذكر، مئتي متر يعني عرض هذا المسجد ثلاث مرات، هذا أرمى رجل وأقوى رجل في الرمي يرمي بالسهم مثل هذا ثلاث مرات. لكن السهم في زماننا هذا يوصل أكثر من هذا بواسطة بعض الآلات، فيستطيع الإنسان أن يرمي أبعد من هذا، وهذا بآلة ربما العقل يحيل أن يكون مثل هذا، ولكن بالآلات يوجد ما هو فوق الخيال، حتى قيل أن بعض البنادق اليوم ترمي أكثر من عشر كيلو، ممكن قبل فترة إذا قيل مثل هذا أي المستحيل كيف بندقية ترمي عشر كيلو؟ هذا شيء خيال، لكن ما دام وقع ورآه الناس فالعقل لا يجد بدًا إلا ماذا؟ أن يثبته. كذلك حمل الأثقال، ما كان الناس يتوقعون أن إنسان يحمل فوق وزنه بعشرة أضعاف أو أكثر ما كانوا يتوقعون، لكن بواسطة تدريب معين وكيفيات معينة وتدرج صار الإنسان يستطيع يحمل مثل هذا وأكثر، وهذا ربما من قبل كان لا يستطيع أن يقره العقل، لكن لما وجد بالمشاهدة والحس لم يجد الإنسان بدًا إلا أن يثبته. فكيف بإعانة الله عز وجل لعبد من عباده، وهو القوي المتعال سبحانه وتعالى؟ فإن من رأى ذلك وشهد به لم يجد بدًا إلا أن يثبته ويرى ذلك من عظيم دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ولا فرق بين من رأى ذلك وشاهده وبين نقل الثقات الصادقين، ونحن نقلت لنا هذه الأخبار بنقول للثقات الصادقين من خيار هذه الأمة، وهم الصحابة الأخيار، رضي الله عنهم أرضاهم، بما لا يقع في قلوبنا شك أبدًا أن مثل هذا حق وصدق، وأنهم نقلوا ذلك بما رأوه بأعينهم وشاهدوه بحسهم، فيكون ذلك تأكيدًا لهذا الخبر. وهذا إن دل على شيء دل أنه دليل من دلائل صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل عانه وقواه، وهو على كل شيء قدير جل وعلا. وهذا الحديث سبق الكلام عليه -يعني في الحديث الذي قبله- وممكن يضاف هنا ذكر ثلاث مسائل في هذا اللفظ المذكور في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أرضاه. فمن مسائل لفظ هذا الحديث: فيه فضل الرمي، فإن للرمي فضلًا، ولهذا حتى الشرع عليه، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» كررها ثلاثًا في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فسلمة ابن الأكوع كان من شجعان الصحابة والمجاهدين والمقاتلين، وفي أوائل الجيش، وكان من أمهر الرماة، رضي الله عنه أرضاه، وله قصص كثيرة مر معنا بعضها في دروس سابقة. وهكذا هوازن كانوا قومًا رماة، وهذا هو السبب الذي كان به الغلب لهم في أول الأمر، فإنهم كانوا قومًا رماة، فرموا الصحابة رمية رجل واحد، فكان ذلك سببًا مع ما أخبر الله عز وجل به من الأمر المعنوي، فإن للذنوب والمعاصي كذلك آثار في عدم حصول النصر. قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، فيحذر ربنا جل وعلا من العجب بالنفس والاغترار بالكثرة، لأن بعض الناس قالوا: بعد أن فتح الله عز وجل عليهم مكة وخرجوا في أكثر من عشرة آلاف مقاتل -وهذا عدد كبير بالنسبة للصحابة، الغزوات الأولى كانوا بالمئات، وهذه الغزوة كانوا أكثر من عشرة آلاف- وبعد أن خرجوا بعد الفتح كانوا أكثر من ذلك بكثير، فقالوا: لن نغلب من قلة اليوم. فأراد الله عز وجل أن يجعل لهم ما فيه عبرة بهذا الامتحان والابتلاء الذي ابتلاهم به يوم حنين، فوقعت لهم ما وقعت من شدة في أول القتال، فثبت الله عز وجل الصحابة بما سبقت الإشارة إليه، منها رمي النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها إقدام النبي عليه الصلاة والسلام وثباته مع ندائه للصحابة بأسمائهم. وفي الحديث من المسائل كذلك خطورة الانهزام والفرار من الزحف، ولهذا كان من أكبر الكبائر، لأن الواحد يؤثر على الغير. فهذا سلمة ابن الأكوع رضي الله عنه من أشجع الصحابة، ومعروف بشجاعته، حتى شهد له النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كما ترون، مع كونه فر مع من فر، ومع هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه كذلك: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا» -يعني ليست هذه عادته ولا هذا من صفته- لكن يوجد شيء عظيم هو الذي جعله يتصرف هذا التصرف، وذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه في وسط هلكة ربما يفر لا بقصد الفرار، ولكن بقصد النجاة بالنفس على أن يعيد الكرة مرة أخرى. والسبب في ذلك كما تقدم: حين رأى إقبال العدو وتأخر الصحابة، فإنه أهاله ذلك. وفي هذا كذلك من المسائل ما يجب على الإمام ومن كان بمعناه من الثبات وتثبيت الجيش بما يكون سببًا لعودتهم حتى ولو تأخروا، لأن الابتلاء والامتحان قد يقع والضعف قد يحصل، فإذا حصل الثبات واستعين بالأسباب الحسية والمعنوية للتثبيت، فإنه بإذن الله تنقلب الموازين على خلاف ما ظهر في أول الأمر. وهذا كذلك يدعو إلى شدة الثقة بالله عز وجل ورجاء النصر منه، وأن لا يتأثر الإنسان بإقبال الأسباب وإدبارها، فإنه إذا توكل على الله حق توكله وأخذ بأسباب التوكل، حول الله عز وجل الشدة مع الصبر إلى فرج، وكذلك الابتلاء والامتحان مع الثبات إلى نصر، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.