القواعد والأصول الجامعة 34

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 34، الدرس الرابع والثلاثون : فيه من قوله ( القاعدة الثانية عشر: لابد من التراضي في عقود المعاوضات ... أو لشراء مايجب شراؤه من نفقة أو كسوة أو نحوها فهو إكراه بحق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية التراضي في العقود

القاعدة الثانية عشر لعبد الرحمن بن ناصر السعدي تشير إلى ضرورة التراضي في جميع العقود المالية والتبرعات والإنهاءات الاختيارية. التراضي شرط أساسي لصحة هذه العقود والإجراءات.

تفصيل الرضا في العقود والتصرفات الشرعية

يؤكد على أهمية الرضا في جميع العقود والتصرفات الشرعية مثل البيع والإجارة والمشاركات. الإكراه يبطل العقد أو التصرف، مع تقسيم الإكراه إلى إكراه ملجئ وغير ملجئ.

الإكراه في العقود والفسخ واستثناءاته

يتناول مسألة الإكراه في العقود والفسخ، ويفرق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ. يشرح الاستثناءات على القاعدة العامة مثل الإكراه بحق ويقدم أمثلة من السنة النبوية.

ختام الدرس وتأكيد الاستمرارية

يتم ختام الدرس الحالي والإشارة إلى استمرار الدروس في المستقبل. يتم التعبير عن الامتنان لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. القاعدة الثانية عشر قال: لا بد من التراضي في عقود المعاوضات والتبرعات والفسوخ الاختيارية. هذه القاعدة أوردها رحمه الله تعالى، وهي من القواعد الفرعية أو ربما سميت بالضابط. ومعنى هذه القاعدة هو لزوم التراضي في العقود، عقود المعاوضات، ما يكون فيه عوض بعوض، سواء بمال أو عين بعين. مثلًا: يشتري شيء بمال، بيع من البيوع، أو مبادلة مال بحبوب بحبوب من نوع آخر، مثلًا ذرة بدخن أو غير ذلك. وهكذا التبرعات، سواء كان هبة أو هدية أو صدقة. وهكذا الفسوخ، وقال: الفسوخ الاختيارية؛ لأنه لا يصح بالإكراه. وسأت، إن شاء الله، في تفاصيل ذلك بالمسائل التي مثل بها رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع؛ يعني على معنى هذه القاعدة. قال: كما قال تعالى في عقود المعاوضات: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. قال: لأن التجارة اسم جامع لكل ما يقصد به الربح والكسب، فلا بد من التراضي بين الطرفين. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما البيع عن تراض، البيع يقوم عن تراض». قال: وقال تعالى في عقود التبرعات: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾؛ أي المهر، إن سامحت الزوجة بشيء من مهرها، فلا بأس أن تأكلوه هنيئا مريئا، ولكن بشرط أن يكون بطيب نفس منها. قال: بهذا التبرع من الزوجة الرشيدة لزوجها بالمهر أو ببعضه، كأن يكون مثلًا المهر بعضه مقدم وبعضه مؤجل، وبعد الزواج تسامح المرأة في المؤجل، تقول: خلاص سامحتك في هذا المؤجل، ما أريد منك الباقي، بطيب نفس، بدون أن يضغط عليها ولا يرهبها ولا يهددها بالطلاق، فإن كان بطيب نفس فهذا جائز وحلال، وسواء كان كله أو بعضه. قد يتزوج قبل أن يدفع المهر، أو يتفقان على الزواج بالمهر المعين، ثم تسقطه الزوجة، يجوز ذلك. قال: أو ببعضه، شرط الله في طيب نفسها؛ يعني شرط الله عز وجل في هذا التبرع أن يكون من طيب نفس منها. قال: وهذا هو الرضا، طيب النفس هو الرضا. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»؛ إلا عن طيب نفس منه. قال: وهذا هو الرضا بجميع التبرعات، نظير الصداق، جميع التبرعات نظير الصداق؛ يعني بمعنى هذه الآية، إذا كان هذا تبرعًا من المرأة لزوجها، فكذلك أي نوع من أنواع التبرعات. سواء أن المرأة مثلًا تتبرع، أو أنه رجل يتبرع، المهم أنه شيء يملكه وأخرجه عن طيب نفس، فهو جائز. ومعنى طيب النفس هو الرضا، سواء كان هبة أو هدية أو صدقة. ومر معنا بدروس ماضية أنه ربما تخرج الهدية على غير معنى الرضا، مثل أن يخرجها كإنسان ما أحسن هذا القلم، ما شاء الله هذا القلم طيب، بكم اشتريته؟ من أين اشتريته؟ ويقلبه ويقلبه ويقلبه حتى يقول: خلاص خذه بس هدية لك، هل هذا هدية بطيب نفس أو بغير طيب نفس؟ لا، بغير طيب نفس. قال رحمه الله تعالى: قالت: البيع بأنواعه، والوتائق -وهذا خطأ، وصوابه: الوتائق- عندي الوتائق، هذا خطأ. طيب، هو بمعنى الوتائق. طيب، في نسخة التوثيقية: قالت: البيع بأنواعه والوتائق والإيجارات والمشاركات والوقف والوصايا والهبة، لا بد فيها من رضا المتعاقدين. فالبيع بأنواعه، أي بيع كان، فمن أنواع البيع الإجارة، فهو نوع من أنواع البيع. من أنواع البيع عقود المضاربة، كلها تكون بالتراضي، لا بد من التراضي. وهذه تفاصيل تعرف بدراسة مباحث الفقه. وهكذا الوتائق، إذا أراد إنسان أن يوثق دينًا برهن، لا بد أن يكون وضع الرهن برضا، ما يجوز أن يأخذ شيء بدون إذن المستدين، ثم يقول له: يا فلان، اسمع، أنا أخذت منك شيء مقابل الدين، هذا رهن عندي، لا، ما يجوز هذا، لا بد أن يكون برضا. قال: والإيجارات والمشاركات والوقف كذلك، الإيجارات وهو من معاني البيع. والمشاركات كذلك، أنواع الشراكات، سواء كما مر معنا في درس منهج السالكين، أنواع المشاركات، سواء شركة عنان أو شركة مضاربة أو أي شركة من أنواع الشركات، فأي مشاركة بين طائفتين أو رجلين أو جماعتين أو مجموعة، لا بد أن يحصل ذلك بالتراضي. قال: والوقف كذلك، أي وقف يوقف، لا بد أن يكون برضا، ما يصح أن يقال: هذا وقف، ولم يوقفه الإنسان. والوصايا والهبة، الوصية وهي التي لا تكون إلا بالثلث وما دون، ولا تكون لوارث، فإنها لا تكون كذلك إلا برضا. قال: والهبة كذلك، الهبة ما يهب الإنسان من مال أو عقار أو أي شيء. قال رحمه الله: وكذلك النكاح، وقوله: لا بد فيه من رضا المتعاقدين، هذا بالنسبة لعقود البيوع وما كان بمعناها. أما عقود التبرعات فهي تكون من طرف واحد، والطرف الثاني إنشاء المعاملة، يقبل أو لا يقبل، لكن نفوذه يكون من الطرف الأول. قال: وكذلك النكاح وغيره من جميع العقود والفصول عندنا، غصب، نقطة، الذي مثل قوله: يعمل نقطة. قالوا: البيع لا تتم إلا برضا المتعاقدين؛ لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر، أو تنقل الحقوق أو تغير الحالة السابقة، وذلك يقتضي الرضا. كذلك النكاح، النكاح لا بد له من الرضا، فالرضا أمر ضروري في النكاح، كما مر معنا قريبًا في القواعد السابقة. وهكذا الفسخ، الطلاق لا يصح طلاق الرجل إلا برضا، كما لا يصح اختلاع المرأة إلا برضا، ما يجوز أن يخلعها أبوها، لا بد أن تأذن المرأة بالفسخ، الطلاق من الفسخ، من عقود الفسخ. قال رحمه الله تعالى: لا تتم إلا برضا المتعاقدين، إن كان من الزوج، فلا بد من رضا الزوج، مثل الطلاق. وإن كان من الزوجة، مثل الخلع، فلا بد من رضا الزوجة. لا تتم إلا برضا المتعاقدين؛ لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر، أو تنقل الحقوق أو تغير الحالة السابقة، نقل الملك في البيوع والإجارة وما كان بمعناه، ونقل الحقوق كذلك، مثل الهبة والوقف والوصية والنظارة والوكالة ونحو ذلك من العقود. أو تغير الحال السابقة، مثل الطلاق والخلع وما كان بمعناه. قال: من أكره على عقد أو على فسخ بغير حق، فعقده وفسخه لا يصح، مذل عدمه. فإذا وضع الإكراه، فإنه لا يتم هذا العقد، سواء كان عقد بيع أو فسخ للبيع، عقد نكاح أو فسخ للنكاح، لا بد أن يكون فيه رضا. فإن وقع شيء من الإكراه، فلا يتم هذا الحكم. وننتبه أن الإكراه يقسمه العلماء إلى قسمين: إكراه ملجئ وإكراه غير ملجئ. ما هو الإكراه الملجئ؟ وما هو غير الملجئ؟ الذي يمكن دفعه، وغير الملجئ الذي لا يمكن دفعه، أو العكس. أولًا: ما معنى ملجئ؟ سيؤتى بعد ذلك. حتى يكون المرجئ، ما معنى مرجئ؟ ما هو؟ حتى يكون الإكراه مرجئًا. قال: الإكراه الملجئ الذي ليس له معه اختياره. نعم، وغير الملجئ الذي يكون معه اختياره. فلو أخذ إنسان رجل وضرب به آخر حتى قتله، صار المضروب به مثل العصا، هذا مرجئ أو غير مرجئ؟ هذا مرجئ، ليس لهذا الإنسان اختيار، ليس لهذا الإنسان اختيار، هذا يسمى مرجئًا؛ لأنه لم يصر له اختيار، فهو بهذه الحالة يُعذر. وأما غير الملجئ، وهو الذي يكون معه اختيار، ففيه تفصيل، وسأتي إن شاء الله التفصيل الذي فيه. فهو يقول هنا: إذا وقع الإكراه في هذا الباب، أكره على هذا الشيء، هنا هل يتصور في العقود إكراه ملجئ أو إكراه غير ملجئ؟ في العقود ماذا يتصور؟ إيش؟ غير ملجئ؛ لأنه لا يمكن أن ينطق بإتمام العقود أو بفسخه بغير اختيار، إلا إذا صار مثل المجنون، وتكلم بمثل ذلك الكلام، بما يلقن به، أو بصموه على شيء وهو نائم، أو وهو سكران، أو شرب شيء ونحو ذلك، فهذا يسمى إكراهًا ملجئًا. وفي مثل هذه الحالة لا خلاف بأنه لا يتم ولا ينعقد ولا يلزم به. وأما إذا كان غير ملجئ، وهو الذي يكون معه اختيار، فإن كان هذا الإكراه مما يدفعه إلى هذا الفعل، فهو مما يُعذر به. مثل أن يضرب بالقفل، ويغلب على ظن النفس أنه يقتل، فطلق وهو لا يريد أن يطلق، مُكره فطلق، مع شدة الضرب وهو لا يريد أن يطلق. أو اختلعت المرأة وهي لا تريد أن تخلع بإكراه، فهنا كذلك يُعذر ولا ينعقد ولا يتم هذا العقد إذا كان عقدًا، أو لا يتم هذا الفسخ إن كان فسخًا؛ لأنه وقع عن إكراه، والإكراه مما يُرفع به الحكم، كما مر معنا أدلته من الكتاب ومن السنة. قال رحمه الله تعالى: ويستثنى من هذا الأصل العام من أكره على عقد أو فسخ بحق، إذا أكره على عقد أو فسخ بحق، فلا بأس، ويتم هذا الإكراه، ويكون له حكمه. مذل: رجل تزوج امرأة بغير رضا، أو كذلك باستدراج وخدعة، عقد عليها باستدراج وخدعة، فعلم أن هذا الرجل باغٍ ومعتدي، وحصل منه ما لا يجوز شرعًا، فيجوز أن يطلق، يكرهه القاضي على الطلاق. أو كذلك أخذ مبيعًا بغير حق، يجوز أن يكره على فسخ هذا المبيع. أو كذلك أخذ شيئًا باسم الهدية وأخذها بغير حق، فيجوز أن تأخذ منه هذه الهدية التي زعم أنها هدية، أو غير ذلك. طيب، فهذا معنى قولي رحمه الله: ومن أكره على عقد أو فسخ بحق؛ يعني معناه هذا مما استثني، ويتم، ويستثنى من هذا الأصل العام. قال: فضابط ذلك: إذا امتنع الإنسان مما وجب عليه، ألزم به، وكان إكراهًا بحق. فإذا أكره على بيع ماله لوفاء دينه، أو لشراء ما يجب شراءه من نفقة أو كسوة أو نحوها، فهو إكراه بحق. ومنه حديث الإفلاس، ما روي من حديث في حكم المفلس، المفلس هو الذي تجتمع عليه ديون كثيرة، وليس عنده وفاء لهذه الديون، ويكون عنده مال قليل، ويريد أن يتصرف به ببيعه ونحوه، فهنا يلزم بسداد ديون الناس، يلزم بسداد ديون الناس، ولو لم يرضَ، ولو لم يرضَ. ودليله ما ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن رجلًا أفلس، فأعتق عبدًا له عند دبر، رجل أفلس عليه ديون، ومع ذلك يريد تصدق، أعتق عبدًا عند دبر؛ يعني إذا مات هذا العبد معتق. فلما بلغ ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، دعا بالعبد، وقال: من يشتري هذا؟ وعرضه للبيع، لماذا؟ لأجل أن يسدد للغرماء ديونهم؛ لأنهم اشتكوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الرجل بهذا. قال رحمه الله: أو لشراء ما يجب شراءه من نفقة أو كسوة، كذلك لشراء ما يجب شراءه، رجل عنده مال ولا يريد أن ينفق على أولاده، يلزمه القاضي بأن يخرج من ماله، ويقطع من ماله مالًا لنفقة أولاده، يكره على ذلك، ولو لم يرضَ، يلزمه ولي الأمر المسلم بذلك. قال: أو نحوها، فهو إكراه بحق. طيب، إكراه بحق. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام لامرأة أبي سفيان، كما في الصحيح: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». حين قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيها وولدها ما يكفيها، فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف. ونكمل في الدرس اللاحق، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.