كتاب الأضحية  1

كتاب الأضحية 1

الدرس في كتاب الأضحية 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الأضحية ووقتها

الأضحية سنة مؤكدة لأهل كل بيت، وتشرع بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام التشريق. يشترط لها أن تكون من بهيمة الأنعام وتذبح في الوقت الشرعي وبسن معتبرة.

شروط صحة الأضحية

يجب أن تكون الأضحية خالية من العيوب البينة، وأن تكون بالسن المعينة شرعاً. الأفضل في الأضحية هو الأسمن والأكمل في الصفات. العيوب اليسيرة التي لا تضر غالبا لا تؤثر على صحة الأضحية.

أحكام الأضحية وآدابها

يجوز الأكل من الأضحية والادخار والتصدق منها. يستحب ذبح الأضحية في المصلى. لمن أراد أن يضحي فعليه الإمساك عن الشعر والأظفار من بداية شهر ذي الحجة.

خاتمة وتأكيد على ما سبق

المؤلف ينهي كلامه بالإشارة إلى اكتفائه بما تم ذكره من مسائل هامة حول الأضحية. يُظهر احترام وتقدير للمعرفة المكتسبة في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الأضحية. قال: تشرع لأهل كل بيت، وأقلها شاه، ووقتها بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام التشريع. وأفضلها أسمنها، ولا يجزئ ما دون الجدع من الضأن، ولا الثني من المعز، ولا الأعور والمريض والأعرج والأعجف وأعظب القرن والأذن. ويتصدق منها ويؤكل ويدخر، والذبح في المصلى أفضل، ولا يأخذ من له أضحية من شعره وظفره بعد دخول عشر ذي الحجة حتى يضحى. قوله: كتاب الأضحية، كما تقدم كتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الأضحية. والأضحية ما تذبح من بهيمة الأنعام تعبدا لله عز وجل يوم الأضحى وما بعده من أيام التشريق بشروطها، وسيأتي إن شاء الله التنبيه على ذلك. فقولها: للأضحية، كما نرى مأخوذ معنى هذه التسمية من وقت ذبحها يوم الأضحى. وذكرها هنا مجموعة من المسائل، أولها شرعية هذه الأضحية وحكمها. فقال: تشرع لأهل كل بيت، وأقلها شاه. وقوله: تشرع يعني مما شرع في الشرع، ولم يذكر هاهنا حكما هل هو الوجوب أو غير ذلك. وقد أشار إلى الخلاف في المسألة في الشرح، وذكر عددا من الأدلة. أما المشروعية فبأدلة الكتاب والسنة. واستدل على العلماء على مشروعية الأضحية بأدلة كثيرة من أدلة الكتاب، قول الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فيدخل في النسك الأضحية، إذ المقصود كل ما يذبح على وجه التعبد لله عز وجل. وما يذبح كذلك تدخل فيه معاني كثيرة كما ذكروا أهل التفسير وأهل الفقه وشراح الحديث. وهكذا كذلك بقول الله عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، وغيرها مما يدل على هذا المعنى. ومن السنة أحاديث كثيرة، وسيأتي بعضها إن شاء الله. ومنها ما في الصحيحين من حديث أنس: «ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين»، وغيرها من الأحاديث. وأما حكم هذه الأضحية، فكما أشار المؤلف رحمه الله في الشرح، اختلف أهل العلم في حكم هذه الأضحية. والصحيحة التي تدل عليه، وليس هناك شيء صحيح صريح يدل على الوجوب، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وهو قول جمهور أهل العلم أنها سنة. وما ورد في الباب من أدلة تدل على الوجوب، فكلها إما غير صريحة وإما غير صحيحة. وقد أجاب عن هذه الأدلة الكثيرة التي وردت الإمام بن حزم رحمه الله في المحلى بأجوبة علمية نافعة. فمن أحب فليرجع إليه في موضعه. وقبل الدخول في مسائل الأضحية التي أشار إليها، يذكر شروطها على وجه الاختصار. فمن أول شروطها أن تكون من بهيمة الأنعام، لقول الله عز وجل: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فلا يجوز ولا يصح أن تكون من غير بهيمة الأنعام. وبهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم بنوعيه: معز وضأن. فإذا ضحى بغير هذه ولو كانت أغلى لم يجز ولم يقبل منه. ولم يفعل الأفضل. فمن ضحى بغزال مثلا لم يصح منه ذلك. وكما تقدم هي سنة، لكنها سنة مؤكدة تأكيدا شديدا. ولهذا جاء في بعض الأحاديث ما ظاهره الأمر. فلا ينبغي لمسلم علم هذه السنة أن يفرط فيها. وكفى بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ولده لنا عبرة، كيف لله سبحانه وتعالى وطاعة له أراد أن يضحي بابنه، فكيف لا نضحي طاعة لله بما أنعم الله عز وجل علينا من نعمة المال وغيره بشيء من بهيمة الأنعام، نتصدق به على أنفسنا وعلى غيرنا، ونتعبد به لربنا. وذكر رحمه الله ها هنا الوقت، وسأت إن شاء الله الكلام عليه. ومن شروطها كذلك اعتبار الوقت، فلابد من أن تذبح في الوقت الشرعي، وهو بعد الصلاة. وسيأتي الأدلة في هذا الباب. فمن هذه الأدلة على وجه الاختصار قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ذبح قبل الصلاة فليس من النسك في شيء، وإنما هو لحم قدمه لأهله»، رواه البخاري ومسلم من حديث البراء. وفي الصحيحين من حديث أنس: «من ذبح قبل الصلاة فليعد»، وهذا هو ابتداء وقتها من بعد الصلاة. وأما انتهاء الوقت إلى آخر يوم من أيام التشريق، يعني يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام: العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من أيام ذي الحجة. وينتهي بغروب شمس يوم الثالث عشر على الصحيح من أقوال أهل العلم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث أبي سعيد: «كل أيام التشريق ذبح»، فهو يدل على هذا المعنى. فمنتهى آخر يوم من أيام التشريق. ومن الشروط اعتبار السن، وسيأتي إن شاء الله تنبيه عليه. فصح عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «لا تذبحوا إلا مسنة»، أي ما بلغت سن ظهور الأسنان، أي الثني. وقال: «إلا أن تستعسر عليكم، فاذبحوا الجدع من الضأن». فدل على أن الضأن من بهيمة الأنعام هو المستثنى فقط. والجدع من الضأن ما بلغ ستة أشهر. فيعلم أن باقي بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والمعز، لابد أن تكون مسنة، أي من الثني. وثني الإبل ما بلغ خمس سنوات، وثني البقر ما بلغ سنتين، وثني المعز ما بلغ سنة. هذا هو الغالب، وقد ينقص بعض الأشهر، وقد يزيد بعض الأشهر. ليس هذا شيء مضطرد، ولكن أهل الخبرة يعرفون هل بلغت هذه البهيمة من بهيمة الأنعام سن الثني أم لم تبلغ. فإذا بلغت قبل خمس سنوات بالنسبة للإبل جازت، وإذا تأخرت عن خمس سنوات لم تجز. فليس العبرة بالسن، ولكن العبرة بماذا ببلغ سن الذبح. ثم قال رحمه الله: وأقلها شاه، يعني أقل من يريد أن يؤدي الأضحية شاه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بأحاديث كثيرة من قوله ومن فعله وإقرار أصحابه. ويجوز أكثر وهو الأفضل لمن يستطيع. ولهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فضحى بكبشين أملحين كما في حديث أنس. وستأتي أحاديث في هذا الباب. وقال رحمه الله: ووقتها بعد صلاة عيد النحر إلى آخر أيام التشريق، كما تقدم وسبقت الإشارة إليه في الأحاديث المذكورة. وأشار في الشرح هنا إلى معنى ذلك، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «من كان ذبح قبل أن يحصل فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح بسم الله». فإن قال قائل: أنا رجل في بادية بعيدة، ليس عندي أحد يصلي، ولا أستطيع أن أصل إلى من يصلي، فمتى أذبح؟ فيقال: اذبح بعد خروج وقت الصلاة، يعني قدر وقت الصلاة. فإذا خرج وقت الصلاة فاذبح. على أن بعض أهل العلم قالوا: يصلي صلاة العيد ولو كان وحده. وهذا قول جماعة من أهل العلم، وهو الأحوط، وهو فعل بعض الصحابة. وقد بوب البخاري رحمه الله بابا فيمن فاته صلاة العيد ماذا يصنع، وذكر بعض الآثار في ما وقع لبعض الصحابة حين فاتتهم صلاة العيد، رجعوا إلى بيوتهم، وصلى الرجل منهم بأهل بيته. فهذا الذي في بادية بعيدة يصلي بأهل بيته صلاة العيد في وقت صلاة العيد. والسنة في صلاة العيد أن يعجل في صلاة عيد الأضحى، ويؤخر في صلاة عيد الفطر. فيصلي كما ذكر بعض أهل العلم عيد الأضحى بعد الإشراق برمح، وعيد الفطر بعد الإشراق برمحين، يعني حين ترتفع الشمس قدر رمح، وحين ترتفع قدر رمحين. قدره بعضهم بما يقارب عشرين دقيقة تقريبا إلى نصف ساعة. وبالنسبة لصلاة عيد الفطر أكثر من ذلك قليلا، يعني الضعف ممكن أن يكون هذا ساعة أو ثلث مثلا. وهذا عشرين دقيقة أو هذا نصف ساعة، وهذا ساعة من بعد وقت الإشراق على وجه التقريب. وينظر الناس الأنفع والأصلح للمسلمين. وذكر آخر وقت الذبح أنه إلى آخر أيام التشريق، لما ثبت في الحديث المتقدم حديث أبي سعيد: «كل أيام التشريق ذبح»، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. فقد جاء من حديث أبي سعيد، وجاء من حديث ابن عمر، وفيه آثار كثيرة تدل عليه. بل استدل بعض أهل العلم بأدلة من الكتاب، بقول الله عز وجل: ﴿الْأَضْحَى﴾، ﴿مَعْلُومَاتٌ﴾، فمعلومات أي معهودات معروفات. وكذلك معدودات، أي أيام التشريق. وكذلك ذكر رحمه الله أن أفضل هذه الأضاحي أسمنها، وذلك لما جاء في حديث رافع الذي أشار إليه، وجاء معناه في حديث أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين سمينين». وكذلك ما أشار إليه في حديث أبي أمامة: «كُنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون». ومعنى يسمنون: يحرصون على تهيئتها ليوم الذبح بتسمينها قبل ذلك، إن كانت فيها نقص أو يريدون الزيادة في ذلك حتى يكمل لهم الأجر، ويطبقون الأفضل في هذه السنة. وبه يعلم أن الأفضل ليس الأغلى، ولكن الأسمن والأكمل في الصفات. وبه يعلم كذلك ضعف ما روي في هذا الباب: «أفضل الضحايا أغلاها وأنفسها»، وهو حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه البيهقي وغيره، وفيه عثمان بن زفر مجهول. وذكر الحديث الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، ونبه عليه غير واحد. وكذلك ذكر رحمه الله مما ينبغي التنبه له في هذه المسائل: مسائل الأضحية وأحكامها اجتناب ما فيه عيب، وهو شرط من شروط الأضحية. وقبل ذلك ذكر أنه لا يجزئ ما دون الجدع من الضأن، ولا الثني من المعز. وهذا قد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي سبقت الإشارة إليه، وسيأتي إن شاء الله التنبيه عليه. ومن ذلك كما أشار أن يراعى السن. وأشار في الشرح إلى الحديث الذي سبق حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: «لا تذبحوا إلا مسنة»، يعني ثنية، «إلا أن تعسر عليكم، فتذبحوا جدعا من الضأن»، يعني ما بلغ ستة أشهر. وذكر كذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو ضعيف، ولكن معناه من جهة إجزاء الجدع من الضأن صحيح، يغني عن حديث جابر وغيره مما صح في هذا الباب. وقد تقدم أن الثني من بهيمة الأنعام هو الواجب، إلا أنه استثني في الضأن خاصة. وفي الإبل قال العلماء: هو غالبا ما يبلغ خمس سنوات. وفي البقر غالبا ما يبلغ سنتين. وفي المعز ما يبلغ سنة. وأشار رحمه الله كذلك بقوله: ولا الثني من المعز، يعني لا يجزئ ما دون الثني. قوله: ولا الثني، يعني ولا دون الثني. هنا دون محذوف، ويبينه ذلك ما ذكره في الشرح. فقد ذكر أنه لا يجزئ دون الثني من المعز، وأورد حديث البراء في الصحيحين فيما جاء: أنه أخطأ فذبح قبل الصلاة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «شاتك شات لحم». فأخبره أن عنده داجنا جدع من المعز، يعني صغير لم تبلغ سن الثني، فقال: «اذبحها، ولا تصلح لغيرك». وفي رواية: «لن تجزئ عن غيرك»، فهي له خاصة. فإذن لا يجوز الجدع من المعز، وإنما هو في الضأن خاصة. ونبه في الشرح إلى حديث عقبة في الصحيحين، وفيه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم ضحايا بين أصحابه». وفي هذا فضل تقسيم الأضاحي والتصدق بها. فبقي عتود، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ضحى به أنت». والعتود هو ما كان بمعنى الجذع. فهنا فيه دليل على جواز التضحية بالعتود. ولكن الإشكال أنه جاءت رواية خارج الصحيحين فيها ذكر: «عتودا من المعز». ولكن نبه الحفاظ أن لفظة «من المعز» لفظة غير صحيحة، شد بها بعض الرواة. واللفظة الصحيحة بدون ذكر المعز، كلفظ الصحيحين. وهكذا جاء عند أبي داود وغيره. وقد أشار إلى هذا التنبيه في الشرح. فيكون المعنى: عتود من الضأن. ونبه على هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في شرحه على سنن أبي داود للمندري في حاشيته عليه. وذكر رحمه الله كذلك من المسائل عدم إجزاء ما فيها عيب، وذكر عددا من العيوب. وأشار بالشرح إلى حديث البراء: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقي»، أي التي لا مخلها. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أربع لا تجوز في الأضاحي»، هل يفيد الحصر؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يفيد الحصر. وهنا قاعدة ذكرها أهل الأصول، وتدل عليها أدلة كثيرة من أدلة الكتاب والسنة: أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، لكنه يفيد تأكيد ذكر المذكور في هذا العدد. إلا أن يدل أسلوب ومعنى من معاني الحصر على الحصر. أما مفهوم العدد لوحده لا يفيد الحصر. فكون ذكر أربع لا تجوز في الأضاحي، لا يعني عدم دخول شيء غير هذا. وقد استدل العلماء على هذا بأدلة كثيرة، من ذلك هذا الحديث، فقد جاء ببعض رواياته زيادة على ذكر هذه الأربع بذكر عيوب أخرى. وهكذا كذلك في أحاديث أخرى كثيرة فيها مفهوم العدد، ومع ذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم غيرها. مثل: «خمس يقتلن في الحل والحرم»، لفظ الصحيحين ذكر خمس، بينما في لفظ عند الإمام مسلم زاد ذكر الحية. وجاء في بعض الألفاظ ذكر ما هو زائد عن ذلك، فزادت عن الخمس. فاستدل العلماء بهذا أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، لكنه يفيد تأكيد ذكر المذكور. فيدخل فيها ما كان بمعناها، وما كان أولى منها مما لم يذكر. فالعبرة بما تدل عليه المعاني من عموم لفظها. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، فيلحق الطيب بالطيب، والخبيث بالخبيث. وكل معنى بما يماثله وما هو أولى منه من باب أولى. فمثلا: لا تجوز العوراء البين عورها، فإذا كانت ليست بعوراء لكنها عمياء تدخل. الصحيح أنها تدخل من باب أولى. وهكذا المريضة البين مرضها، يدخل في معنى ذلك ما كان أشد من المرض، مثل أن تكون جرباء، فهو أشد. وهكذا غير ذلك. والعرجاء البين ضلعها، فإذا كانت كسحا فهو أشد فتدخل. وهكذا الهزيلة التي لا تنقي، فيدخل في معناها الهرمة كذلك التي فيها معنى الهزيلة التي لا تنقي. فإذا ليس المقصود الأربع فقط، بل ما كان بمعناها، وما كان كذلك أولى منها من باب أولى. ومن هذا نعلم أن المقصود بهذه العيوب كل عيب لا يتحقق معه المقصود من هذه الأضحية. وأما العيوب اليسيرة التي لا تضر غالبا، ولا تعد عند أهل العرف عيبا، فلا يضر. ولهذا قال: «البين عورها»، فإذا كان عور ليس بين، يعني لا يعرف أنها عوراء إلا إذا دققت النظر. وأما بغير تدقيق لا تنتبه أنها عوراء، فهذا لا يضر. لا تنتبه أنها عرجاء إلا إذا دققت النظر، وبغير تدقيق النظر لا تعرف أنها عرجاء، فهو ليس بين، فهذا كله لا يضر. وذكر رحمه الله في المتن: عضب القرن والأذن، يعني مقطوعه، لأنه عيب بين. بينما لو كان في الأذن شق أو كذلك في القرن كسر، لكنه ليس كاملا شيء يسير، فلا يضر. لأن هذا يدخل في معنى البين، فهو ليس بين. وهكذا قل في سائر العيوب الأخرى. وأشار في الشرح إلى بعض الأحاديث، وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، كحديث: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصفرة المستأصلة إلى آخره»، فهذا وإن كان كما قلنا ضعيفا، لكن معناه صحيح. فما كان عيبا بينا فلا تجزئ. وما كان عيبا ليس بينا فهو يعفى عنه. فهذه القاعدة في هذا الباب. ثم ذكر رحمه الله تعالى من المسائل: نعم، ويتصدق منها ويأكل ويدخر. وقبل ذلك أشار في الشرح إلى مسألة من العيوب، وهي مسلوبة الإلية، وذكر حديثا ضعيفا. والحديث الضعيف الذي ذكر لا يقال أن معناه صحيح، لأن مسلوبة الإلية يعد عيبا. إلا ما كان سلبه يزيد في نفعها، فجر العرف بسلبه، فيكون هذا مدحا. يعني مثلا لو قيل: عندي تيس مخصي، هل أضحي به أم أبحث عن واحد غير مخصي؟ يقال: المخصي عند عرف أكثر الناس أنه لحمه أطيب، وأنفع. ما دمت وجدته كذلك، فلا بأس. على الصحيح إن كان فيه خلاف. وهكذا كذلك إذا قيل مثله في مسلوبة الإلية، فإذن فيه التفصيل. وكما قلنا ذكر كذلك ماذا يصنع بالأضحية؟ يؤكل منها ويدخر. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها: «كلوا وتصدقوا وادخروا»، وهو في الصحيحين كما أشار إليه رحمه الله تعالى. وعموم الآيات والأدلة من السنة تدل على هذا المعنى. وأما ما اشتهر بين العامة أنها تقسم ثلاثة أقسام: صدقة وهدية ولحم يؤكل، فهذا ليس عليه دليل. ولكن بحسب المصلحة. إن اقتضت المصلحة أن يوزعها كلها إلا شيء يسير، فله ذلك. وإن اقتضت المصلحة أن يتركها كلها إلا شيء يسير، فله ذلك. بل إذا تركها كلها، فله ذلك. وإن اقتضت المصلحة أن يهدي ويتصدق، فله ذلك. والحديث يدل على هذا المعنى: «كلوا وادخروا وتصدقوا». فكونه يتصدق أفضل. فإن كان صدقته لأهل بيته أفضل، بكونهم لا يأكلون اللحم ولا يجدونه، وهم أحوج وأفقر، فيقدم أهل بيته. فصدقته لأهل بيته أنفع. وأما إن كان مستطيعا، وغيره أحوج، فيعطي. وكذلك يطبق السنة. وذكر كذلك أن الأفضل أن يذبح في المصلى. وأشار إلى حديث ابن عمر في البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذبح وينحر بالمصلى». قال العلماء: وفي هذا مصلحة طبعا، بأن يضبط بضوابط، لا يكون فيه مفسدة، يعني ليس أن يجعل المصلى مثل المجزرة لا. ولكن أن يهيأ مكان خاص بقرب المصلى، يكون فيه تأدية هذه السنة. والمصلحة من هذا أولا: أن يكون أيسر على المصلين. وثانيا: أن تظهر هذه الشعيرة. وثالثا: أن يكون كذلك أهيج وأدعى للصدقة، لأن بعضهم يشجع بعضا على الصدقة في مثل هذا المكان. والغالب أن الفقراء يحضرون إلى صلاة العيد، فعند ذلك يكون هذا سببا لإعطائهم، وتهييجا للمسلمين أن ينظروا إلى حال هؤلاء الفقراء والمساكين. والله عز وجل يقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وكذلك ذكر من الأحكام: أن من له أضحية، فعليه أن يمسك عن شعره وظفريه إلى آخر ما ذكره، بعد دخول عشر ذي الحجة. وأشار في الشرح إلى حديث أم سلمة الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره حتى يضحي». وفيه الأمر بالإمساك عن الشعر والأظفار. وفي لفظ: «من كان له ذبح يذبحه، فإذا هل هلال ذي الحجة، فلا يأخذ من شعري وظفاري حتى يضحي». وأشار إلى خلاف أهل العلم في هذه المسألة. فمن أهل العلم من ذهب إلى وجوب ذلك. ومن أهل العلم من ذهب إلى استحبابه، وأن عدم فعله وامتثال هذا الأمر مكروه كراهة التنزيه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا لا يصح، لا كراهة التنزيه ولا تحريم، والسبب ضعف هذا الحديث عندهم. فقالوا: لم يصح مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث معلل. وهذه أقوال مشهورة في المسألة. فإن فعله الإنسان فلا حرج عليه. وقد ذهب إليه جماعة من أهل العلم. ومن لم يفعله قناعة بأن الحديث لا يدل على الوجوب، كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، أو أنه لم يصح أصلا، فالأمر في هذا واسع. ولا ينبغي أن يقع تشنيع في مثل هذه المسألة. وقد اختلف أهل العلم في صحة الحديث، فضلا عن فهمه. فينبغي أن تتسع صدورنا، وأن كذلك يعلم الناس أن مثل هذا الأمر فيه واسع، حتى لا يشق الناس بعضهم على بعض. وقد سبق الكلام على هذه المسألة في دروس سابقة بشيء أبسط من هذا الوجه. ومما يناسب ذكره ها هنا مما يتبع في هذه المسائل: أنه إذا كان أهل بيت مجتمعون في بيت واحد، ولا يستطيع الجميع أن يضحي، هل يجزئهم أن يضحوا أضحية واحدة؟ الجواب: نعم، إذا كان طعامهم واحد. والدليل على ذلك ما جاء في حديث أبي أيوب حين سئل: كيف كانت الأضحية بزمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو كيف كان يضحون؟ فقال: «الرجُل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون». فاستدل العلماء بهذا الحديث وما كان بمعناه: أن من كان طعامهم واحد، وما أكلهم وما شربهم مع بعض، فيجزئهم أن يضحوا مع بعض. ومما يناسب ذكره كذلك هاهنا: أن البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة. فقد جاء معناه في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه. هذه أهم المسائل التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وناسب التنبيه عليها. وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.