كتاب الحدود  5

كتاب الحدود 5

الدرس في كتاب الحدود 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على شبهات حول حد السرقة

يتناول الرد على شبهة التناقض بين حد السرقة ودية اليد المقطوعة، حيث تقطع اليد في ربع دينار بينما ديتها نصف الدية. الحكمة من ذلك هي حفظ الأموال والأعضاء.

حد القذف وأحكامه الشرعية

حد القذف هو ثمانين جلدة لمن رمى مسلمًا بالزنا دون إثبات، ويشترط في القاذف أن يكون مكلفًا وليس والدًا للمقذوف. عقوبة القذف تسقط عدالة القاذف وترد شهادته.

شروط تطبيق حد القذف وسقوطه

يشترط لحد القذف أن يكون القاذف والمقذوف مسلمين عاقلين أحرارًا بالغين، وأن يكون القذف بصريح العبارة. يسقط الحد إذا جاء القاذف بأربعة شهود أو أقر المقذوف بالزنا.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في دروسنا الماضية ما ذكر من مسائل أشار إليها المؤلف رحمه الله في حد المملوك، وكذلك حد السرقة، وما لحق به من مسائل. ومما ينبه عليه مما سبق كذلك ما قد يثيره بعض الناس مما يأتي من قبل أعداء هذا الدين من شبه، يريدون بذلك الاعتراض على شريعة الله، وتثبيط أهل الإسلام من إقامة حدود الله. فيقولون -وهي مقولة قديمة- كيف تجعلون في دين الإسلام في حد السرقة أن اليد تقطع في ربع دينار، بينما تجعلون دية اليد المقطوعة نصف الدية؟ فهذا تناقض وتعارض، إما أن تجعلوا الجميع ربع دينار، وإما أن تجعلوا الجميع نصف الدية. فيقال: قد أثار هذا قديمًا بعض من كان عنده شيء من الشك بسبب جهله بالدين، وكثرة إعراضه لأعداء هذا الدين. ومن ذلك ما نقله العلماء في تلك الأبيات المشهورة عن أبي العلا المعري، الذي قد رمي بالزندقة، أنه قال: يد بخمسمائة عُزّ جد يد بخمسمائة عُزّ جد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستجير بمولانا من النار ونستجير بمولانا من النار ومعنى أن اليد بخمسمئة دينار تفدى -يعني عند قطعها في باب الديات- كما سيأتي معنا إن شاء الله. فكيف تقطع في السرقة في ربع دينار؟ فزعم وظن أن هذا تناقض، ثم يقول: ما لنا إلا السكوت له، يضع الشبهة، ثم يقول: ما لنا إلا السكوت له؛ لأجل أن لا يتهم بزندقة، ولا يكفر أو يلاحق من قبل الأمراء أو العلماء. وقال خاتمًا: ونستجير بمولانا من النار. فأجابه بعض علماء المسلمين، وهو المشهور عن القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله، أنه قال: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري معناه: أن من حكمة الله عز وجل حفظًا ألا يكثر الاعتداء على الأموال بالسرقة؛ جعل اليد تقطع في ربع دينار؛ لماذا؟ لأجل أن تحفظ الأموال؛ لأنه لو كانت اليد لا تقطع إلا في خمسمائة دينار، معناه أن السرقة ستكثر وستنتشر؛ لماذا؟ لأن حد القطع بعيد. حد القطع ماذا؟ بعيد. خمسمائة دينار أين الخمسمائة دينار؟ وقد علمنا كم مقدار الدينار الواحد هو ما يعادل أربع جرامات وربع الجرام من الذهب. فحتى تحمى أموال الناس كان القطع في ربع دينار حكمة من الله. وكذلك كانت دية خمسمائة دينار في اليد الواحدة حماية لأنفس الناس ألا يعتدي عليها أحد. لو كانت دية ربع دينار، دينار، تساهل الناس في بغي بعضهم على بعض. تساهل الناس في بغي بعضهم على بعض، يعتدي عليه فيقطع يده ويقول: قطعت يده خطأ. ففي نص نصف الدية وسعة تفاصيل في باب الديات، لكن لأجل أن تحمى الأنفس والأعضاء لا يتساهل فيها أحد؛ أغليت، أغليت في هذا الباب. وهذا لا يدل على التناقض كما ادعى ذلك أعداء الدين والجهل الذين هم أبواق لهم، فيرددون مثل هذه الشبهات. بل على العكس، هذا يدل على عظيم حكمة الله في هذه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة؛ لأن من تأملها بتدبر وإنصاف علم أنها تدل على عظيم الحكمة والإتقان في هذه الأحكام التي جاء بها هذا الدين العظيم. وأمر آخر ينبه عليه كذلك، وهو ما يتعلق بمسائل السرقة. مر معنا أن الراجح من أقوال أهل العلم أن اليد تقطع من الرسغ. وقد استدل العلماء على هذا بأدلة، ومنها كما تقدم ما جاء في الحديث: «فاقطعوه ثم احسموه ثم آتوني به». سأل بعض الناس: أين الدليل في هذا الحديث؟ الجواب: الدليل في قوله: «احسموه ثم آتوني به». فقد استدل الإمام أحمد وغيره من أهل العلم أن لفظة «احسموه» تدل على أن القطع من الكوع؛ لأن الحسم يكون لهذا الموضع الذي يكون فيه موضع العروق؛ حتى لا تنفجر تلك العروق بالدماء فينزف فيموت؛ فيكون في ذلك سد لهذه العروق. ومما ينبه عليه كذلك أنه لا يجوز على الصحيح رد هذه اليد بعد القطع بالجراحة الحديثة؛ لأن المقصود ليس هو حصول القطع فقط، ولكن المقصود بقاء يد المقطوع مقطوعة حتى يحصل الاعتبار في نفسه وفي غيره. أما قول من قال: لا بأس تقطع فيشعر بالألم ويقع الاعتبار، ثم بعد ذلك ترد بعملية جراحية؛ فيقال: هذا قول غير صحيح، وهو معارض للنصوص من جهة اللفظ والمعنى؛ فإن الحكمة من ذلك هو اعتبار هذا السارق بنفسه واعتبار الناس به. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حد القذف. قال: من رمى غيره بالزنا وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة، ويثبت ذلك بإقراره مرة أو بشهادة عدلين. وإذا لم يتب لم تقبل شهادته. فإن جاء بعد القذف بأربعة شهود سقط عنه الحد. وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا. قوله: باب حد القذف، أي: هذا مدخل لمعرفة حكم حد القذف أو أحكام حد القذف. كما تقدم الباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد هاهنا الدخول والخروج المعنوي. وعلمنا ما هو الحد فيما تقدم. وقوله: القذف، معناه في اللغة يدور حول معنى الرمي. وأما في اصطلاح أهل العلم وفي الشرع: هو رمي المسلم أو المسلمة المحصن أو المحصنة -والمراد به العفيف أو العفيفة- بفاحشة الزنا. والرجل يزاد اللواط. ودليله من الكتاب قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. وهكذا قول الله عز وجل كذلك في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآيات في هذا الباب. وهناك أحاديث كثيرة، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليها في ثنايا هذه المسائل التي ذكرها رحمه الله. وقوله رحمه الله: من رمى غيره بالزنا وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة، دليله كما تقدم من القرآن، ومن السنة ما أشار إليه من إجماع أهل العلم في هذه المسألة، وما روي في هذا الباب من أحاديث؛ منها ما جاء في قصة الإفك في حديث عائشة في الصحيحين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جلد من خاض في تلك المحنة. فقد ثبت الجلد لمن وقع في القذف بنص الكتاب والسنة. وهكذا كذلك ما ثبت في عهد عمر رضي الله عنه، وأشار إليه في الشرح؛ فإنه ثبت أنه جلدهم حين تخلفت شهادة من شهدوا بالزنا؛ شهد أربعة، والقصة طويلة. وأثبت ثلاثة ما يثبت به الزنا بوصفه الدقيق، وتلك الآ... الرابع، تلك الآ... الرابع، فجلدهم عمر رضي الله عنه أرضاه. وهذا لا يعني أن ثبوت الخلوة والمباشرة ولو لم يثبت عين وقعت الزنا على الوصف الدقيق المشترط شرعًا أنه تسقط العقوبة، بل العقوبة تثبت، ولكن هناك فرق بين عقوبة الحد وعقوبة ماذا؟ التعزير. عقوبة التعزير؛ فمن وقع بامرأة في غير الزنا يعزر تعزيرًا يليق بحاله ومثله، وهذا يرجع إلى الإمام. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في التعزير. وقوله: من رمى غيره بالزنا، ذكر العلماء شروطًا للقاذف وشروطًا للمقذوف. فمن شروط القاذف أن يكون مكلفًا، أي: عاقلًا بالغًا؛ فلو وقع القذف ممن لا يقع من مثله كالمجنون أو الصبي، فلا يقع له الحد. ولا يعني ذلك بالنسبة للصبي أنه لا يؤدب، ولكن يؤدب بما يليق بمثله. والشرط الثاني: أن لا يكون القاذف والدًا للمقذوف؛ لعموم ما ورد في عدم مجازات الوالد بولده. والشرط الثالث: أن يكون القذف من القاذف بصريح العبارة لا بخفيها؛ فلو أتى بعبارة غير صريحة في الشرع والعرف واللغة لم يكن من القذف الذي يوجب حد القذف ثمانين جلدة، ولكن ينتقل إلى التعزير. ينتقل إلى التعزير؛ فالسب وما كان بمعناه مما يوجب التعزير. فمن قال لإنسان: يا زاني أو يا زانية، هذا صريح. أو قال ما هو بمعناه من العبارات الصريحة كأن يتهمه بفاعل أو مفعول أو نحو ذلك، فهنا يكون من الصريح؛ يعني إذا ذكر الفعل بصراحة. وأما إذا ذكر ذلك بغير العبارة الصريحة، مثل أن يقول: يا فاعل، بهذا اللفظ ولم يصرح ب لفظ الزنا وما كان بمعناه، فهنا يعزر ولا يحد. يعزر ولا يحد. ومثله ما كان من سب أو شتم أو غيره؛ فإنه يعزر ولا يحد. بل نص العلماء أنه حتى السب إذا كان ممن هو مظنة هذا السب، فإنه لا يعزر؛ كمن قال لمن هو مظنة السرقة وهو من أهل التهمة: يا سارق، فهذا ليس فيه تعزير؛ لوجود هذه التهمة. أو كان كذلك من باب المشاتمة، فهو ليس كذلك مما يوجب التعزير؛ بل ينكل به التعزير. واستدل العلماء بنصوص عامة وخاصة من الكتاب والسنة: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وغير ذلك من الآيات. ومع هذا فالأولى تركه. وأما شروط المقذوف: ذكر العلماء أن يكون عاقلًا؛ لأن المجنون ليس مظنة هذا الفعل؛ فلا يقع في حقه. ومن شروطه: أن يكون مسلمًا؛ لأنه مظنة الإحصان. ومن شروطه: الحرية. واختلف العلماء في ذلك؛ خالف بعض أهل العلم، وأكثر أهل العلم جمهورهم على هذا الشرط. ومن شروطه: الإحصان؛ يعني العفة من الزنا. ومن شروطه: أن يكون مثله ممن يقع منه هذا الفعل؛ يعني كبيرًا. وجعل العلماء للذكر عشر سنوات، وللأنثى تسع سنوات. فإذا وقع في من هو دون ذلك لم يكن قذفًا؛ بل يعزر فيمن رمى من كان أصغر من ذلك. فإذا اجتمعت شروط القاذف والمقذوف -وهي كما نرى سبعة أو ستة على الخلاف في الحرية- عند ذلك يتحقق حد القذف. والقذف كبيرة من الكبائر؛ جعل الله عز وجل فيه عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة. فمن عقوبة الآخرة ما سمعنا في الآيات السابقات. ومن عقوبة الدنيا ما ذكر المؤلف رحمه الله أنه يحد ثمانين جلدة بنص الكتاب، وما صح في السنة، وما جاء عن الصحابة، وأجمعت عليه علماء الأمة. والحكم الثاني من عقوبة الدنيا: أن عدالة القاذف تسقط؛ فترد شهادته؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ومن عقوبة الدنيا: أنه يوصف بالفسق؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ إلا أن هذا الثالث يزول إذا تاب؛ لقوله بعده سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله رحمه الله: وجب عليه حد القذف ثمانين جلدة؛ مما ينبه أن الحدود حق من حقوق الله؛ فلا تسقط حتى لو عفى المقذوف؛ حتى لو عفى المقذوف؛ لأنه حق من حقوق الله؛ بخلاف ما كان من أمور الجنايات على النفس أو المال؛ فهذا فيه العفو؛ لأنه من حقوق الآدميين. وبعض أهل العلم يقول: القذف هو مما يدخل في معنى حق النفس، لكن على قول أكثر أهل العلم: أنه حد؛ فيكون كما تقدم. وقوله رحمه الله: ويثبت ذلك بإقراره مرة؛ لعموم ما تقدم من أدلة في قبول الإقرار؛ فإذا ثبت في القتل، وكذلك في السرقة، وفي الرجم، ففي القذف من باب أولى. وقوله: وبشهادة عدلين؛ كذلك كما تقدم بعمومات الأدلة، وهو الأصل في كل شهادة. وكما تقدم: لابد من رجلين عدلين. وقوله: وإذا لم يتب لم تقبل شهادته؛ هذا كما تقدم في عقوبة الدنيا للواقع في هذه الكبيرة. وقوله: فإن جاء بعد القذف بأربعة الشهود سقط عنه الحد؛ لما ثبت في نص الكتاب: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، ولما ثبت في الأثر الذي سبقت الإشارة إليه في قصة عمر رضي الله عنه. وكذلك ما جاء معناه في قصة الصحابة الذين جلدوا في قصة الإفك. وقوله: وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا؛ يعني إذا وقع الإقرار من المقذوف بعد رمي القاذف؛ فيسقط الحد عن القاذف؛ لما تقدم في مسألة الإقرار. وبهذا نكتفي، والله تعالى أعلم.