كتاب الزكاة 7

كتاب الزكاة 7

الدرس في كتاب الزكاة 7، الدرس السابع : من : ( الحديث الحادي والسبعون بعد المائة ... يرى استحباب تقديمها بيوم أو يومين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غزوة حنين وتوزيع الغنائم

يشرح المقطع غزوة حنين وتوزيع النبي صلى الله عليه وسلم للغنائم، حيث أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا. ثم خطب في الأنصار موضحا فضلهم ومكانتهم العالية في الإسلام.

فضل الأنصار وتأليف قلوب المؤلفة

يذكر المقطع فضل الأنصار وتأليف قلوب المؤلفة قلوبهم، حيث أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم عطايا لتأليفهم على الإسلام. وأثنى على الأنصار لما لهم من فضل في الإسلام.

أحكام زكاة الفطر

يناقش المقطع حكم زكاة الفطر ومقدارها ومصارفها، ويستدل على وجوبها من حديث عبد الله بن عمر. ويبين اختلاف العلماء في مقدارها ومصارفها وتوقيت إخراجها.

توقيت إخراج زكاة الفطر

يتناول المقطع توقيت إخراج زكاة الفطر، حيث يرى الفقهاء أن الأفضل إخراجها فجر يوم العيد قبل الصلاة. ويستحب تقديمها بيوم أو يومين إذا كان ذلك يسهل إيصالها إلى الفقراء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، حديث الحالي والسبعون بعد المئة، قال عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه: قال «لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين قسم في الناس وفي المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ظلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا. كره الراوي أن يذكر الكلام الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعظيما للنبي عليه الصلاة والسلام. وقد جاء خارج الصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: لو شئتم لقلتم: جئتنا فقيرا فأغنيناك، وعائلا وغريبا فآويناك، أو نصرناك، ولو قلتم لصدقتم وصدقتم. يعني على هذه المقولة، يعني لكم الحق أن تقولوا: أنكم آويتموني في هجرة إليكم. قال: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ يعني أن الناس يذهبون بالدنيا، وأنتم ترجعون بالدين. قال: لولا الهجرة لكنتم رأى من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار. إنكم ستلقون بعد أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وهذا الحديث أقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث رقم 4330، ومسلم رواه نحوه في حديث 1061. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة عن عمر بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم به، غير أنه قال: «فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس» لم يقل «في أنفسهم». قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب حنين، واد في طريق مكة في طريق مكة الطائف المتجه مع السيل الكبير، يعني اسم وادي بين مكة والطائف. قال: وحنين واقع بين الشرائع وقرية الزيمة، ويسمى الآن وادي يدعان. وقد وقعت فيه معركة ضارية بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين هوازن ومعهم ثقيف وهم من حول الطائف في شوال من السنة الثامنة من الهجرة. قال: وقوله «المؤلف قلوبهم» هم قوة يتألفون على الإسلام بإعطائهم من الغنائم أو الصدقات ليتمكن الإسلام من قلوبهم، أو لكونهم زعماء ذوي مفوض وأتباع يسلمون بإسلامهم، أو ليدفعوا بجاههم وقوتهم عن الإسلام. والحكمة من إعطاء المؤلفة أحد أمرين: إما اتقاء شرهم، وهذا الغالب يكون مع الوجهاء والكبراء من رؤساء القبائل، ومن كان يشبه هؤلاء. وقسم منهم يعطون من الزكاة ويتألفون لأجل أن يدخلوا في دين الإسلام أو يثبتوا في دين الإسلام، يكون مسلم مبتدئ في إسلامه يعطى من مال الزكاة ما يثبته على الإسلام، أو ليس بمسلم يعطى بمال يتألف به قلبه فيأتي، ولو كان في بداية الأمر يأتي لأجل الدنيا، لكنه إذا دخل بدين الإسلام وعلم وذاق حلاوة الإيمان، فعند ذلك يثبت على الدين. قال: وقوله «عالة» أي فقراء. وقوله «أمن» قال: أفعل تخضيل من المن، معنا أكثر منه علينا وأعظم، مثل ما تقول: أفضل، يعني من بابي أفعل التخضيل. قال: وما أظن التخضيل مقصودا، وإنما هو صفة مشبهة باسم الفاعل، يعني ليس المقصود هو التخضيل أن هناك منه لغير الله ورسوله، وأفضل منه هي لله ورسوله لا، ولكن هو من بابي الصفة المشبهة باسم الفاعل، والمعنى لزوم هذا الوصف واختصاصه بالله ورسوله، ليس معنى أن هناك منه لله وللرسول ومنه لغير الله وغير الرسول، وأن ما هو لله وللرسول أكثر وأرفع وأفضل لا، ولكن المراد هو الاختصاص. وهذا يفهم ليس من صيغة أفعل التخضيل، ولكن من صيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل، وهذا مبحث من مباحث البلاغة يكون فيه معرفة أوزان الكلمات وما تدل عليه من معاني. قال: وقوله «شعار» هو الثوب الذي يلي الجسد، يعني الملابس الداخلية، يعني الملابس الخاصة الأصل التي لا يستغني عنها الإنسان، هذا يسمى شعار. فالعمامة دثار لأنها تأتي فوق القلنسوة، والشال الذي يوضع على الثوب دثار لأنه ليس بأصل، هو فضله، ممكن أن يستغني عنه الإنسان، لكن أصل الملابس مثل الإزار وما كان بمعناه مما يلامس الجسد ولا يستغني عنه الجسد يسمى شعار. قال: وهو بكسر الشين المعجمة، يعني التي هي بثلاث نقط، يسمى معجم، والذي بدون نقط التي هي السين يسمى مهمل. قال: وقوله «دثار» هو الثوب الذي فوق الشعار، كما قلنا الثوب الفضلة، أي الزائد الذي هو من زيادة الكمال والجمال، ليس الأصل الذي لا يمكن الاستغناء عنه، فهو ليس الذي يلامس الجسد، ولكن الذي يأتي فوق ذلك، مثل الشال والبردة والمشلح وما كان بمعناه مما هو زيادة التمال، يعني كأنه قال: أنتم الأصل والناس بعدكم، كأن هذا هو المعنى. قال: وهو بكسر الدال المهملة، يعني التي بدون نقط. قال: وقوله «أثرة» بفتح الهمزة والثاء، والأثرة الاستئثار بالشيء المشترك، ومعناه أنه يكون في آخر الزمان حكام ظلمة يستأثرون بالأشياء العامة لأمورهم الخاصة، يستأثرون بالأشياء العامة لأمورهم الخاصة. ومع ذلك فإذا وقع مثل هذا، فماذا المطلوب؟ وما هو الذي ينبغي أن يفعل؟ الصبر كما قال عليه الصلاة والسلام: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وفي هذا إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا لم يفعل ذلك أثرة، يعني لا تظنوا أني فعلت هذا أثرة، هذا هو وجه المناسبة في قوله: «إنكم ستلقون بعد أثرة»، يعني ما فعلته لحكمة ومقصد شرعي، ولم أفعله من بابي الاستئثار دونكم بشيء لأناس أحبهم أو أقصهم، ولكنه لحكمة. ولكن الأثر والظلم سيكون في آخر الزمان، ولهذا أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث في كتاب الإمارة في صحيحه، لماذا؟ لينبه على هذا المعنى أنه إذا وقع الظلم في آخر الزمان من الأمراء، فالواجب هو الصبر. قال: ومعناه أنه سيأتي من يستأثر بالدنيا عنكم مع حقكم فيها، فاصبروا. والشعب اسم لمن فرج بين جبلين، ومعنى ذلك التمه، وظاهر في الحديث: «لو سلك الناس واديا وشعبا»، يعني لو كان للناس طرق لفضلت الطريق الذي يسير فيه الأنصار، لشدة حبه للأنصار عليه الصلاة والسلام. والشعب معروف يطلق للمكان الذي يكون بين الجبلين، يجري فيه الماء أو يكون كذلك مأوى لبعض الرعاة ونحو ذلك. قال: المعنى الإجمالي: التقى المسلمون بالمشركين في حنين، فكانت الهزيمة على المشركين، فغنم المسلمون أموالهم. وكان قد صاحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه الغزاة قوم من سادات العرب الذين أسلموا، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، فأعطاهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الغنيمة عطية جزلة، يعني كثيرة، ليتألفهم على الإسلام، فينكف بسبب ذلك شر كبير عن المسلمين، وليرغبوا في الإسلام فيدخل معهم عشائرهم. قال: ولم يعط الأنصار شيئا منها، أي من هذه الغنائم، اتكالا على ما زين الله به قلوبهم من الإيمان الذي لا يزيده عطاء الدنيا ولا ينقصه الحرمان منها، ولكن محبة ما أبيح لهم منها وما حصلوه بسيوفهم منها. ولم يفطنوا للحكم الرشيد المقصودة، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم ما في نفوسهم جمعهم فخطبهم، وقال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ظلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي». وكل ما قال شيئا قالوا: «الله ورسوله أمن»، أي المنة لله ولرسوله فقط. قال: فلما ذكرهم نعمته التي جاءتهم على يده من الهداية التي أعظم مطلوب، والإلف بعد حروبهم الطاحنة ومشاجراتهم المهلكة، ونعمة الغنى بعد الفقر، وذلك بالغنائم وعمار أسواق المدينة، وذلك بالتجارة والزراعة لأنها صارت عاصمة الإسلام، وذلك بعد الفقر الذي كانوا فيه أيام الجاهلية. قال: ومن كرم خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحبه للعدل، ذكرهم بما لهم من أيادي بيضاء على الإسلام والمسلمين، إذ آووا المهاجرين ونصروهم بعد أن عاداهم وتجهم لهم أقرب الناس إليهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فوجدوا عندهم المأوى والنصرة وكرم الضيافة، حتى أنسوهم بمواساتهم بلادهم وأهليهم. ثم أراد صلى الله عليه وسلم أن يسليهم عن حطام الدنيا بما فيه خير الدنيا والآخرة، فقال: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟». وفي هذا خصلتان: الخصلة الأولى أن النظر ينبغي أن يكون إلى الدين، والخصلة الثانية أن أسوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو رجع كذلك كالأنصار، ليس معه من هذه الغنائم، بل وزع هذه الغنائم لقوم يتألف قلوبهم على الإسلام. قال: فما كان منهم رضي الله عنهم إلا أن رضوا، وأعينهم مغروقة بدموع الفرح بهذا الفضل الكبير والبشارة العظمى، وبدموع الندم والعتب على أنفسهم، كما جاء في الرواية خارج الصحيح: «حتى أخضل القوم لحاهم من البكاء». قال: وثلجت أرواحهم الصافية بروح نبيهم الطاهرة. ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطمئن قلوبهم ويشرح صدورهم، ويعلن على الناس فضائلهم ومناقبهم الكريمة، لما لهم من فضل السبق بالإيمان والإيواء والنصرة لرسول الله ودين الله، فقال: «لولا الهجرة لكنتم رأى من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، أي بالنسبة للرسول والدين، والناس من ورائهم دثار، أي فهم أولى به، يعني أولى الناس بالرسول عليه الصلاة والسلام والدين هم الأنصار، يعني بعد المهاجرين، وليس في هذا الحديث فضل الأنصار على المهاجرين، ولكن فيه فضل الأنصار على سائر الناس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من المهاجرين هم الذين آواهم الأنصار. قال: وبهذه الموعظة البليغة والشرف العظيم الذي نوه في حق الأنصار، علموا وعلم غيرهم من الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمهم من الغنائم ويعطها من هو دونهم إيمانا وسابقة وفضلا، إلا اتكالا على ما وقر في قلوبهم من الإيمان الراسخ، وإيثار الآخرة على الدنيا، فعلم بهذا أن العطاء ليس لأجل علو المنزلة ورفعة القدر، ولكن العطاء كان على العكس، كان للتأليف وللبعد. قال: ثم ذكر علامة من علامات النبوة، وهي أنه سيستأثر بالدنيا عليهم غيرهم، فلا يهيجهم ذلك ويثير حفائظ نفوسهم، فإن متاع الدنيا قليل، وليصبروا حتى يلاقوه على الحوض، فإن الصبر الجميل من أسباب وروده مع النبي صلى الله عليه وسلم. قد تحققت هذه المعجزة النبوية بعد انتهاء عهد الراشدين، والمعنى أنه وقع شيء كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أنه كان أمراء استأثروا بشيء، فكان شيء من الظلم. قال: ما يأخذ من الحديث أولا: إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة بحسب رأي الإمام واجتهاده، يعني من فوائد الحديث أن الإمام ولي الأمر يعطي من الزكاة ما يرى فيه المصلحة، ومن ذلك أن يعطي المؤلفة، وهذا هو الذي لأجله أورد المؤلف رحمه الله الحديث في الباب، أي أن تقسيم الزكاة على أصناف أهل الاستحقاق التمامية يرجع إلى الإمام، فالإمام ينظر من الأصلح أن يعطى فيعطي من يصلح أن يعطى. ثانيا: جواز حرمان من وثق بدينه تبعا للمصلحة العامة، أي أن أهل الدين ينبغي عليهم أن يصبروا، لأن عندهم من الدين ما يعينهم على الصبر على أمر بأساء الدنيا. وكان هذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثالثا: أن الرغبة في الأشياء الدنيوية، وهو كما هو في الشرع، فهو كذلك حتى في العقل والعرف. أنت لو جاءك ضيف في بيتك، ربما تؤثر هذا الضيف بطيب الطعام الذي تملكه، وتترك أهل البيت باليسير أو بلا شيء، إكراما منك للضيف وإيثارا منك له، ولكن لا يعني ذلك أن الضيف أفضل في منزلتك وأرفع من أهل بيتك، بلا شك، لكن معناه أنك كنت تعلم أن عند أهل البيت من الصلة بك ما يمون به عليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية والصبر تجاه هذا الموقف الذي وقع لك. قال: رابعا: مشروعية الموعظة والخطبة في المناسبات، وتبيين الحق. لكن جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كلمهم أمام الناس، بل جمعهم في حضيرة، يعني جمعهم في مكان خاص، أمر منادي أن ينادي الأنصار فيجمعهم في حضيرة، كما جاء في بعض الروايات: أنه لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام أن الأنصار قالوا مقالة، جمعهم في مكان خاص وتكلم به. وبه نعرف أنه لكل مقام مقال، وأن الإنسان ينبغي عليه أن يراعي مثل هذه الأمور، لا بد من النصيحة، لكن كذلك بما لا يؤدي مفسدة، لا يشوش على الناس فيتكلم أمام الملأ، وإذا أمكن تأخر الكلام أخره. قال: خامسا: أن القائد والأمير وأصحاب الولايات لا يتصرفون في الشؤون العامة من غير أن يبينوا للرعية مقصدهم فيها، ولكن ليس شرطه أن يبين لكل الرعية، وإنما يبين لأهل الحل والعقد، أما كل الرعية فلا، لا يحتاج أن يبين لكل الرعية، ولكن ينبغي أن يكون هناك حسن ظن بين الراعي والرعية، لا بد أن يكون هناك حسن الظن، ومن حسن الظن الإعدار في مواقف التهم، وهو كذلك ينبغي عليه أن يجتنب مواقف التهم. قال: سادسا: كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة وبركة على الأمة، لا سيما الأنصار. سابعا: ما للأنصار رضي الله عنهم من فضل الإيمان والنصر لله ورسوله، أوجبت استئثارهم بالنبي عليه السلام، كما أوجبت محبته لهم وتقديمهم على غيرهم، إلا المهاجرين، فهم أسبق، فما ذكر المهاجرون إلا وقدموا على الأنصار. قال: ثامنا: علامة من علامات النبوة، فإن ما ذكره مما سيقع على الأنصار وقع من بعض الملوك الذين لم يعرفوا لهم حرمة وسابقة، يريد ما كان بعد الخلفاء، يعني ما بعد الصحابة، مما كان من أبناء الصحابة، يعني في عهد بني أمية وبني العباس. قال: تاسعا: أن الصبر الجميل على المصائب من أسباب ورود الحوض مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك كما سبق: وجوب الصبر عند الشدة، والصبر على جور الحكام، وهكذا كذلك الطريق الصحيح في معالجة ما يكون بين الراعي والرعية، أنه لا يكون بالتوراة ولا انقلاب ولا خروج ولا غير ذلك. قال: فائدة: لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث لكتاب الزكاة، ولعل ذلك متابعة لمسلم حيث أخرجه بباب الزكاة من صحيحه، أو لعله أراد أن يبين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في آخر أيام رسالته وبعدما عز الله الإسلام قواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، فيقاس على الغنيمة أن يعطوا من الزكاة، خلافا لمن يرى من العلماء سقوط نصيبهم من الزكاة بعد أن عز الله الإسلام. باب صدقة الفطر، أي هذا مدخل لمعرفة حكم صدقة الفطر. قال: نسبت إلى الفطر من باب نسبة المسبب لسببه. وقد أجمع العلماء على وجوبها، وشرعها الله تعالى بحكم عظيم وصوائد كثيرة، حتى قال بعضهم: ذكرت صدقة الفطر في القرآن. قال: سعيد بن المسيب بن عبد العزيز في تفسير قول الله عز وجل: «قد أفلح من تزكى»، قال: أي زكاة الفطر. قال: منها، يعني من فوائدها: أنها طهرة للصائم، يعني عما يكون منه من خلل في صيامه. قال: وشكر لله تعالى على أن أمضى عليه بتكميل صيام شهر رمضان، فهو طهرة وشكر. قال: وشكرا له أيضا على أن متعه بدوران الحول عليه، ونعمه تتوالى عليه، التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان. قال: ومنها: أنها مواساة بين الفقراء والأغنياء، إذا أعطوهم شيئا من أموالهم، اغتنوا في ذلك اليوم عن الاشتغال بطلب قوتهم، وترفعوا عن مذلة السؤال في يوم يحب كل الناس فيه التظاهر بالغنى، ويشاركونهم في الأفراح المباحة. وفيه دليل على أنه لا ينبغي أن نفتح باب السؤال في ذلك اليوم، بل يغنوا من مال زكاة الفطر بما يغنيهم عن السؤال، فإذا يوصل المال إلى بيوتهم. الحديث الثاني والسبعون بعد المئة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعا من تمر أو صاعا من شعير». قال: «فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير». قال: «وفي لفظ: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». وأقرب الألفاظ إلى ما ذكره المؤلف الحافظ عبد الغني المقدسي في مثله عمدة الأحكام، هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1511. قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر الحديث، غير أنه لم يذكر في آخره «على الصغير والكبير». وأما قوله في لفظ: «أن تؤدى قبل خروج الناس»، فهو لفظ الإمام مسلم في حديث 986، وهكذا البخاري نحوه في حديث 1503، وفيه زيادة. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب الأقب مثلث الهمزة، يعني يجوز الأقب بفتح الهمزة والإقب بكسر الهمزة والأقب بضم الهمزة، أو أقب وإقب وأقب. قال: وهو يعمل من اللبن المخيض، يطبخ حتى يتبخر ماءه، ثم يجفف، وأحسنه ما كان من لبن الغنم، وهو معروف يؤكل، كان طعاما لمن سبق من العرب، يعتبر طعام يؤكل كما يؤكل الخبز، يجفف هذا اللبن، وبعضهم يجعله قبضات مثل قبضة هذه، يقبضه ويجففه. قال: السمراء يريد بها الحنطة. قال: المعنى الإجمالي: أوجب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صدقة الفطر على جميع المسلمين، الذي تفضل الصدقة عن قوتهم في ذلك اليوم، يعني من كان يملك قوتا أكثر من قوت يومه، وجبت عليه صدقة الفطر. قال: كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم، حرهم وعبدهم، يخرجها ولي هؤلاء من ينفق على هؤلاء، يخرجها على الكبير وعلى الصغير، وعلى الذكر وعلى الأنثى، حتى العبد، فكان عندهم عبد عبيد في ذاك الزمان، يخرجها حتى على العبد. قال: أن يخرجوا صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو أي صاع من غالب قوت البلد، من غالب قوت البلد. قال: فلما وردت على المدينة الحنطة السمراء بزمن معاوية، وهو نوع من الحبوب، وقدم المدينة حاجا، قال: «أرى أن مدا من الحنطة يعادل مدين من غيرها»، يعني لجودتها ونفعها، وكذلك لغلائها، فإن أغلاها. قال: فأما أبو سعيد الخزري رضي الله عنه، فهو يقول: «كنا نعطيها بزمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام، والطعام عنده هو الحنطة، وكذلك صاعا من أقط، وصاعا من زبيب، فلا أزال أخرج الصاع من الحنطة وغيرها كما كنت أخرجه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم»، إثارا للإتباع، يعني لا نخرج عن هذا التحديد النبوي. قال: وليحصل بالصدقة الإغناء المطلوب، لأن الإغناء بالصاع لا بنصف الصاع. قال: أمر أن تؤدى إلى الفقير قبل خروج الناس إلى الصلاة، كذلك الحكمة أن تغنيهم إذا تخرج قبل الصلاة. قال: ما يأخذ من الحديث أولا: وجوب زكاة الفطر، وهو إجماع المسلمين، لقوله: «فرض». والفرض يكون بالواجب، فيجب على كل مسلم عنده قوت يومه وزيادة أن يخرج من هذه الزيادة صدقة الفطر. قال: ثانيا: أن تخرج عن كل مسلم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد. ومعنى أن الجميع يجب أن يخرج، والولي هو الذي يخرج. قال: ثالثا: أنها لا تجب عن الجنين الذي في البطن، لا يجب، بل على القول الصحيح لا يستحب، لأنه لو كان مستحب لأرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن من أخرجه لا ننكر عليه، هو زيادة صدقة، أما أن نقول للناس هذا حكم شرعي فلا، ليس بحكم شرعي الإخراج عن الجنين، بخلاف المولود الذي قد خرج. قال: رابعا: ظاهر الحديث تحديد الإخراج من الأشياء المذكورة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يجزئ غير هذه الأشياء مع وجود شيء منها. واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية جواز إخراجها من قوت بلده، ولو قد يرى على الأصناف المذكورة. ورواية عن الإمام أحمد، وقول أكثر العلماء، يعني يجوز من غير هذه الأصناف، ولو كان يستطيع يخرج هذه الأصناف. وهذا هو الصواب: أن الذي يخرج الزكاة يراعي ما يحتاجه الناس. قال: خامسا: ظاهر حديث أبي سعيد أن الواجب صاع، سواء أكان من الحنطة أم من غيرها، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزي من الحنطة نصف صاع. وابن القيم يميل في الهدي إلى تقوية أدلته، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: سادسا: والأفضل إخراجها فجر يوم العيد قبل الصلاة، هذا هو الأفضل. قال: وهو قول فقهاء المذاهب الأربعة. فإن أخرجها بعد الصلاة، فعند الحنابلة يكره يوم العيد، ويحرم بعده عند الحنابلة. وعند غيرهم من جماهير الفقهاء، وعند ابن حزم تحريم تأخيره عن الصلاة، لما روى البخاري: «وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، كما مر معنا في الرواية. قال: هل يجوز تقديمها قبل ليلة العيد؟ ذهب أبو حنيفة إلى جواز تقديمها حول أو حولين، قياسا على زكاة المال. وذهب الشافعي إلى جواز تقديمها من أول رمضان. وذهب مالك إلى أنه لا يجوز تعجيلها مطلقا كالصلاة قبل وقتها. وذهب الحنابلة إلى جواز تعجيلها قبل العيد بيومين، لما روى البخاري: «كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين»، يعني الصحابة. قال: ولأنه لا يحصل الإغناء في ذلك اليوم إلا إذا قدمت الفقير بنحو يوم أو يومين، ليعدها ليوم العيد. ولأنه إذا أخرها إلى قبيل الصلاة، يخشى أن لا يجد صاحبها الذي يستحقها، فيفوت وقتها المطلوب. ولهذه الاعتبارات الصحيحة، فإن شيخنا الحلام عبد الرحمن بن ناصر آل سعد رحمه الله تعالى، يرى استحباب تقديمها بيوم أو يومين. قال: والصواب في هذا التفصيل: إن كان يستطيع أن يصلها إلى الفقراء في نفس يوم العيد قبل الصلاة، فهذا هو السنة، وهو الأفضل. وإن كان يغلب على الظن أنه لم يجده، أو كان سيرسلها إلى هؤلاء بواسطة بعض السعاة من أهل الخير، فإذا يقدمها قبله بيوم أو يومين، لأنه فعل ذلك في عهد عمر، فكان عمر يجمع صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، لماذا؟ لأجل إذا جمعها يستطيع أن يوزعها للناس في وقتها، فكذلك يقال. وبهذا نكون قد انتهينا من خلاصة ما يذكر في أحكام الزكاة وزكاة الفطر، وبه نكتفي والحمد لله رب العالمين.