كتاب الصيام  23

كتاب الصيام 23

الدرس في كتاب الصيام 23، الدرس الثالث والعشرين :من: ( 4- باب الاعتكاف ... أو إلى تكرار الخروج إليها كثيراً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الاعتكاف ومشروعيته

الاعتكاف هو لزوم المسجد للعبادة، وهو مشروع بالإجماع ومستحب، وليس بواجب، ويُعد وسيلة لإقبال العبد على الله عز وجل. يُستحب في العشر الأواخر من رمضان لاحتمال وجود ليلة القدر.

أحكام الاعتكاف وآدابه

الاعتكاف يجوز في أي مسجد، ويستحب فيه الابتعاد عن الناس والانشغال بالطاعة والعبادة، مع عدم الخروج إلا لحاجة واجتناب الجماع ودواعيه. كما يُشترط فيه الصيام أو عدمه حسب الحالة.

استكمال الاعتكاف والتعليق عليه

يُشير إلى وجود خلل في اعتكاف شخص ما ويتم الإشارة إلى استكمال ما تبقى منه فيما بعد مع شكر الله وتفاؤل بالاستكمال. يُظهر أهمية الاستمرار في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال: باب الاعتكاف، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الاعتكاف. قال رحمه الله تعالى: الاعتكاف باللغة، قال الشارح رحمه الله: قال الاعتكاف باللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه. ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ﴾، أي يلازمونها ويقيمون عليها. والمعنى أنه يريد أن يثبت أن معنى الاعتكاف في اللغة اللزوم. قال: وفي الشرع المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة لطاعة الله. وأحسن من هذا التعريف أن يقال: التعبد لله تعالى أياما معدودة للطاعة والتفرغ للقربة. لأن الأفضل في الحدود أن تكون جامعة مانعة. التعبد لله أياما معدودة للطاعة والتفرغ للقربة. فقولهم: من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، هذا إبهام. والأولى بالتعاريف التبيين للإبهام. كذلك ليس فيه ذكر التعبد، وهي عبادة. فالأولى أن يقال: التعبد لله. قال: لا يشرع الاعتكاف مطلقا، بل هذا خلاف السنة، بل هو من البدعة. لزوم المساجد على الإطلاق، يعني طول الحياة، من البدعة. ليس من السنة، بل السنة أن يكون ذلك في أيام معدودة كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: أما حكمه فقد أجمع العلماء على مشروعيته. وأجمع أيضا على أنه مستحب، ليس بواجب. يعني حكم الاعتكاف جائز، بل هو مستحب للأدلة التي ستأتي إن شاء الله. قال: أما حكمته وفائدته، فقد قال ابن القيم في الهدي -يعني كتابه المشهور زاد المعاد بهدي خير العباد صلى الله عليه وسلم-: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله ولم شعته بإقباله بالكلية على الله تعالى، شرع الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الانشغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه. قال: بحيث يصير ذكره والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، يعني تزول الهموم والخواطر وسائر ما يشغل الناس؛ لأنهم منشغلون بعبادة ربه عز وجل وطاعته. وليس معنى ذلك أنه يهملها، ولكن معنى أنها تهون عنده للجوء إلى الله عز وجل لعلمه أن الله عز وجل يصلح ذلك له كله. قال: فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره. وليس هذا من كلام المتصوفة، ولكن معنى أن يصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره، بمعنى إن كان له طلب فهو يطلب الله. فنحن ندعو الله عز وجل ونعبده رغبا ورهبا، لا كما تقول المتصوفة حبا وتفرغا لا حبا نعم، لكن مع ذلك رغبا ورهبا. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، يدعون رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. قال: فيصير الهم كله به، فليس فقط بالذكر المطلق، ولكن بدعائه وسؤاله والتعود من عذابه وسخطه. فتسأله الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، وتسأله خير الدنيا وخير الآخرة، وتتعود كذلك من شر الدنيا وشر الآخرة. وهذا كله لا ينافي الهم. قال: وكذلك الإقبال على الله عز وجل لأجل أن لا يظن ظان أن معنى ذلك أن تذكر الله عز وجل دون سؤال جنة ولا تعوذ من نار دون سؤال خير دنيا أو تعوذ من شر دنيا كما يظن ذلك المتصوفة. وأن هذا ينافي كمال العبادة لله، بل كمال العبادة لله عز وجل بأن يسأل في كل حاجاتك، حاجاتك الدنيوية والأخروية. قال: حتى كما جاء الشسع النعل -يعني قطع النعل- إذا كان ليس لك إلا نعل واحدة تدعو الله أن يسلمك إياه -يعني يمشي معك- إذا ما كان معك مال كثير، ما عندك إلا نعل واحدة ومال قليل، تقول: اللهم بارك لي في مالي، بارك لي في ما معي من ملابس، حتى ما معي من نعال تدعو أن الله عز وجل يبارك لك فيها وأن يصلح لك شأنك معها. قال: فهذا مما يدخل في عموم قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ولا دعا. وهذا يدخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي دعائي. قال: فمذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلت عليه جلة الكتاب والسنة، وكان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أن الإقبال على الله يكون بدعائه وذكره، دعاء عبادة ودعاء مسألة. ودعاء المسألة يشمل سؤال الجنة والتعوذ من النار، يشمل خير الدنيا وخير الآخرة. قال: والتفكر بتحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق. قال: فيعد بذلك الأنسه بيوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. قال: فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. قال: ومعنى ذلك القلاصة أن الاعتكاف يعين على إقبال العبد إلى الله عز وجل بانقطاعه عن الشواغل وتوجيهه إلى الله حسا ومعنى. قال: وذكر عقيب الصيام لمناسبتين. قال: أي ذكر الكلام على الاعتكاف بعد الكلام على الصيام لفائدتين ومناسبتين. قال: الأولى أن جملة الكلام على الصيام سيتناول صيام شهر رمضان، وهو الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه لما يرجى فيه من ليلة القدر. يعني أن أحب الاعتكاف أفضله وأكمله ما كان في العشر الأواخر من رمضان. قال: إذن يناسب أن يذكر ذلك في كتاب الصيام؛ لأنه مما له تعلق بأحكام ليالي الصيام. فلهذا يذكر العلماء الاعتكاف في هذا الموضع. قال: الثانية اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف؛ لأن تمام قطع العلائق عن الدنيا يكون بالصيام. يعني أفضل الاعتكاف أن يكون صاحبه صائما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في أكثر اعتكافه. قال: وليس الصيام شرطا للاعتكاف كما قال بعض أهل العلم، بل الصواب كما سيأتي أن الاعتكاف يجوز ولو كان بغير الصيام. قال: وقد اشترك الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف الصيام. ورد عليهم الصنعاني بأنه لا دليل لهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائما. وهذه الجملة كذلك ليست على إطلاقها، بل الصحيح أنه ثبت عنه كما سيأتي أنه اعتكف من دون صيام. قال: والفعل المجرد لا يكون دالا على الشرطية. وهذه قاعدة أصولية أن الفعل لا يدل على الوجوب والشرطية. الفعل ومعنى الفعل المجرد يعني المجرد عن القرائن الذي لم تحتف به قرينة تدل على وجوب أو شرطية. قال: وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام أيام اعتكافه. كما سيأتي معنا إن شاء الله أنه ثبت اعتكافه في شوال عليه الصلاة والسلام ولم ينقل أنه صام. قال: الحديث الثالث بعد المائتين عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف بالعشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده. قال: المعنى الإجمالي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان طلبا لليلة القدر بعد أن علم أنها في تلك العشر. واستمر يعتكفهن كل سنة حتى توفاه الله تعالى. وهذا يدل كما سبق وتكرر على أن مما يعين على الاجتهاد لليلة القدر الاعتكاف. قال: ثم اعتكف أزواجه رضي الله عنهن من بعده يطلبن ما طلب. وفي الرواية الأخرى في بعض ألفاظه: أن عائشة استأذنت أن تعتكف معه فأذن لها، فضربت لنفسها قبة. عمرت بقبة، فضربت لها في المسجد. قال: ثم استأذنت حفصة فأذن لها، فضربت لها قبة. فخرج يريد الاعتكاف فوجد أربع قباب. قال: ما هذه؟ قالوا: هذه قباب أزواجك يا رسول الله. وقد زادت زينب قبة ثالثة. فقال: آل برّ يريدنا؟ إن زعنها فأمر بنزع هذه القباب وترك الاعتكاف عليه الصلاة والسلام. قال: ثم اعتكف بشوال في العشر الأخير من شوال -يعني قضاء لاعتكافه في رمضان-. فأفاد أو أفادت هذه الرواية مسائل منها: أولا مشروعية اعتكاف النساء إذا لم يكن فيه فتنة. وثانيا أنه إذا وجدت الفتنة فيمنع النساء من الاعتكاف. قال: وثالثا أنه يجوز للمرء أن يترك الاعتكاف إذا كان في تركه للاعتكاف ما هو أصلح له أو أصلح لغيره. فالنبي عليه الصلاة والسلام يحب الاعتكاف ويريده، لكن ترك الاعتكاف دفعا لمفسدة وطمعا في تحصيل مصلحة أعلى. قال: وإذا صلى الصبح دخل معتكفه، وهو ما يحتجزه من المسجد للخلوة وقطع العلائق عن الخلائق. وكما مر معنا في الرواية السابقة: أنه ضربت له قبة -يعني مثل الخيمة الصغيرة في طرف المسجد-. قال: وهذا إن كان هذا لا يشوش على المسجد. وأما إذا كان يشوش وفيه مفسدة، فيكفيه أن يتخذ مكانا في المسجد يلازمه. يتخذ مكانا يلازمه بالقراءة والصلاة والذكر ونحو ذلك. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا مشروعية الاعتكاف وأنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي يحرص عليها. وهذا ظاهر. قال: ثانيا فائدته وثمرته: أن يقطع المعتكف على أيقه عن الدنيا وما فيها ويقبل على ربه وتلذذ بمناجاته وجمع نفسه وخواطره وأفكاره عليه وعلى عبادته. قال: ثالثا أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم استقر أخيرا على العشر الأواخر من رمضان لما يرجى بهن من ليلة القدر. إذن السنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. قال: رابعا أن الاعتكاف سنة مستمرة لم تنسخ؛ إذ اعتكف أزواجه صلى الله عليه وسلم بعده. وهذا يدل أنهن فهمن مشروعية ذلك إذا لم تكن فيه فتنة. قال: خامسا أن وقت دخول المعتكف مكان اعتكافه يكون بعد صلاة الصبح كما جاء بحديث عائشة: أنه كان يدخل بعد صلاة الصبح. قال: وفيه كذلك أنه يستحب للمعتكف أن يعتزل المكان الذي ينشغل فيه الناس فيذهب إلى مكان آخر داخل المسجد لكن يتفرغ فيه للطاعة. قال: سادسا أنه لا بأس من أن يحتجز المعتكف ما يخلو به إذا لم يضيق على المصلين. لما أخرج الشيخان عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف أمر بضرب خبائه فضرب. والخباء الخيمة الصغيرة. قال: سابعا يأخذ من معنى الاعتكاف ومن مقصده: أن المعتكف يجتنب الجماع ودواعيه والخروج من معتكفه لغير حاجة. وقد دل على ذلك دليل القرآن كما سيأتي. قال: والخروج من معتكفه لغير حاجة، أي أنه لا يخرج. ويجتنب أعمال الدنيا من المعاوضات والصناع ونحوها. وأن يقل من مخالطة الناس لغير اجتماع في ذكر أو قرآن؛ لأن هذه الأشياء وأشباهها منافية للاعتكاف المقصود من الاعتكاف التفرغ للاجتهاد في الطاعة. قال: ثامنا أن شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. ودل هذا الحديث على هذا المعنى. والآية والحديث الذي قبل حديث أبي سعيد يدل كذلك على هذا المعنى. قال: بل الصحيح أن دلالة الآية مع حديث أبي سعيد مع هذه الأحاديث تدل على أن الاعتكاف يكون في أي مسجد. وإن كان الأفضل الاعتكاف في المساجد الثلاثة. قال: وعليه قال العلماء على تقديد الصحة: الحديث لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد. معناه لا اعتكاف كامل الأجر. وإلا فالاعتكاف مقصوده موجود في غير المساجد الثلاثة؛ لأن المقصود هو التفرغ للطاعة والاجتهاد في القربة. وهذا يطلب من كل مسلم في أي مكان في الدنيا. قال: فلهذا كان الصحيح أنه يشرع في أي مسجد. وضوب البخاري رحمه الله في صحيحه بابا يدل على ذلك. فقال: باب الاعتكاف في كل المساجد. ثم ذكر الآية وذكر حديث أبي سعيد. قال: ولو لم تكن فيه جمعة فيجوز له أن يخرج يوم الجمعة إلى صلاة الجمعة ويرجع إلى معتكفه؛ لماذا؟ لأن خروجه إلى الجمعة مرة في الأسبوع إذا احتاج إلى ذلك أهون من مشقة بعده عن مسجده الذي هو قريب من أهله. قال: فإنه قد يحتاج لقربه من أهله تفقدهم وكذلك طعامه وخلاءه ونحو ذلك. قال: لئلا يفضي اعتكافه إلى ترك الجماعة أو إلى تكرار الخروج إليها كثيرا. أحد أمرين: إما أن يترك الجماعة، وهذا لا يجوز. وإما أن يجوز له أن يخرج إليها كثيرا خمس مرات. وهذا يعني أن اعتكافه سيكون فيه خللا. قال: نكمل ما تبقى بذلك اللاحق. والحمد لله رب العالمين.