الدرس في كتاب الحج 9، الدرس التاسع : من : ( ثم زاد صلى الله عليه وسلم فوائد ... وتحريم لبس القفازين على الذكر والأنثى ), ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم بشأن لباس المحرم وتحريم الطيب والمخيط، مع توضيح أهمية توجيه السؤال إلى المقصود. يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح ما يحرم على المحرم.
يناقش المقطع تفاصيل لباس المحرم، مثل النهي عن لبس المخيط للرجال واستثناءات لبس الخفين عند عدم وجود النعال. كما يتناول آراء العلماء في هذه المسائل.
يتناول المقطع تحريم الطيب للمحرمين بعد الإحرام، ويشرح حكم تغطية المرأة لوجهها ولبس القفازين. يبين تحريم لبس القفازين على الرجال والنساء لما فيه من التشبه والتغيير الخلقي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المنفى -رحمه الله تعالى-: ثم زاد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها، فبين ما يحرم على المحرم مطلقا من ذكر أو أنثى، فقال: «ولا يلبس شيئا من الثياب أو غيرها مخيطا أو غير مخيط إذا كان مطيبا بالزعفران أو الورس»، منبها بذلك على اجتناب أنواع الطيب. قال: ثم بينا ما يجب على المرأة من تحريم تغطية وجهها. وإدخالي: والصواب أن التحريم ليس تغطية الوجه مطلقا، ولكن الذي حرم، والذي نهي عنه هو تغطية الوجه بما يشد عليه من النقاب والبرقع وما كان بمعناه. وأما ما يزدل على الوجه من أعلى فهو مما يجب، خصوصا مع الرجال الأجانب. وأما إذا لم يكن رجال أجانب، فتكشفه ويستحب استحبابا تكشفه، أي ما يزدل من أعلى. قال: وإدخال كفيها فيما يسترهما، وهذا كذلك إدخال كفيها فيما يسترهما إذا كان بالقفازين، فهو المنهي عنه. وأما ستر الكفين تحت الثياب وأطراف الجلباب، فهذا مما لا شيء فيه، بل عند الرجال الأجانب يجب. قال: فقال: «ولا تنتقل المرأة ولا تلبس القفازين». قال: ما يأخذ من الحديث أولا: أن السؤال ينبغي أن يكون متوجها إلى المقصود علمه، يعني ينبغي للسائل أن يسأل عن المقصود وعن الأهم. وكما مر معنا أن أسلوب الحكيم من فوائده أنه ينبه السائل إلى الأهم الذي ينبغي أن يسأل عنه. قال: ثانيا: أنه ينبغي للمسؤول إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحا عن السؤال، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، فهذا هو أسلوب الحكيم. قال: ثالثا: أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس قليلة معدودة، وهذا بما جاء في الحديث، وبه نعرف كذلك أن قول بعض الفقهاء بأن المحرم لا يلبس المخيط توسع في اللغة، ويوهم إدخال أشياء كثيرة ليست داخلة بنص هذا الحديث، لأن المنهي هو ما يحيط بالجسد من القميص، وكذلك السراويل والعمائم وما كان بمعنى ذلك. قالوا: أما الأشياء المباحة فهي الكثيرة التي تعرف بالحج، لأنها على أصل الإباحة. ومعنى بالحج: يعني بالتعريف الذي سبق، إذا علمنا ما هو المنهي عنه، علمنا أن ما دون ذلك وهو أكثر مما يجوز لبسه، حتى هذا الذي نهي عنه إذا لبس على كيفية لا يلبس بمثلها، مثل أن يتزر مثلا بالقميص، فهذا ليس فيه بأس، أو يتزر بالعمامة المفتوحة أو الشال، فهذا كذلك ليس به بأس. قال: ولهذا المعنى صرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سؤال السائل عما يلبسه المحرم إلى بيان ما لا يلبسه، لأنه انتقال إلى المحصور ليعرف بعد ذلك ما سواه من الكثير الذي لا ينحصر. قال: رابعا: تحريم هذه الأشياء الملبوسة الخاصة بالرجل. وأما المرأة فيباح لها لبس المخيط وتغطية الرأس. والأفضل أن يقول: لبس ما بمعنى هذا المذكور، أفضل من تسمية مخيط، لأن لفظة مخيط واسعة تشمل أشياء كثيرة، وليس الرجل الذي نهي عنه هو المخيط لا، وإنما الذي نهي عنه هو هذا المذكور بعينه في هذه الأحاديث، وما بمعنى مما هو محيط بالجسد، ولو كان غير مخيط، مثل المغزول غذلا من الصوف ونحوه. قال: خامسا: منها القميص، ونبه به على ما في معناه من كل ما لبس على قدر البدن مخيطا أو محيطا، مثل الفنائل، الملابس الداخلية هذه، أو كذلك ما يسمى بالشميز ونحو ذلك. قال: ومنها البرانس والعمائم، ونبه بهما على كل ما يغطى به الرأس أو بعضه من مخيط أو محيط من معتاد ونادر، فيدخل القلانس والقواطي ونحوهما. المعتاد مثل القلانس والقواطي، والنادر هذا يحتمل معنيين، يحتمل النادر الذي يوضع على الرأس على هيئة اللبس، مثل الشال نادر ما يوضع على الرأس، ويحتمل كذلك ما يوضع ليس على هيئة اللبس، مثل حمل المتاع، مثل قفة وقربة الماء وغير ذلك مما يحمل على الرأس. والصحيح أن الثاني لا بأس به، لأنه ليس مما يلبس، فقوله النادر لا يتبادر إلى الذهن عموما نادر، وإنما ما كان على هيئة اللبس. وأما ما لم يكن على هيئة اللبس فلا بأس به، ومن باب أولى ما لا يلامس الرأس، مثل المضلة والخيمة، وكذلك سقف السيارة ونحو ذلك، سواء كان ثابتا أو متحركا على القول الصحيح، خلافا لما ذهب إليه بعض أهل العلم، وهو خطأ من أن المتحرك لا يجوز لبسه ولو كان غير ملاصق، وهذا ليس بصحيح، فالأدلة دلت على خلافه، فثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسير وهو محرم، ويستره من الشمس بلال بردائه. قال -رحمه الله تعالى-: ومنها الخفان، وما في معناهما من كل ساتر للكعبين من مخيط أو محيط، سواء كان من جلد أو صوف أو قطن أو غيرها، يعني أن هذا مما نهي عنه كذلك. وهل هذا النهي للتحريم؟ وكان قبل هذا النهي لبس الخفين ماذا؟ مباحا. فلما جاء الأمر به بعد ذلك، أي: «فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين»، هل هو للوجوب؟ لا، ليس للوجوب، بل للإباحة، لأن الصحيح أن الأمر بعد الحضر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحضر. قال -رحمه الله تعالى-: ثامنا: إذا لم يجد نعليه ونحوهما مما لا يستر الكعبين، فليترخص بلبس الخفين، ولكن ليقطعهما من أسفل الكعبين، ليكونا في معنى النعلين. قال: ويأتي في الحديث الذي بعد هذا اختلاف العلماء في ذلك، وبيان راجح منه إن شاء الله. قال المجد بن تيمية: واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجل، يعني الرجل هو الذي لا يجوز له أن يلبس الخفين، وأما المرأة فيجوز لها، لأنه لم يذكر ذلك في حكمها. وكما قلنا ومر معنا أن الاستثناء معيار العموم، فما دام أنه استثني من النساء فقط تغطية الوجه ولبس القفازين، دل على أن ما سوى هاتين الخصلتين مما يجوز لبسه للنساء. قال -رحمه الله تعالى-: وهذه المسألة كما قال: سيأتي إن شاء الله الكلام عليها في موضعها، أي: هل يلبس المحرم إذا لم يجد النعلين، هل يلبس الخفين بشرط أن يقطعهما؟ أم يجوز أن يلبسها بدون قطع؟ لأنه جاء في حديث ابن عباس وحديث جابر أنها تلبس من دون قطع. وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه في حديث ابن عباس. قال -رحمه الله تعالى-: تاسعا: تحريم الورس والزعفران وما في معناهما من أنواع الطيب، وقد مر معنا ما معنى الورس وما معنى الزعفران. قال: وما في معناهما من أنواع الطيب لكل محرم من ذكر وأنثى، وما في معنى هذا، لأن هذا من أخف أنواع الطيب، فما هو مثله وأقوى منه، فإنه لا يجوز أن يفعله المحرم. والرجل يجوز له أن يستخدم طيب الرجال في جسده قبل الإحرام، والمرأة يجوز لها أن تستخدم طيب النساء في جسدها قبل الإحرام. وطيب النساء ما له لون وليس له رائحة، وطيب الرجال ما له رائحة وليس له لون، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث عائشة أنها قالت -رضي الله عنها-: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحله»، طيبت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحله عند إحرامه، وحين أن رمى جمرة العقبة. ومعنى لحله عند إحرامه: يعني حين كان حلالا قبل أن يدخل في الإحرام، وهذا الطيب كان في الجسد، لم يكن في الثوب. وأما في الثوب فلا يجوز، لا قبل الإحرام ولا بعد الإحرام. وما معنى الإحرام ها هنا؟ هل معنى لبس الثياب؟ لا، كلامي ما معنى الإحرام؟ يجوز للمحرم أن يمس الطيب قبل أن يدخل في الإحرام في جسده. ما معنى يحرم هنا؟ يعني التلفظ، نعم، يعني التلفظ بالدخول في النسك، بأن يقول: «أهللت بعمرة»، أو «أهللت بعمرة متمتعا بها إلى الحج»، أو «أهللت بعمرة وحج»، ونحو ذلك، أو يقول: «لبيك اللهم حج»، أو «لبيك اللهم عمرة»، هذا كله يسمى دخولا في الإحرام. مثل قولك في الصلاة: «الله أكبر»، فهو ابتداء دخول في الإحرام. فقبل أن تدخل بالإحرام يجوز لك أن تمس الطيب في جسدك، وهكذا المرأة في جسدها، لكن طيب المرأة ما ليس له رائحة له لون، وليس له رائحة، وطيب الرجل ما له رائحة وليس له لون. وحديث عائشة الذي سبق فيه أنه عليه الصلاة والسلام تطيب قبل أن يدخل في الإحرام، وفي حديث أنس أنه رأى الطيب في مفرق رأسه، أي: مفرق رأس النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا تأتي القاعدة التي نبه عليها أهل العلم: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. لا يجوز للمحرم أن يمس الطيب بعد أن يدخل في الإحرام، ولكن إذا كان هذا الطيب موجودا في جسده قبل دخوله في الإحرام، فلا بأس به. يعني دخل في الإحرام مثلا بعد صلاة الظهر، صلى الظهر ثم تطيب، وضع على رأسه طيب، ثم أهل بإحرامه، يبقى هذا الطيب مثلا يوم كامل إلى غد، والطيب ما زال موجودا في رأسه، أثر الطيب ما زال موجودا في رأسه. فإذا رأيت أنت محرما وفي رأسه طيب، ماذا ستقول؟ اغسل عنك هذا الطيب، لا، ما دام في جسده وفعل هذا الطيب قبل أن يدخل بالإحرام، فلا شيء عليه. بخلاف إذا كان على الثوب، فإنه لا يجوز، لحديث يعلى بن أمية في الصحيحين أنه أتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد طيب جبة، فأمره أن يغسل الطيب عن جبة -رضي الله عنه أرضاه-. قال -رحمه الله تعالى-: عاشرا: تحريم تغطية المرأة وجهها لأنه إحرامها فيه، وتحريم لبس القفاء والقفازين على الذكر والأنثى. أما تحريم تغطية المرأة وجهها، فكما مر معنا: ليس المحرم تغطية مطلقا، ولكن المحرم الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وما كان بمعناه. وأما سدلها من أعلى إلى أسفل، فعند الرجال الأجانب يجب أن يستر، وعند عدم الرجال الأجانب فيستحب أن يكشف. ولبس القفازين كما قال: يحرم على الرجال ويحرم على النساء، لأن تحريم ما على الرجال أشد من ما هو على النساء. ويقاس ما على القفين كما سيأتي إن شاء الله. طيب، نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.