كتاب الطهارة 3

كتاب الطهارة 3

الدرس في كتاب الطهارة 3، الدرس الثالث : فيه : ( 3- فمن كانت هجرته..ألخ .مثال يقرر ويوضح ... فيكون عبادة ويراد للنظافة أو التبرد فيكون عادة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الهجرة إلى الله ورسوله

يشرح الدرس معنى الهجرة في الإسلام وأنواعها، ويبين أن الهجرة الحقيقية هي الهجرة إلى الله ورسوله. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يميز بين الهجرة إلى الله ورسوله والهجرة لأغراض دنيوية.

أهمية النية الصالحة في الأعمال

يشرح الدرس أهمية إخلاص النية في الأعمال، ويبين أن النية الصالحة تحدد قبول العمل أو رفضه. يضرب مثالًا على ذلك بالهجرة إلى الله ورسوله، ويشير إلى أن النية تميز العبادة عن العادة.

حكم ومحل النية في العبادات

يتناول الدرس حكم النية ومحلها في العبادات، ويبين أن النية ركن في الوسائل وشرط في المقاصد. يوضح أن محل النية هو القلب، ولا يلزم التلفظ بها لعدم وجود دليل صحيح صريح على ذلك.

ختام الدرس وتأكيد على المتابعة

يتم ختام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الدروس في المستقبل. يُنهي الشيخ الدرس هنا ويعد بالمتابعة في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المنفذ -رحمه الله تعالى-: قال، قوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها»، قال: مثالا يقرر ويوضح القاعدة السابقة، ولم يذكر -رحمه الله- معنى الهجرة. فالهجرة لغة: الترك، أو بمعنى قريب من الترك. وإذا بالشرع: ترك الشيء المحبوب، التعبد لله عز وجل بترك الشيء المحبوب لله عز وجل. ووقعت في زمن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على معنيين حصرين. أما المعنى الأول، فالهجرة من بلاد الخوف إلى بلاد الأمان، كالهجرة إلى الحبشة، فكلاهما هجرة من بلاد كفر إلى بلاد كفر، لكن من بلاد الخوف إلى بلاد الأمان. وهكذا كذلك الهجرة من بلاد الكفر والخوف إلى بلاد الإيمان والأمان، كالهجرة إلى المدينة. ومن معانيها المعنوية: الهجرة إلى الطاعة والإيمان، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديث عبد الله بن عمر: «والمُهاجرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عنه ورسولُه». فهذا معنى من معاني الهجرة. وعلى هذا، فمن توسع من أهل العلم وجعلها ثمانية أقسام، فهي معاني قريبة من المعاني المعنوية. فمثلا ذكروا منها: الهجرة من البادية والأعراب لأجل تعلم العلم والإسلام، وهذه تسمى في الشرح: وفادة. تسمى وفادة، كالوفود الذين قدموا على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في المدينة من القرى والبوادي والأعراب، يتعلمون أحكام الإسلام. والهِجرة شأنها عظيم، فبها يسلم الإنسان بدينه، وبها كذلك يميز بين الحق والباطل. ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما جاء عند أبي داود وغيره، من حديث جابر -رضي الله عنه-، بالنوع الثاني من نوعي الهجرة، أي: من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام: «إن المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما». «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». والمعنى: أنه لا يمكن أن يجتمع مسلم ومشرك في بلدة واحدة ومكان واحد، ثم يتبرأ النبي -عليه الصلاة والسلام- من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين، لما في ذلك من الآثار السيئة والخطيرة على المسلم، فإنه إن سلم، لا تسلم دنيته من الانحراف والكفر. قال: وقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، جملة شرطية، «فهجرته إلى الله ورسوله»، جواب الشرط. واتحد الشرط والجواب، لأنهما على تقدير: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا»، «فهجرته إلى الله ورسوله ثوابا وأجرا». وبعضهم يقول: «حكما وشرعا» بدل: «ثوابا وأجرا». ومعنى كلامه -رحمه الله-: أن الأصل أن جواب الشرط يختلف عن جملة الشرط، لكن هنا حصل التوافق. قال: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله»، الجواب: «فهجرته إلى الله ورسوله». الجواب نفس جملة الشرط، والأصل هو الاختلاف حتى يكون الجواب مفيدا. قالوا: وهذا لأنه هناك شيء محدود، تقديره: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا»، يعني: نوى بذلك وقصد الله ورسوله، «فهجرته إلى الله ورسوله ثوابا وأجرا»، أو «حكما وشرعا»، يعني: هذا هو الجواب. الجواب ذلكم الشيء المحدود. ومن غريب هذا الحديث: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». وهذا كذلك: وضع المثال والتنبيه إلى معنى من المعاني المنافية للهجرة إلى الله ورسوله، أن يهاجر الإنسان لأجل الدنيا، ليس لأجل ما يريد مما عند الله عز وجل، أو طاعة لله وامتثال لأمر الله، بل لأجل الدنيا. فهذا عام يشمل أي معنى من معاني الدنيا، سواء منصب أو وظيفة أو جاه أو مال، أو كذلك حياة طيبة أو جو حسن، أو أي معنى من المعاني التي هي من معاني الدنيا. ومعنى أن المهاجر إلى الله ورسوله لابد أن يخلص نيته، حتى لا يخدش عمله بهذه النية السيئة. وهكذا كذلك: «أو امرأة يتزوجها»، قيل: هو من ذكر الخاص بعد العام، وعدّ الخاص بعد العام للتنبيه على أهميته، يعني: احذروا أن تكون الهجرة لأجل زواج النساء، فإنه قد يحصل ذلك، أي: أن يهاجر الإنسان لأجل هذه النية. وقيل: لهذا الحديث سبب، أشار إليه العراقي -رحمه الله- بطرح التدريب، وهو ما يسمى بقصة مهاجر أم قيس، إلى أن يسمى قيلة. وقد جاء ذلك عند الطبراني من حديث ابن مسعود. وأشار العراقي: لأنه روي بإسناد الرجال ثقات، بإسناد الرجال ثقات. وضعفه بعض أهل العلم، لكن لا شك أن المقصود، لا شك أن المقصود هو المعنى، وإن كان هذا السبب لم يثبت. ولهذا قال بعضهم: أن سبب هذا الحديث هو أن العرب كانوا لا يزوجون إلا باعتبار النسب، فلما جاء الله بالإسلام، صاروا لا يبالون بالنسب، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، كما تزوج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش، ابنة عمة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. وهذا دل على أن أهل الإسلام كانوا لا يبالون بذلك، وإنما يحرصون على الأتقى: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه فزوجوه». فصاروا يهاجرون لأجل النساء، يطمعون في نساء العرب من أجل أن يتزوجوه في المهجر. فلأجل هذا كان هذا الحديث. وسواء كان هذا أو هذا، فالمعنى العام يغني ويكفي في التمثيل، والمقصود هو تنزيه وتخليص النية من الشوائب التي تكدر العمل أو تبطله. وهنا تنبيه يذكره، نبه عليه العراقي -رحمه الله-: وهو ما يذكر بقصة أبي طلحة الأنصاري، أنه أراد أن يتزوج أم سلمة، وهي مهاجرة، وهي قصة صحيحة عند النسائي. ولكن المراد التنبيه على لفظة فيها مشهورة، يذكرها كثير من الخطباء والوعاظ، وهي لفظة ليست بصحيحة. ففي آخر القصة: أنها قالت، أي: أم سليم: «أخطأتنا، أعوض المسلمة؟» صواب أم سليم: «لا يحل لي أن أتزوجك وأنا مسلمة وأنت كافر». قال العراقي: هذه لغة معلة، أعلها العراقي. وسبب ذلك: أن تحريم زواج المشركة، أو المسلمة من المشرك، كان متأخرا، كان في عام الحديبية، كما جاء في البخاري في سبب النزول: «لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهم». قال -رحمه الله تعالى-: المعنى الإجمالي: هذا حديث عظيم، وقاعدة جليلة من قواعد الإسلام، هي القياس الصحيح لوزن الأعمال من حيث القبول وعدمه، ومن حيث كثرة الثواب. فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «إنما الأعمال بالنيات». أي: أن مدار الأعمال على النيات، فإن كانت النية صالحة والعمل صالحا لوجه الله تعالى، فالعمل مقبول، وإن كانت غير ذلك، فالعمل مردود. فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. ثم ضرب -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مثلا يوضح هذه القاعدة الجليلة بالهجرة، فمن هاجر من بلاد الشرك، ابتغاء ثواب الله وطلبا للقرب من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتعلم الشريعة، فهجرته في سبيل الله، والله يثيبه عليها. ومن كانت هجرته لغرض من أغراض الدنيا، فليس له عليها ثواب، فإن كانت إلى معصية، فعليه العقاب. قال: والنية تميز العبادة عن العادة، فالغسل مثلا يقصد به الجنابة، فيكون عبادة، ويراد به النظافة أو التبرد، فيكون عادة. وهذا المبحث، وهو ما يسمى بمبحث تمييز النية. يعني: لماذا كانت النية؟ وما هو المقصود من النية؟ وقلنا: أن العلماء يذكرون للنية سبعة مباحث. المبحث الأول: الحقيقة، أي: التعريف. وأخذناه فيما سبق من كلام المؤلف -رحمه الله- وما زيد من التعليق عليه. والآن شرع -رحمه الله- في المبحث الثاني من مباحث النية، وهو مبحث القصد. القصد من النية، وهو أحد هذه المباحث السبعة. فيذكر العلماء: أن مقصود النية أحد أمرين: إما تمييز العبادة عن العبادة، وإما تمييز العبادة عن العادة. تمييز العبادة عن العادة. ويناسبها هنا أن نذكر: أن الأعمال تنقسم إلى قسمين: أقوال وأفعال. فأما الأقوال، فباتفاق أهل العلم: أنها لا تحتاج إلى نية، لأن المقصود منها هو امتثال هذا القول، مثل إزالة النجاسات. إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، بل يكفي في حصول العمل هو امتثال هذا القول أو إزالة هذا الشيء الذي أمر بتركه. فهذا لا يحتاج إلى نية. وقسم آخر: هي أفعال. وهذه الأفعال تنقسم إلى قسمين: أفعال لا تقع إلا منوية عادة، لا تقع إلا منوية عادة، فهي لا تلتبس بغيرها، لا يوجد مثيلها من العادات يلتبس بها، ولا مثيلها من العبادات يلتبس بها. فهي لا تقع إلا منوية، مثل الوضوء، كما أشار لذلك ابن رجب وابن القيم -رحمهم الله تعالى- وغيرهم من أهل العلم. ومعنى أن الوضوء لا يحتاج إلى نية، ونحوه كذلك بعض الأعمال المطلقة، مثل قراءة القرآن والذكر، وهكذا كذلك الصوم المطلق. فهذه أعمال لا تقع إلا منوية، ولا تحتاج إلى نية، لأنها لا تلتبس بغيرها، عادة أو عبادة. ويقولون: رابطها هو كل ما لا يلتبس بعادة ولا عبادة. وهكذا كذلك كل عمل قصد به وجه الله والاحتساب. وأما النوع الثاني من الأفعال التي تحتاج إلى نية، هي الأفعال التي قد تقع منوية وقد تقع غير منوية، وهي التي تلتبس بعادة أو عبادة، مثل الغسل. فالغسل مثلا قد يفعل لأجل التبرد، وقد يفعل لأجل العبادة. فلأجل هذا احتاج إلى نية حتى تميز العادة من العبادة. كذلك الصلاة قد تريد بهذه الصلاة نافلة أو تريد بها فريضة، فإذا تحتاج هنا أن تميز بالنية، تميز بين العبادة والعبادة الأخرى. وهكذا. ومن مباحث النية كذلك حكم هذه النية، ولم يذكره المؤلف -رحمه الله-. ونذكرها هنا. يذكره العلماء ويتناقلونه، فيه ذكر هذه المباحثة السبعة: البيت هو حقيقة، حكم، محل، زمن، كيفية، شرط، مقصود. حقيقة واحد أخذنا، والثاني حكم، أي: حكم هذه النية. والثالث المحل، محل هذه النية، أي: الرابع الزمن، زمن هذه النية. لأن هذه المسائل ذكرها العلماء واختلفوا فيها. والخامس: كيفية هذه النية. والسادس: شرط هذه النية. والسابع: مقصود هذه النية. فأما حكمها، وقد اختلف أهل العلم بحكمها. ولأجل هذا كان التنبيه عليها، لأجل أن نطلع على أهم مسائل النية التي ذكرها العلماء. فالأقرب للصواب: أنها في الوسائل ركن، وفي المقاصد شرط. أنها في الوسائل ركن، وفي المقاصد شرط. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وهذا الخلاف، يعني: خلاف أهل العلم بعد أن أشار إلى خلاف أهل العلم في حكم النية، قال: وهذا الخلاف إنما هو في الوسائل. وأما المقاصد، فالاختلاف بينهم في اشتراط النية، ذكره بالفتح، بشرح أول حديث، حديث النية. والمراد في المقاصد، أي: المباحات، وكذلك الكف عن الأشياء، عن المعاصي ونحوها، واحتساب الثواب فيها. فمثل هذه، كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: أن المقاصد لا اختلاف بينهم بأنها شرط في المقاصد. وأما الوسائل، فالأقرب كما قلنا: أنها ركن، مثل الصلاة والصيام ونحو ذلك. وأما محل النية، فهو القلب. ودليله من اللغة والشرع. أما من اللغة: فلأن معنى النية كما مر معنا: العزم والقصد المقترن بالفعل، وهذا لا يكون إلا بالقلب. وبينعرف أن محلها القلب. وهكذا في الشرع: لم يرد دليل على التلفظ بالنية باتفاق المسلمين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لم يرد دليل صحيح صريح يدل على التلفظ بالنية باتفاق أئمة المسلمين. فلم يرد بذلك عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-. طيب، نقف هنا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. وإلى هنا.