الدرس في كتاب الصلاة 27، الدرس السابع والعشرون:من( الحديث الخامس والستون:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... فلذا لا تصح على الراحلة إلا عند الضرورة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم التأكيد على أهمية استقبال القبلة في الصلاة ووحدتها كرمز لوحدة المسلمين. يتم شرح الحديث النبوي حول صلاة النبي على راحلته.
يتم شرح أحكام استقبال القبلة وتاريخ تغييرها من بيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة. كما يتم التأكيد على شرط استقبال القبلة لصحة الصلاة.
يتم شرح حديث النبي حول صلاة النوافل على الراحلة أثناء السفر، مع توضيح الفروق بين صلاة الفريضة والنافلة وآراء أهل العلم في هذا الشأن.
يتم ختام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في الدرس اللاحق، مع الدعاء بالتوفيق من الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والستون، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله. قال: وفي رواية: كان يوتر على بعيره. ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وللبخاري: إلا الفرائض. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحكام الصلاة، وفيما يتعلق باستقبال القبلة من أحكامها، وهو من أوائل أحكامها بعد حكم الأذان، وأقرب الألفاظ إليه. ولفظ الإمام البخاري: قال حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح، فذكر الحديث. وقوله في رواية: كان يوتر على بعيره، هي رواية لمسلم، وجاء معناها عند البخاري. وقوله: لمسلم غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري معلقا من طريق الليث، قال: قال الليث حدثني يونس فذكره. قال الشارح رحمه الله تعالى: قولوا «باب استقبال القبلة»، قال: قبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة التي عنوان توحيدهم ووحدتهم ومتجه أنظارهم وملتقى قلوبهم وأرواحهم، وهذه حكم كان لأجلها استقبال بيت الله الحرام الكعبة، ليس لأن أهل الإسلام عندهم وثنية يتجهون إلى الكعبة كما زعم بعض الملاحدة والكفرة، أو تعلق بذلك بعض القفورية والمتصوفة من الباطنية وغيرهم، ولكن أمر أهل الإسلام بالتوجه للكعبة لتأكيد توحيدهم ووحدتهم والتقاء قلوبهم وأرواحهم، ولله حكم أخرى. قال: وقد جعل الله هذه الكعبة قياما للناس في أحوال دينهم ودنياهم، وأمنا لهم عند الشدائد، يجدون في ظلها الطمأنينة والأمن والإيمان، وذلك بما جعله الله عز وجل في بلده الحرام، فقد جعله بلدا آمنا بأمره الشرعي، فأمر الناس أن يوقعوا الأمان فيه، فنهى أن يحمل فيه سلاح أو يقتل فيه أحد أو يصاد فيه صيد أو يقطع فيه شجر تعظيما لحرمة الله وحرمه. وهكذا قدر تقديرا كونيا بأن جعله بلدا حراما محرم معظم عند الله، وكم قد جعل الله عز وجل لذلك للناس آية، ومن ذلك ما فعله بأصحاب الفيل. قال رحمه الله: وبقاؤها تحج وتزار، وعلامة بقاء الدين وقيامه، لأنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنها في آخر الزمان تهدم، وذلك حين يقل الدين ويعرض الناس عن الحج والعمرة والزيارة، فيكون عند ذلك إيذان بهدمها، فتهدم في آخر الزمان، يسلط الله عليها ذو السويقتين رجل من أهل الحبشة، يسلط عليها فيهدمها، حكم من الله سبحانه وتعالى. كما أن القرآن يرفع بآخر الزمان حين لا يعمل به أحد، يأمر الله عز وجل به فيرفع، ورفعه بموت حفظته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعا من صدور العباد، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما أو لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». قال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة يستقبل الكعبة وبيت المقدس معا على المشهور، هو كان مأمورا يستقبل بيت المقدس، فكان إذا أراد أن يصلي جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، بيت المقدس أين هو في الشمال، فإذا أراد أن يصلي يصلي من الجهة الجنوبية للكعبة، يعني جهة الركنين اليمانيين، فيجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. وهكذا صارت هي محل إمامة لأمة، وهذا في أول الإسلام، وإلا بعد ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يستقبل الكعبة. قال: فلما هاجر إلى المدينة وفيها اليهود اقتصر على استقبال بيت المقدس ستة عشر شهرا، يعني سنة وأربعة أشهر، وكان يتشوق إلى استقبال الكعبة أشرف بقعة على الأرض وأثر أبي الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم الخليل عليه السلام، فصرفت القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة بعد أربعة أشهر من السنة الثانية، أمر به عليه الصلاة والسلام، فأمر أصحابه بها، وتلا عليهم ما أنزل عليه من قرآن حتى بلغ ذلك بعض الصحابة وهم في الصلاة، فاستداروا وهم يصلون. قال: واستقبال القبلة في الصلاة ثابت في الكتاب والسنة والإجماع، كما قال الله عز وجل: ﴿حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، والسنة أحاديث منها هذا الحديث، والإجماع نقله غير واحد من أهل العلم. قال: وهو شرط للصلاة لا تصح بدونه إلا عند العجز أو للنافلة على الداب، ويعذر بالجهل، كما سيأتي في هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى. قال: غريب الحديث، قوله: يسبح على ظهر راحلته، التسبيح هنا يراد به صلاة النافلة، يعني مراده بالتسبيح صلاة النافلة. قال: من تسمية الكل باسم البعض، يعني التسبيح بعض الصلاة وسميت الصلاة تسبيحا أو سبحة لأن فيها تسبيح. قال: وقد خصت النافلة باسم التسبيح، قال ابن حجر: وذلك عرف شرعي، يعني لا تسمى الفريضة تسبيح، الفريضة تسمى بأسمائها ظهر عصر مغرب عشاء فجر، وأما النوافل فتسمى تسبيحا. قال: وقوله المكتوبة يعني الصلوات الخمس المفروضات، سميت مكتوبة لأن الله كتب فرضها على المسلمين بنص الكتاب والسنة، أما نص الكتاب فبقوله جل وعلا: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، قيل: فيه ذكر الصلوات الخمس. قال: قوله الراحلة: الناقة التي تصلح لأن ترحل، ليست كل ناقة تسمى راحلة، لكن الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل، أي يسافر عليها، ويوضع عليها الرحل، وهو الموضع الذي يركب عليه وتعلق عليه الأمتعة، أمتعة المسافر. قال: المعنى الإجمالي الغالب بالشريعة أن صلاة الفريضة وصلاة النافلة تشتركان بالأحكام، وهذا هو الأصل فيهما، فما ورد في إحداهما من حكم فهو لهما سواء، ولكنه يوجد بعض الأدلة التي تخص إحداهما بحكم دون الأخرى. قال: والغالب على هذه الفروق بينهما تخفيف الأحكام في النافلة دون الفريضة، ومن ذلك هذا الحديث الذي معنا، فإنه لما كان المطلوب تكثير نوافل الصلاة والاشتغال بها خفف فيها. قال رحمه الله: فكان صلى الله عليه وسلم يصليها في السفر على ظهر راحلته، يعني النوافل حيث توجهت به، وفسرت النوافل هذه في روايتي أو في بعض روايات الحديث عند البخاري ومسلم بأنها النوافل التي يصليها المسافر. قال: ولو لم تكن تجاه القبلة، ويومئ برأسه إشارة إلى الركوع والسجود، ويكون السجود أشد إيماء من الركوع. قال رحمه الله تعالى: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَفْلًا مُطْلَقًا أَوْ مِنَ الرَّوَاتِبِ أَوْ مِنَ الصَّلَوَاتِ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ. قال: لهذا كان يصلي على الراحلة آكد النوافل وهو الوتر، وفي الغالب المسافر الذي يحتاج أن يقطع السفر يعجل بركوب راحلته، فإذا عجل بالركوب حتى لا تفوته فضيلة النافلة فيصليها على راحلته. قال: وهل هذا الحكم عام يشمل كل موضع يكون فيه مضان تضييع النافلة ولو كان في الحضر؟ قال: بهذا بعض أهل العلم أخذا بالعلة، وجمهور أهل العلم على أن هذه الرخصة إنما هي للمسافر خاصة. قال: أما الصلوات الخمس المكتوبات فوقوعها قليل لا يشغل المسافر فيها، ويجب الاعتناء بها وتكميلها، لأن فرضيتها لأمر عظيم، ولما كان فرضها لأمر عظيم كان لابد من تعظيم أمرها بالإتيان بها على أكمل أوجهها. قال: فلذا لا تصح على الراحلة إلا عند الضرورة، عند الضرورة كالمريض، وهكذا كذلك المسافر على الشيء الذي لا يمكنه الصلاة معه قائما. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.