كتاب الجهاد 3

كتاب الجهاد 3

الدرس في كتاب الجهاد 3، الدرس الثالث:( ومن تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة التي منها وصايا النبي لأمراء جيوشه ... ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة الإسلام وعدم الإكراه في الدين

يشرح الشيخ أن الإسلام انتشر بالحكمة والرحمة لا بالقوة، وأن القتال له مصالح دنيوية وأخروية. الآية 'لا إكراه في الدين' تعني التخيير بين الإسلام والجزية أو القتال.

أحكام الجزية والقتال في سبيل الله

يناقش المقطع مسألة الجزية واستدلالاتها من القرآن والسنة، ويبين أن القتال في الإسلام لإحقاق الحق ونشر الدين. يشير إلى أحكام مشابهة في الكتب السماوية الأخرى.

حدود التعامل مع الأعداء في القتال

يتناول المقطع أحكام القتال وحدوده، مبينًا أوصاف النبي بعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، وعدم الغدر أو التمثيل بالقتلى. يشير إلى شواهد صحيحة تؤكد هذه الأحكام.

الرد على دعوى إكراه النبي الناس على الإسلام

يدلل المقطع على أن النبي لم يكره أحدًا على الإسلام، مستدلًا بصلحه مع اليهود وتركه لهم على دينهم، مما يفند دعوى الكفار ويشير إلى أدلة أخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ومن تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، التي منها وصايا النبي صلى الله عليه وسلم أي مراء جيوشه، ومنها سيرته صلى الله عليه وسلم في الغزوات - وسيأتي معنا إن شاء الله بعض تلك الإشارات لهذه الأوامر - قد أشير إلى ذلك كحديث بريدة وعائشة رضي الله تعالى عنهم، فيما ورد في هذا الباب من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمن يرسلهم من الأمراء بأن يعرضوا الإسلام أولًا أو الجزية، فإن أبوا فالقتال؛ لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وحتى لا يحول أحد بين إرادة الناس؛ لأن الكفر وأهله حائل بين إرادة الناس وحرياتهم. قال رحمه الله تعالى: ومنها سيرته صلى الله عليه وسلم في الغزوات، أي التي فيها إبطال هذه الدعوة من أن هذا الدين قام بقوة السلاح والسيف والقتل؛ فليس الأمر كذلك، بل أكثر من دخل في الإسلام دخل طواعية وحبًا فيه، حتى من يؤسر من المقاتلين لم يجبر أحد منهم على دخول الإسلام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الصحيح -: «إن الله لا يعجب لقوم يدخلون الجنة بالسلاسل»، يعني يؤسرون، فيتعرفون على الإسلام عن قرب، فيدخلون في دين الإسلام. قال: علم أن الإسلام جاء بالحكمة والرحمة والسلام والوئام، وأنه جاء بالإصلاح لا بالإفساد. وأما ما قد يرد هنا من وجود القتال؛ فكما تقدم، هذا القتال شرعه الله لمصالح عظيمة دنيوية وأخروية. ومن أعظم المصالح الدنيوية أن يكون الدين كله لله، أن يكون الدين كله لله. وليس معنى ذلك - كما سيأتي إن شاء الله - إكراه الناس على الدخول في هذا الدين، بل أهل هذا الدين بما علمهم الله فيه يخيرون الناس بين الإسلام أو الجزية، والجزية في مقابل ما يكون من حفظهم وحمايتهم، وإعطائهم حقوقًا قريبة ومشابهة لحقوق المسلمين، مما لا نقص لهم. وأما المماثلة التامة؛ فهي لا تكون إلا لمسلم ومؤمن؛ لأنه عنده الإسلام الذي يختلف به عن الكافر. قال رحمه الله: اقرأ قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وهذه الآيات الناس فيها طرفان ووسط؛ فمن الناس من ألغى بها أحكامًا، فجعل ذلك دليلًا على ما يزعمون من حرية الأديان بالمعنى الجاهلي الإلحادي الكفري المعاصر، وليس هذا بصحيح. ولكن «لا إكراه في الدين» المراد به الحق الوسط الذي جاءت به النصوص الشرعية؛ يخير الكفار بين الإسلام، في حكم الإسلام، والجزية، أو القتال. أما الإسلام؛ لأنه الخير لهم. وأما الجزية؛ في مقابل حمايتهم وإعطائهم حقوقهم في دولة الإسلام. وأما القتال؛ إن أبوا؛ حتى لا يكون حجر عثرة في هذا المجتمع، يحولون بين الناس وحرياتهم؛ فإن الناس تبع لأسيادهم في الغالب، وهم مفسدون في الأرض. وكما قيل: ليس بعد الكفر شر وفساد؛ فإذا كان هناك كفر؛ فلا تنتظر إلا الشر. ولهذا شرع الله عز وجل الجهاد بأنواعه، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليكون المجتمع مجتمعًا سويًا. كما أن من أنواع الجهاد: الدفاع عن حرمات المسلمين. فالمهم: لا إكراه في الدين المراد به: لا إكراه بمعنى الإرغام في دخول دين الإسلام، أو الإخراج من الدين الذي هم فيه إذا كانوا أهل الكتاب. وأما مسألة الجزية؛ فسأت إن شاء الله الكلام عليها: هل هي خاصة بأهل الكتاب وغيرهم؟ رجح الكثير من أهل العلم أنها ليست خاصة بأهل الكتاب. قال رحمه الله: وقرأ قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فهذه الآيات تبين أن هذا الدين لم يبنى على القتل والقتال، وإنما على القتال الحق الذي يكون فيه إحقاق الحق. وهذا لا ينكره كل عاقل، وتقر به الفطر السليمة، بل هو مقرر حتى في دين هؤلاء أهل الكتاب، على أن دينهم فيه الكثير من التحريف. ففي سفر التثنية من كتب أهل الكتاب اليهود - ولا يقفى ما فيها من تحريف - لكن هذا مما يقره: ففي سفر التثنية الجزء العشرين من كتابهم المقدس: «وحين تتقدمون لمحاربة قوم؛ فادعوهم للصلح أولًا، فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم؛ فكل الشعب فيها يصبح عبدًا لكم». ثم ذكر بعد ذلك أنه من أبوا؛ فهم يقاتلون ويقتلون، ويؤسر الأطفال والنساء، فيكونون مع البهائم وغيرها أسلابًا وغنائم لهم، على أن الغنائم حرمت على كل الأمم إلا هذه الأمة. وهذا يحمل أنه إما محرف في دينهم - أي ذكر الغنائم - وإما أنه مما كان قبل النسخ، مما كان قبل النسخ. ومعروف عقيدة اليهود في النسخ. فالمهم: هذا مما هو مصطور في دينهم. فإن أنكروا على المسلمين؛ فيقال لهم: هذا موجود في دين اليهود، وهو مقرر في كتابهم المقدس؛ فما كان جوابكم هناك؛ فهو جوابنا هنا. فإن وجه بتوجيهات؛ وجه هنا بتوجيهات أحسن منها وأفضل منها. قال رحمه الله: والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة. وأما السنة؛ فكل أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب، ووصاياه لقواده ناطقة بذلك. قال صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة الذي في مسلم: «كان إذا أمر أميرًا على سرية أو جيش؛ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: أغزوا بسم الله في سبيل الله، من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا». ففي قوله: «أغزوا بسم الله في سبيل الله»؛ فيه إشارة أن الغزو ليس حتى للغنيمة؛ فالغنيمة فضل. بل جاء في الشرع تربية المسلمين على عدم تغليب النظر إلى الغنيمة، وأن يكون القصد في ذلك لله سبحانه وتعالى. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله، ليس لحمية ولا لنعرة جاهلية، ولا لغنيمة، ولا لغير ذلك. وقوله: «من كفر بالله»؛ كذلك فيه ما تقدم من أن ذلك ليس لأي معنى آخر؛ بل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى؛ لأنه هو أعظم الذنوب، وكل فساد وكل شر يتولد عن الكفر. وقوله: «ولا تغلوا»؛ معروف الغلول، أي الأخذ من المغنم قبل قسمه. «ولا تغدروا»؛ كذلك فيه ما يجب أن يكون عليه أهل الإسلام في هذا الباب من عدم الغدر. «ولا تمثلوا»؛ كذلك من العدل وعدم الظلم، وتجاوز المأذون إلى الممنوع. «ولا تقتلوا وليدًا»؛ كذلك التفريق بين المقاتلة وغيرهم. قال: ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان - متفق عليه - وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب، منها ما أشار إليه حديث ابن عمر، وغيرها من الأحاديث الأخرى. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «أخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع». وهذا الحديث يشبه حديث بريدة المتقدم الذي في الصحيح مسلم. ومعناه - بحديث عائشة وحديث بريدة كما مر - معناه: فيه بعد ذلك أنه يدعوهم إلى الإسلام، ويعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا؛ فالجزية، فإن أبوا؛ فالقتال. وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره من حديث عبد الله بن عباس، وفيه انقطاع. وجاء من حديث علي، وفيه ضعف وإرسال. لكن هذا المعنى - كما قلنا - فيه شواهد صحيحة، وله شواهد أخرى تشد منه، ويرتقي بها إلى الحسن. قال: وقال: «ولا تقتلوا شيخًا فانيًا». والمراد بالفاني: الذي هو ليس محل قتال؛ فإذا قد يكون شيخ، لكنه قوي يقاتل؛ فهذا ما دام أنه مع المقاتلة؛ فهو ممن يقتل. وقد ورد هذا كذلك عند البيهقي من حديث أنس، وفيه خالد بن الفزر؛ قال فيه ابن معين: ليس بالقوي. وقال فيه الحافظ: مقبول. وتمام الحديث: «انطلقوا باسم الله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا... » ثم قال: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا؛ إن الله يحب المحسنين». فهذا الحديث - مع حديث علي، مع حديث ابن عباس - يرتقي إلى الحسن بمجموع طرقه. بل وردت في هذا الباب آثار موقوفة كثيرة، وهي في هذا المعنى. ومثل هذا لا يقال بالرأي؛ فهي تدل أن هذا الباب له أصل؛ فهو من الموقوف الذي له حكم المرفوع. قال: وأوصى أبو بكر الصديق يزيد بن أبي سفيان حين بعثه أميرًا على ربع من أرباع الشام بقوله: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا - وهذا بمعنى الشيخ الفاني، يعني الكبير الذي ليس هو محل قتال - ولا تقطع شجرًا مثمرًا، ولا تخرب عامرًا، ولا تعقر شاة، ولا بعيرًا إلا لمأكله - بل لمأكله على وجه حلال - وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بإكفاء القدور حين أخذوا من المغنم قبل قسمه - حين أخذوا من المغنم قبل قسمه - مع أنهم مقاتلة، ويحتاجون إلى الطعام بعد حرب وشدة؛ ولكن لما أخذوا قبل القسم؛ أمر بإكفاء القدور؛ لأنه من الأكل الحرام الذي أخذ بغير طريق حلال. قال: ولا تغرقن نخلا، ولا تحرقنها - يعني غرقها بالماء؛ فيقتل أي بكثرة الماء - قال: ولا تغلل، ولا تجبن. رواه مالك في الموطأ. والحديث ورد مرسلًا، لكن موقوفًا. ولكن له طرق كثيرة؛ مع ما سبق يرتقي بها إلى الحسن. قال: وقال ابن الأنباري عند قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾: معنى الآية: ليس الدين ما يدين به من الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب؛ فتنطوي عليه الضمائر. إنما الدين هو المعتقد في القلب. وقد فسر «لا إكراه في الدين» بتفاسير؛ منها: أي لا إجبار في دخول الإسلام، وإنما يعرض عليهم الجزية. وفسر «لا إكراه في الدين»: أي أن الدين حججه ظاهرة وبينة؛ لا حاجة للإكراه إليه؛ بل كل من تبين له بإنصاف؛ دخل فيه طواعية. وتفاسير أخرى تدور حول هذين المعنيين. قال: ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وإنما قاتل من قاتله، أو من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته، لم ينقض عهده، بل أمر الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. ولما قدم المدينة؛ صالح اليهود، أقرهم على دينهم. فهذا كله قليل من كثير مما يدل أنه عليه الصلاة والسلام لم يكره أحدًا بالسيف على الدخول في هذا الدين. وبه يعلم كذب دعوى هؤلاء الكفار بذلك. نقف لهنا، والله تعالى أعلم.