الدرس في كتاب الإيمان 20، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين ثلاث خصال من وجد حلاوة الإيمان، وهي حب الله ورسوله، وحب المرء لله، وكره العودة إلى الكفر. يوضح أهمية هذه الخصال في إيمان المسلم.
يتطرق الدرس إلى تفاصيل حب الله ورسوله، مشيرًا إلى أنه يجب أن يكون مستقلاً ومتفوقًا على أي حب آخر، ويتجلى صدقه في طاعة الله ورسوله. كما يشدد على أهمية حب الناس لله وليس لأسباب دنيوية.
يشرح الدرس معاني حب الله ورسوله وكراهية الكفر، مؤكدًا على أن هذه المشاعر يجب أن تكون خالصة لله وحده. كما يبين أن الصدق في هذه المشاعر يجب أن يظهر في الأفعال والأقوال، مشيرًا إلى علامات صدق كراهية الكفر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. قال حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار». قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في الأحاديث المتفق عليها في الصحيحين، وبوّب له بما بوّب له في صحيح مسلم، واللفظ كما مر معنا على القاعدة، وشرط المؤلف أن يكون لفظ الإمام البخاري. وقد ذكره بهذا اللفظ كما ذكر في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان. وفي الحديث مجموعة من المسائل من أهمهن الأمر بهذه الخصال الثلاث، أولها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وثانيها كما ذكر أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والثالثة أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار. فقد تضمن الحديث الأمر بهذه الخصال الثلاث، ويدل ذلك على أهميتها وعظيم مكانتها عند أهل هذا الدين، فهي من أعظم صفات المؤمنين. وفيه كذلك أن هذه الخصال الثلاث من أعظم أسباب وجود حلاوة الإيمان. وليس مفهوم العدد كما تقرر وتقدم معنا بدروس سابقة يدل على الحصر، بل يدل على التخصيص. فقوله: «ثلاث» ليس معناه أن حلاوة الإيمان لا تكون إلا بهذه الثلاث، ولكن تكون بهذه الثلاث على وجه الخصوص، وبغيرها كذلك. فالأعمال الصالحة التي يجد بها المسلم حلاوة الإيمان كثيرة، ولكن من أعظمها وأهمها وأخصها هذه الثلاث. وفي هذا الحديث كذلك حث المسلمين أن يحيوا إيمانهم بأن يجدوا حلاوة الإيمان، وذلك بتتبع الأقوال والأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة التي يصل بها إلى حلاوة الإيمان. وفيه إشارة كذلك إلى أن من أسباب التوفيق للخير والزيادة فيه والاستمرار عليه أن يوفق المؤمن لوجود حلاوة الإيمان، لأنه إذا وجد للإيمان حلاوة وفق لأعمال صالحة فاستمسك بها وزاد، وهكذا كذلك استمر في الخير وثبت عليه. فلهذا حتى الإسلام على تتبع هذا المعنى، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث. وفيه إشارة كذلك إلى أن هذا كان مما يعتني به الصحابة رضي الله عنهم، فورد الحديث مورد الجواب، كأنه سؤال ورد. وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات، وهو يدلك على فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وخيريتهم وحرصهم على الخير ومسابقتهم له. وفي الحديث كذلك فضل هذه الأعمال الصالحة من أعمال الإيمان وصفاتها. أولها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، هذا الحب الذي يكون في القلب ويكون أثره على الجوارح، فلا يقدم على أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام إن كان صادقا في هذا الحب كل ما سواه. وهنا يظهر كمال الانقياد والطاعة وشمولية التحكيم، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. قال العلماء: في إفراد الطاعة في لفظ الجلالة واسم الرسول عليه الصلاة والسلام، فيه أن طاعة الله وطاعة رسوله طاعة مستقلة، وطاعة من دون الله ودون رسوله طاعة تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله. وهكذا إذا كان هذا مستقرا في القلب، أي حب الله وحب رسوله، اقتضى ذلك أن يكون له أثره. وبه نعرف أن مواقف الناس في أقوالهم وأفعالهم مترتبة على رسوخ وثبات هذا الحب في القلب. فمن تخلف في مواضع الطاعات واقتحم أسوار المحرمات، هذا كذب ما يدعيه من حب الله وحب رسوله، فحب الله وحب رسوله لم يكمل في قلبه، فلهذا لم تكمل في جوارحه. وصدق الله إذ يقول: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور الرحيم﴾. فالناس مراتب ومنازل في الحب بمراتبهم ومنازلهم في القول والعمل. وبه نعرف كذب أهل البدع الذين يزعمون أنهم يحبون الله ويحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن حب الله وحب رسوله ليست بكثرة الصلاة عليه الصلاة والسلام، ولا كذلك بالغلو فيه بإقامة البدع والخرافات، بل وأعظم من ذلك تجاوز حدود ذلك إلى الشركيات. فلو صدقوا في حب الله وحب رسوله لأثبتوا ذلك وبرهنوه في طاعتهم، ولما لم يكن الأمر كذلك كان هذا دليلا على كذبهم في هذا الادعاء الذي يدعونه. وهكذا الخصلة الثانية من خصال الإيمان، وهي كذلك مما يجد بها المسلم حلاوة الإيمان، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وتضمن هذا ثلاثة فروع. الفرع الأول: أن يميز المسلم ميزان الحب الذي يكون في القلب، فعند ذلك لا تتعارض أسباب الحب إذا علم المعيار والميزان الشرعي في معرفة الأولوية. فالميزان في الحب أن يكون الحب لله سبحانه وتعالى فهو المقدم، كما قال الله عز وجل: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. وقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾. فالميزان في الحب أن يكون الحب لله سبحانه وتعالى فهو المقدم. وبه كذلك يكون به معنى الفرع الثاني مما يقتضيه هذا المعنى، وهو ما يكون بعد ذلك من العمل. فإنه إذا ترتب أولوية الحب بهذا المعيار والميزان ترتب عليه كذلك مقتضاه بالنسبة للمواقف في القول والعمل. فإنه فيختلف موقف المسلم لأنه علم أن هذا الحب لله، وهذا إما لنسب أو كذا أو كذا. فما كان لله فهو المقدم، وما كان دون ذلك فهو بحسب ما أذن الله به. حتى الكافر الذي له قرابة أب أو أم أو أخ أو صاحب رحم، فأنت تحبه لله بهذه القرابة التي بينك وبينه، لأن الله أمرك بصلته وبحبه الحب المشروع في هذا المقام بقيوده وضوابطه. لا يكون على حساب طاعة الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا يكون كذلك على ما ينافي الكمال بالنسبة لأهل الإيمان، فلو تعارض حبهم مع واجب شرعي أو محظور، فلا ينبغي أن يكون ذلك مقدما لأنه تبع لما قبله. وهكذا كذلك بالنسبة للولاء والبراء، فموالات المؤمن مقدمة على موالات القريب، لأنك تحب المؤمن لله، والقريب لقرابته، فذاك له حب بضابطه الشرعي، وهذا له حب بضابطه الشرعي. فمن تخلف عنه هذا المعنى تخلف عنه أمر عظيم وخصلة عظيمة من خصال الإيمان. وبه يقال: إن هذه خصلة من خصال الجاهلية. فمثلا قدمت قريبا من أقربائك كافرا كان أو فاجرا على مؤمن من المؤمنين ومسلم من المسلمين، تحسبه والله حسيبه أنه من عباد الله الصالحين، لكون هذا قريب، وهذا ليس بقريب، فهنا تسأل نفسك: هل مثل هذا أمرك الشرع؟ ومن باب أولى إذا كانت المواقف يترتب عليها أحكام شرعية أعظم. ومنه كذلك عدم التعدي في الحقوق، فهو من باب أولى ألا تتعدى على حقوق المصطفين ما داموا من أهل الإيمان، لكونهم عندهم بعض الصفات التي توجب لهم النقص في الدنيا. فأنت ليس ميزان الحب والكراهية والقرب والبعد عندك الدنيا، ولكن ماذا؟ أن تحب المرء لا تحبه إلا لله، ليس لأن هذا فقير فأنت تكره مصاحبته، وأنت تزدري كذلك التعامل معه وتترفع عن خلطته، وذلك لأنه شريف أي في مرتبته في المجتمع. والله أعلم بشرفه عند الله، فإنما كرامة الناس بطاعتهم لله، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. لكن بعض الناس عنده هذا الميزان والمعيار، فهو يحب القرب منه ويحرص على إكرامه بالقول والفعل وغير ذلك. فهذا وذاك الآخر العكس، ربما يتنقص من حقوقه ويعتد عليه. فإن هذا معنى من معاني الجاهلية. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قال الرجل: «يبنى السوداء لأحد الصحابة»، فقال: «أعيرته بأمه»، كرر عليه، ثم قال له: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، أعيرته بأمه، أعيرته بأمه، أعيرته بأمه، «إنك امرؤ فيك جاهلية». فليس مقام التشريف والتكريم بمراتب الناس في المجتمع، ولكن بمقتضى الحب لله سبحانه وتعالى، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. ولا يعني ذلك كذلك أن تكرم المؤمن وتهين الكافر أو الفاجر، وهذا لم يطلب منك. لكن المطلوب منك أن تعتدل في معاملته، فإكرامه بما أذن به شرعا هذا مطلوب، لأنك بهذا تؤلف قلبه على الإسلام وترغبه فيه، فالمسألة ليس بها إفراط ولا تفريط. والفرع الثالث مما يتعلق بهذا المعنى: أن حب المرء لغيره أن يكون لله سبحانه وتعالى، كذلك يقتضي ذلك أن يكون فيه معاني العمل فيما يكون بينك وبين ما سواك من علاقاتك في هذا المجتمع. فأنت تختلط بالناس بأنواع الخلطات، هذا لأجل قرابة، وهذا لأجل تجارة، وهذا لأجل مجاورة، وهذا كذلك لأجل صحبة، أنواع من العلاقات بينك وبين غيرك في المجتمع، احرص على أن تجعل ذلك كله لله سبحانه وتعالى. أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، تلك العلاقات تعطى حقوقها بمقتضى الشرع، ومع ذلك احرص على أن تحتسب فيها ما هو لله، فإنه معنى من المعاني التي يدل عليها هذا المقام. وهذه الخصلة مما يكون فيه احتساب الأعمال لله سبحانه وتعالى، ومنه الحب والمودة. فأنت إن كان لك صديق تقيا كان أو فاجرا، أو جارا تقيا كان أو فاجرا، تجعل صلتك به وودك له أولا تحتسب ذلك لله. فإن كان تقيا فتحبه لتقواه، وإن كان فاجرا وأنت لا تحرص على مصاحبته ولا جواره، لكن ابتليت به، فهنا تبغض فجوره وتود هدايته، فتجعل وُدك له محتسبا فيه هدايته. وبهذا يسخر الله عز وجل للمؤمن كل أعماله أن تكون لله وفي مرضاة الله. وأما الثالث: «وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار»، هذا تأكيد لما سبق من حبه لله ورسوله ورضاه بدينه وشرعه بدين الله وشرعه، وهكذا كذلك موالاته لأوليائه. فصار هذا كالنتيجة لما سبق، وعلامة ذلك أن يكون له هذا الاعتقاد في القلب، ومقتضاه كذلك في الجوارح. فليس ممن كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار أن يفعل خصال الكفر في أقواله وأفعاله. فمن ظهرت خصال الكفر في جوارحه أقوالا وأفعالا، هذا كاذب في هذه الخصلة التي هي من أعظم خصال الإيمان، إذ لو كان صادقا أنه يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار، لما ظهرت خصال الكفر في أقواله وفي أفعاله. وهذا يقتضي أن لا يكون هذا فقط في الباطن، بل يكون له برهان كذلك في الظاهر. نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم.