الدرس في كتاب الإيمان 35، تابع باب لا ترجعوا بعدي كفراً يضرب بعضكم رقاب بعض . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي "لا ترجعوا بعدي كفارًا" ويبين أهمية تعظيم الدماء في الإسلام وتحريم القتال بغير حق. يناقش أيضًا جواز استخدام الشدة في النصح عند الحاجة.
ينبغي لطلبة العلم أن يبحثوا عن مواضع اجتماع الناس ليخطبوهم ويعظوهم باعتدال. يجب تجنب الطرق التي تُمتهن العلم وتثير الفتن مع مراعاة المكان والزمان المناسبين.
يجب على المسلمين الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام حفاظًا على دينهم وعقيدتهم. يتطلب ذلك اتخاذ الأسباب مثل الادخار وتعلم المهن التي تتيح العمل في بلاد الإسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويلكم أو ويحكم، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: «ويلك». أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الإيمان، باب لا ترجعوا بعد كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وعلى قاعدته، فلفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري. وقد ذكره في الموضع المشار إليه من طريق شيخه عبد الله بن عبد الوهاب، قال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد، قال: سمعت أبي عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. ومر معنا الحديث الذي قبله، حديث جرير. وكذلك أخرجه البخاري في الكتاب المشار إليه من طريق شيخه حجاج، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني علي بن مدرك عن أبي زرعة عن جرير رضي الله عنه. وفي هذا الحديث ما سبق ذكره في الحديث الذي قبله، وفيه كذلك من المسائل ما بوّب به الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: «ويلك». أي يجوز أن يقول الرجل: «ويلك» على هذا الوجه الذي يؤذن به. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويلكم أو ويحكم» محذرًا. فإن كان على وجه التحذير والنصح، فهو من الجائز. وإن كان على وجه السب والشتم، فهو مما لا يجوز. فليس المؤمن بالسباب ولا الشتام ولا الفاحش البذيء. وهكذا في هذا الحديث كذلك علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ أنه أخبر عليه الصلاة والسلام أن الأمة من بعده يضرب بعضهم رقاب بعض. وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها ما يبين هذا المعنى. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أن تقع في هذه الكبيرة التي من كبرها سميت كفرًا، لأنها شابهت صنيع الكفار. وهكذا كذلك فيه من المسائل جواز التوبيخ في النصح إذا اقتضى المقام ذلك. جواز التوبيخ في النصح إذا اقتضى المقام ذلك ولم يكن فيه مفسدة. وفيه كذلك جواز الشدة في النصح. الأصل هو الرفق، ويجوز أحيانًا أن يكون هناك شيء من الشدة بحسب ما يقتضيه المقام. وكذلك جاء هذا الحديث من حديث أبي بكرة مطولًا في الصحيحين، وفيه في آخره في جملة من جملته قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وفي رواية للبخاري في باب من قال: الأضحى يوم النحر، بلفظ: «لا ترجعوا بعدي ظلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وهذه اللفظة تفسر أن الكفر ها هنا هو كفر دون كفر، أنه كفر دون كفر. فيكون معنى «ظلال» مبين وموضح لما جاء في الأحاديث الأخرى من تسمية هذه الكبيرة كفرًا. ولهذا ترجح قول من قال من أهل العلم أن المراد به كفر دون كفر، وأنه شابه فعل الكفار في استحلالهم أو استهانتهم بأمر ضرب رقابهم رقاب بعض. ومعنى لا تشابه الكفار فتفعلوا فعلًا كفعل الكفار، فيضرب بعضكم رقاب بعض. لأن المؤمن يعظم أمر الدماء. ولهذا تجد أن من علامات ضعف الإيمان ويقوع هذا المؤمن في مشابهة الكفار في كثير من الخصال. ومن ذلك ما يفضي به إلى التهاون في أمر الدماء. وهذا مظهر يظهر أثره حتى في واقعنا المعاصر. فتجد أن أمة ما إذا ابتليت بالتشبه بالكفار تدرجت في الأمور حتى وصلت إلى الاستهانة في أمر الدماء، فيضرب بعضهم رقاب بعض. وأما دين الإسلام فيأمر بتعظيم أمر الدماء. فأمر الدماء عظيم في دين الإسلام، فهو يأمر أهله بحفظ الدماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وجاء هذا الباب مقيدًا كما صحت فيه الأحاديث الكثيرة. ومنها: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». وهو تأكيد إلى أن أمر الدماء أمر عظيم في دين الإسلام. وجاء كذلك هذا الحديث من حديث عبد الله بن عباس عند البخاري. وتقدمت أو سبقت الإشارة إليه: خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، وكان في خطبته: «إن دماءكم وأعراضكم ومالكم حرام عليكم». ثم قال في آخره: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وهذا مما فرد به الإمام البخاري رحمه الله، فقد أخرجه في مواضع. ومنها: باب الخطبة يوم النحر. وهو يتضمن كذلك مشروعية الخطبة يوم النحر. مشروعية الخطبة يوم النحر. وفي منى، لأن يوم النحر يوم عيد، فالناس يجتمعون يوم العيد بخطبة العيد. والحجاج يجتمعون عند رمي الجمار، فيستحب ويشرع أن يخطب فيهم من يعلمهم أحكام الإسلام وينصحهم كذلك بأحكام وشرائع الدين. ولهذا نقل بعض الصحابة رضي الله عنهم جملًا قالها النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، وقالها كذلك يوم النحر. أي أنه كررها عليه الصلاة والسلام هاهنا وههنا، لأنهم ربما لا يلقون ما ينصحهم ويعضهم إذا رجعوا إلى بلادهم. وهذا هو الواقع، الكثير من الناس يأتي من بلاد بعيدة لا يسمع فيها نصحًا ولا علمًا. فيكون من المناسب أن تتكرر المواعظ والنصائح. وكذلك العلم على الناس. وفيه كذلك حفظ الصحابة رضي الله تعالى عنهم للعلم وضبطهم له. فانظروا هذا الحديث رواه جمع من الصحابة، ما يكاد بعضهم يخالف بعض. وهنا يناسب التنبيه في لفظة «ظلالًا»: هل هو تصرف من بعض الرواة أم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؟ والأصل هو سلامة الرواة من الوهم، فيحمل ولو كان الحديث واحدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله مرتين. تارة قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وقال مرة أخرى: «لا ترجعوا بعدي ظلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض». ولا مانع، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من هديه أنه إذا تكلم تكلم ثلاثًا، ربما يكرر الجملة ثلاث مرات. فلا مانع من ذلك. والأصل هو سلامة الرواة من التوهيم. وكذلك في هذا الحديث من المسائل أهمية بذل العلم وتتبع مواضع بذله النبي صلى الله عليه وسلم. وهو رسول الله، كان ينزل للناس في مواضع اجتماعهم، فلا يقول أحد: أعطاه الله عز وجل علمًا، سأبقى في مسجدي، من شاء أتى إلي، ومن شاء فليذهب. لم يكن هذا من سنة الأنبياء. بل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا ينزلون للناس إلى مواضع اجتماعهم، فيعظونهم وينصحونهم ويبثون العلم فيهم. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام في سيرته الشيء الكثير من ذلك. ومن ذلك الكثير هذا الحديث، فإنه عليه الصلاة والسلام وعظ وخطب بهذه الخطبة في موضع اجتماع الناس يوم النحر، في المرمى، في جهة المرمى. فتحين اجتماع الناس فخطب فيهم عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي لطالب العلم ومن أعطاه الله عز وجل علمًا أن يترقب مواضع اجتماع الناس، فيذهب إليهم فيعظهم. ولو يتناوبون في بذل هذا العلم. فإذا كان للناس مثلًا اجتماع في موضع ما، فيحرص على الوصول إلى ذلك الموضع، ويعظ الناس باعتدال، لا إفراط ولا تفريط. لا يكون فيه امتهان للعلم كما يفعل جماعة التبليغ. جماعة التبليغ ربما بعض الناس يفرح بفعلهم، ويظن أن هذا أمر ممدوح. وفي الحقيقة فعلهم له أصل، يعني من جهة الخروج للناس إلى أماكنهم. لكن ليس بالكيفية التي يفعلونها. فالكيفية التي يفعلونها فيها امتهان للعلم، مع أن أكثرهم ليس عنده علم. وكذلك تمنع بعض الناس خطأ. والوسط هو أن الإنسان يتحين وكذلك ينظر المكان والزمان المناسب، فيبث العلم بغير امتهان. يبث العلم في غير امتهان. فمثلًا إذا كان هناك مصلى، عملت مصلى. مثلًا كان هناك اجتماع لقبائل ما في بادية من البوادي، يجتمعون فيها. تأتي إلى هذا الموضع وتعمل مصلى، وتهيئ مكان للصلاة. وبسم الله تبدأ ببث العلم بعد الصلوات، كلمات وتعلن عن فتح باب الأسئلة، وغير ذلك مما يكون فيه نفع ذاك المكان ومن فيه. أو كذلك إذا كان في سوق، فينظر المسجد الذي بجانب ذلك السوق. ولا بأس أن تكون هناك إعلانات حول السوق، ونحو هذا. أما أن يدار على البيوت، يدق على بيت بيت: «خرج معنا في سبيل الله، عندنا موعد في المكان الفلاني، نريدك تأتي في سبيل الله». هذا لم يكن من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. بل في هذا امتهان للعلم، وربما كان كذلك سببًا لحصول الفتن والأذية. بل ربما بعضهم يكره العلم وطريق العلم بهذه الطريقة. وغير ذلك من المفاسد الكثيرة، مع ما تتضمنه تلك الطريقة من بدع أخرى: تحديد الخروج، وكيفية الخروج، وغير ذلك مما هو ليس من سنة أهل الإسلام. فسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وسط. وهذا الذي ينبغي أن يسلك. هذا سائل يقول: هل يجوز لنا أن نطوف في الأسواق ونقيم الدعوة في بلاد الكفار، استدلالًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وليس في هذا يهانة للعلم، بحيث قد يستهزئ الكفار بهؤلاء الدعاة جراء بهذا؟ المصلحة والمفسدة، فإن كانت كلمة في موضع لا يكون فيه إهانة ولا فيها ضرر، فهذا يدعو إليه الإسلام. وهو من دعوة الناس إلى دين الإسلام. قد يمكن، قد يمكن مثل هذا. بعض المجتمعات يجوز فيها، يعني من غير مفسدة، أن يتكلم المسلم ويدعو إلى الإسلام. طبعًا إذا كان في هذا أمن كذلك على الداعي، لأن الكفار حياتهم حياة اختلاط، ومجتمعاتهم مجتمعات اختلاط. ولا تخلو تلك المجتمعات من مفاسد ومحاذير. فلا شك أنه إذا كان فيه ضرر على الداعي أو على من معه، فدروا المفاسد أولى من جلب المصالح. وأما إذا لم تكن هناك مفسدة، فلا مانع من هذا. النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى الناس في مواضع اجتماعهم، في وقت كفر أهل مكة، في سوق عكاظ وذي المجاز، وغيرها من أسواق العرب. وهو قدوتنا وأسوتنا عليه الصلاة والسلام. لكن ننتبه ونلاحظ أنه في ذاك الزمان ما كان كحال الكفار في هذا الزمان، يعني من اختلاط الرجال والنساء، ومن ظهور الفتن، ومن التسلط الذي قد يحصل على بعض الدعاة اليوم. ففي ذاك الوقت الرجل إذا كانت له قبيلة تحميه، قبيلته ويكون له مكنة، لا يتطاول عليه أحد. وأما إذا كان اليوم، سيكون هناك تطاول وفتنة واهانة للاسلام وأهله، واستهزاء وسخرية، كما قد يحصل من بعض الكفار. ودوا لو ظفروا بمسلم فيهينونه، يظنون أنهم بهذا أهانوا المسلمين جميعًا. فلا يمكن مسلم أمثال هؤلاء من فعل هذا. أو ما كان بمعنى. يقول: إذا صليت خلف إمام يقنت في صلاة الظهر وغيرها من الصلوات، فلا قنط معه، أم لا؟ ويقولون: إنه قنوط نوازل. قنوط النوازل له ضوابط، وينبغي أن يكون بيد العلماء وولاة الأمور. وأما أن ينشئ من شاء من أئمة المساجد قنوط نوازل، فهذا غير صحيح. وأعظم من ذلك أن يكون القنوط في الفتن، يدعو فيشجع الفتن. هذا أمر عظيم، خلاف ما شرعت له هذه السنة. قنوط النوازل إنما شرع لأجل إزالة الفتن ودفع الفتن، ليس لأجل إيقاع الفتن وتهييجها ودفع الناس إليها. صار بعضهم يدخل في تحميس الناس بهذا الدعاء، دعاؤه عبارة عن خطبة نارية، خطبة نارية يحمس الناس للانخراط في الفتن. وهذا لا يجوز. فلا يتابع الإمام ما دام هذا حاله. وإن استطعت أن تصلي في مسجد آخر، فصلي في مسجد آخر. يقول: سيقام في فرنسا بعد شهر قانون جديد يمنع من ستر الوجه في جميع الأماكن العامة. وإذا وجدوا أحدًا مع الوجه مستور، أوجبوا له دفع غرامة بقيمة 150 يورو، أي ما يعادل 45 ريال يمني. والحضور في تمرين المواطنة، يذكر له أهمية شؤون وعادات الجمهورية الفرنسية. فنريد نصيحة وتوجيهًا لإخواننا ولوالدينا من الآباء والأزواج، جزاكم الله خيرًا. إذا صح وثبت هذا، فالواجب على المسلمين أن يبادروا للخروج من تلك البلاد إلى بلاد أخرى أخف شرًا. الواجب عليهم. وهذا هو الأصل أن يخرجوا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. فالله جل وعلا أمر المسلمين أن يهاجروا من بلاد الكفر التي لا يستطيعون فيها إقامة الإسلام، حتى ولو كانوا مستضعفين. كما قال الله عز وجل: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها». لا يقول الإنسان: «أنا مستضعف». أنت مستضعف، أرض الله أوسع. فتقدر أن تخرج على قدر ضعفك، حتى ولو كان الأمر لا تخرج إلى بلاد الإسلام، تخرج إلى بلاد كفر آخر أخف شرًا. مثل ما فعل المسلمون في الهجرة الأولى. هاجروا من مكة، كانت بلاد كفر، إلى الحبشة. والحبشة بلاد كفر، لكنه كفر أخف من كفر مكة. ومع ذلك سميت هجرة. سميت هجرة. فلا بأس بالهجرة من بلاد كفر إلى بلاد كفر آخر أخف شرًا، إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يهاجر إلى بلاد الإسلام. حتى يهيئ نفسه للخروج إلى بلاد الإسلام. وفيما علمت ورأيت، ليس هذا بالصعب. إذا ابتلي المسلمون بمثل هذا القرار، وغيره من التجديد، ينتقلون. ممكن داخل فرنسا في ولايات أخرى، يخفف فيه، يغلب فيه المسلمون. وممكن أن يخرجوا إلى بلد آخر من البلاد المجاورة، التي يكون فيها يعني إقامة شعائر الإسلام أفضل من البلد التي فيها. وإن تأسر له الخروج، فهذا هو الواجب. من جميع بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما. يعني لا يجوز أن تكون مساكنهما قريبة، حتى يرى نار هذا من هذا. فالواجب على المسلمين الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. ولا يخفى، وقد تكرر في مجالس كثيرة، المفاسد الكثيرة التي تترتب على بقاء المسلم في بلاد الكفر، كثيرة جدًا. وهذا من ذاك الكثير. حيث المسلم لا يستطيع أن يقيم شعائر الإسلام. ولو أقام، فهو كذلك يخاف على نفسه، ويخاف على ذريته. وما أكثر المسلمين الذين بقيت لهم فقط مسميات الإسلام، وانسلخت أخلاقهم وعقائدهم وآدابهم، حتى ملابسهم وهيئاتهم عن معاني الإسلام. وهذا كثير. فأنت إذا أمنت على نفسك، لا تأمن على ذريتك. لا تأمن على من بعد هذه الذرية. وهذا الذي يطمع به الكفار، يطمعون في أبناء المسلمين وأبناء أبنائهم. فإنهم ينسلخون من الإسلام. وقد يقول قائل: في الوقت الحاضر، إذا ابتلي ماذا يصنعون؟ سأل بعض الإخوة في بلجيكا هذا السؤال. فذكرت لهم أنهم يخففوا الشر إلى أن يتيسر لهم الخروج من البلاد. يخففون الشر بقلة خروج المرأة. وإذا خرجت، ممكن تجعل على وجهها كمامة طبية. تعرفون الكمامة الطبية، بعض الكمامات الطبية تستر الوجه، تبقى العين مكشوفة، تنزل من فوق الخمار إلى نصف الجبهة. والكمامة الطبية تستر الذقن والأنف، فتبقى العينان مكشوفتان. وهذا من باب تخفيف الشر. ليس معناه يبقون على هذا، لكن حتى ينتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر. ولن يضيع ربنا جل وعلا أحدًا طلبًا رضاه وتقاه. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب. بعضهم يقول: أنا ما عندي بيت، والبيوت هناك صعبة جدًا جدًا. الجواب: لا بأس، تذهب عند بعض الإخوة، تستأجر منهم غرفة. وستجد إن شاء الله إخوانك السلفيون بحمد الله في كل مكان. سواء ذهب إلى إخواننا السلفيين في برمنجهام، والحمد لله دعوتهم قوية، وأمورهم متيسرة. وشراء الإسلام يظهرونها بحسب استطاعتهم. إلى أن يتيسر لك الخروج من بلاد الكفر مطلقًا إلى بلاد الإسلام، أو إلى البلاد المجاورة. فإخوانك مثلًا في هولندا، أو في إيطاليا، أو في ألمانيا، الحمد لله يقيمون الشرائع بما هو أحسن حالًا من البلد التي ربما أنتم فيها. ولا يجوز لولاة الأمور أن يتساهلوا في هذا الباب، فيكونوا سببًا لتضيع الدين شيئًا فشيئًا. وهم مسؤولون. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». ثم ذكر الرجل أنه راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. وهؤلاء الأبناء أمانة في أعناقنا. إن لم نؤد ما أوجب الله عز وجل علينا، فما أعظم السؤال عند الله حين تكون الخيانة مع أقرب الناس إليك. يقول: وكذلك مما نسمع حول هذا الموضوع، قول بعضهم: «زوجتي لن تخرج بعد ذلك». كأن هذا القانون لا يضره، ولا يغير شيء في حياته. ولا يعزم الهجرة، ويترك زوجته في هذه الحالة الشديدة. وقول البعض الآخر: «هذه المسألة فيها خلاف، والدين يسر، ليس بعسر». فنرجو التوجيه على هذين القولين. أولًا: ربما لا ينفذ هذا القانون. ونسأل الله عز وجل أن لا يتمه. وإذا ابتلي به المسلمون هناك، فقول القائل: أنه فالواجب السلوك ما سبق إشارة إليه. وقول القائل: «أنه لا يضره شيء». هذا غير صحيح، لأن المرأة تضطر للخروج مهما كان: للعلاج، لأي سبب آخر. فدعوة غير صحيحة وغير واقعية. وأما القول بأن الأمر فيه خلاف، والدين يسر. الدين يسر بالحق، ليس بالهوى. وكذلك المسألة فيها خلاف، لكن فيها راجح ومرجوح. فأنت ما دمت تعتقد أن الراجح هو الستر، فالواجب عليك العمل بما علمت من العلم. لا يكون تقلب الفتاوى يعني تقلب المواقف وتتبع الرخص بالفتاوى بحسب الأهواء. إذا ضعف، راح يبحث لك عن رخصة. هذا غير صحيح. وهذا مؤذن بشر، إذ أنك ربما إذا فعلت مثل هذا، دخل عليك الضعف، وكنت ممن في دينه رقة. فيخشى عليك من تتبع الرخص في أمور أخرى. مثل بعض الناس كذلك يتوسع في هذا، حتى ربما أخذ بعض الفتاوى الضالة من بعض أهل الأهواء، بحجة أنه قد أفتى به بعض من ينتسب إلى العلم. وأنا مسكين ما عندي علم، ومحتاج، ومضطر. دخل بعضهم في عقود الربا، فأخذوا بيوت بالربا، وسيارات بالربا، وأشياء كثيرة بالربا، ودراسة بالربا، وغير ذلك. وهذا ثمرت تتبع الرخص في الفتاوى. فإنه ما يدري إلا وقد خسر دينه بالمرة. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهم كيف شاء. فإذا زغت في مسألة، يخشى أن تزيغ في مسائل أخرى. كما قال الله عز وجل: «ولو أنهم فعلوا ما يعظون به لكان خيرًا لهم وأشد التثبيت». ومفهومه: إذا لم تفعل، يخشى عليك من عدم الثبات على الدين. وكما قال الله عز وجل: «فلما زاغوا وزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين». وكما قال الله عز وجل: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون». فيخشى على من تولى عن الحق الذي علمه أن يغير الله عز وجل قلبه. يقول: أخيرًا، إذا رأى الرجل جواز كشف الوجه للمرأة، وأوجب زوجته وبنته أن تكشف. هل عليها أن تطيعه؟ يعني إذا خالفته في الفتوى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إلا إذا ترتب على هذا ضرر ومفسدة، فالضرورة لا أحكام كانت. ابتلى بأب قاس عنده ضعف في دينه، وربما يشد عليها بالضرب، وغيره. فيتدفع عن نفسها بذلك قدر المستطاع. يعني ربما تستعمل الأخف فالأخف. فمرة أمامه تكشف، وإذا ذهب تستر. أو إذا كشف تكشف بكيفية يكون فيها ستر أكثر الوجه. مثل ما يفعل نساء الأتراك، يستعمل الخمار على وجه يكون فيه تلثم. فعلكم تعرفون هذا. بعض الذين رأوا نساء الأتراك يأتون إلى الحج أو غيره، يستثر بالخمار نفسه. فممكن تفعل هذا تخفف الشر. ولا يجوز له أن يفعل مثل هذا، ويؤدي ماذا قريبته. يقول: هل يمكن نصح المسلمين في الغربة ما يتعلق بأخذ الأسباب لاستعداد الهجرة؟ لأن الكثير يرى أنه لا يستطيع الهجرة، لكنه لا يتصرف في صلاح أمره للتمكن من الهجرة. وهذا هو الواقع. صحيح، الواقع أن قول الكثيرين: «أنه لا يستطيع الهجرة» هو عجز، عجز عن الهجرة. وإلا هو يستطيع إذا تهيأ لذلك وأخذ الأسباب، فإنه يستطيع. فأكثر من هناك صرفياتهم الشهرية شيء خيالي، ينفق نفقات خيالية. وأكثرها في الكماليات والتوسع في المباحات. بينما لو اقتصد نصف النفقة، يمكن النصف الآخر يكفيه للهجرة. النصف الآخر يكفيه للهجرة. أقل راتب كم يستلم هناك؟ تقريبًا كم؟ نعم، 1300 يورو، 1500. أنا أعرف بعض الإخوة يعمل في البناء في اليوم ب500 يورو، يعني أشياء خيالية. إذا كان يستلم 1300، ليس شرط أن يأخذ بيت ب800 يورو. ممكن يأخذ بيت متواضع صغير. أظن يختلف من مدينة إلى مدينة، ومن مكان إلى مكان. نعم، ربما هذا في باريس أو المدن الكبيرة، 800 يورو أقل شيء. وإلا يعني ربما يكون أقل في مناطق أخرى. أعرف بعض الإخوة مستأجر بأقل بكثير. ليس شرط حتى تسكن في المدينة، المواصلات متأسرة، تسكن خارج. نعم، وبعض الناس يسكن في بيت لا يدفع عجرة. وهذا نادر على بعض الإخوة، نادر. لكن أقصد إذا حرص الإنسان، إذا كان عنده هم أن يخرج من بلاد الكفر، ويخاف على أبنائه وأولاده هنا، يصل إلى الحل إن شاء الله. لكن إذا كان يقول: «إن شاء الله سنهاجر، ونريد الهجرة، لكن ما يتيسر لنا». وهو ما إن شاء الله كل يوم في الكماليات، وفي الرحلات، وفي يعني توسع في المباحات، وأشياء نحو ذلك. بعض الإخوة يعني يعرفهم، ربما صرفياته في الحلويات فقط أكثر من 300 يورو. أكثر من 300 يورو، 400 يورو في هذه الأشياء الكماليات. أو ربما بعضهم يشتري شيء يسير: عصير ب100 يورو مرة واحد، عصير ب100 يورو أو 200 يورو أو شيء نحو ذلك. أنت تستطيع تقتصد، لماذا لا تقتصد؟ اقتصد وجمع المال لأجل أن يعينك الله لأجل الهجرة. ثم ليس شرط أن تجمع مال كثير، لأن بعض الناس كذلك يعجز في هذا الباب، ويحتار. غيرك خرج وما عنده إلا مال يسير، لكن تسبب يعني مثلًا تعلم مهنة، يستطيع بها أن يعمل في بلاد الإسلام، تكون إنسان صاحب مهنة. سواء مدرس أو مهني أو ميكانيك أو مهندس أو أي شيء. تستطيع بهذه المهنة أن تبقى في بلاد الإسلام، وتنفق على نفسك وعلى أسرتك. فإذا استطعت ذلك، فهذا من الأخذ بالأسباب. ونسأل الله عز وجل أن يلهم الجميع ما فيه صلاح دينه ودنياه. وإلا في الحقيقة المسألة مسألة غفلة، أكثر ما يكون غفلة. هذا لمن علم أنه يجب عليه. وإلا بعضهم لأجل رخاء العيش هناك، وما تعود عليه، يغالط نفسه، ويقول: «فلان أفتى بأنه لا يجب، وفلان وفلان». ونحو ذلك، ما أنه يرى بعينه مفاسد بقائه في بلاد الكفر. ما من منصف، مهما بلغ من العلم، قل أو كثر، إذا كان منصفًا، سيعرف أن بقاءه وبقاء أسرته في بلاد الكفر فيها مفسدة عظيمة، عظيمة، عظيمة. لكن أين المنصفين؟ هنا السؤال: إذا وجد الإنصاف، فلن يرضى لنفسه ولا لأسرته البقاء في بلاد الكفر. طيب، نكتفي بهذا. قد أخذنا وقتًا طويلًا، جزاكم الله خيرًا.