الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 14، الدرس الرابع عشر:( ولا يبقى في يد الراهب مال إلا ما يتبلغ به فقط ... وإن ظهر منه قصد العموم انتقض عهده ووجب قتله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أحكام الجزية والعشور على الكفار، حيث تؤخذ الجزية من المقاتلين الأغنياء ويعطى الفقراء من بيت مال المسلمين، ويلزم الكفار بدفع العشور مقابل إعانتهم للمجتمع المسلم. يُبين الشيخ ابن بريك كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الأحكام.
يتناول حكم الذمي الذي يمارس التجارة أو الزراعة مع الكفار ويعاونهم على دينهم، وأحكام فرض الجزية عليه، كما يبين حكم سب الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب قتله سواء كان كافرا أو مسلما.
يتناول عقوبة الذمي الذي يسب المسلمين، حيث يعاقب بالتعزير أو القتل حسب نية السب، كما يُبين أن القتل يردع الكفار عن التطاول على الإسلام ويزجرهم لحماية الدين من الإساءة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال: ولا يبقى في يج الراهبي مال إلا ما يتبلغ به فقط». معناه: الراهب الأصل أنه لا تأخذ منه الجزية؛ لأنه ليس من أهل القتال. والمراد بالراهب الذي قد خلى بنفسه واعتزل مجتمعه وتفرغ للعبادة. فمن كان هذا حاله وعنده مال، فيعطى من المال ما يتبلغ به. فإن كان عنده شيء زائد على هذا، فإنه يؤخذ منه. وأخذ هذا المال هو أصلا يجعل في مصالح المسلمين، ومن معهم من الكفار. فنحن نعلم أن الجزية كما تقدم معنا إنما تأخذ ممن هو محل القتال. فحماية المسلمين لنساء الكفار وذراريهم، وقيامهم بمصالحهم، كل هذا من بيت مال المسلمين. فلهم مال المسلمين، لهم مال المسلمين، يعطونهم الحقوق التي يأخذونها في المجتمع المسلم. فكون بعض الكفار يساهم في ذلك، إن كان عنده فضل مال، هذا ليس من الظلم، بل هذا من القيام ببعض رد الجميل الذي يقوم به المسلمون للكفار، أي هؤلاء أهل العهد والميثاق. حتى لو أن امرأة كافرة ليس عندها من ينفق عليها، فمن ينفق عليها؟ بيت مال المسلمين ينفق عليها. بيت مال المسلمين لا تموت جوعا في بلاد الإسلام، لا تموت جوعا في بلاد الإسلام، إن لم تجد من ينفق عليها، فسينفق عليها بيت مال المسلمين، مع أنها لا تدفع جزية. الجزية يدفعها من؟ يدفعها المقاتل الرجال البالغين من الكفار فقط. وربما يكون عند هذا الرجل الكافر ذرية كبيرة ونساء كثير، لا يدفع منهم أحد شيء. إنما يدفع المقاتلون، بل وأرباب الأموال من المقاتلين. وهذا كما مر معنا في شروط عمر رضي الله عنه لأهل الذمة. فرق بين الأغنياء والفقراء، فرق بين الأغنياء والفقراء. وكان ما قضاه على الكفار شيء يسير جدا، شيء يسير جدا. قال رحمه الله: «ويجب أن يأخذ منهم ما لنا، كالرزق التي للديور والمزارع إجماعا». ومعناه: أنه يجب أن يأخذ من الكفار ما لا يصلح لهم وما هو للمسلمين. فإن كان هناك شيء هو من خصائص المسلمين، فيأخذ للمسلمين. وإن كان شيء يستحق فيه أخذ جزية، فيأخذ منهم، كالعشور التي تخرج من الأرض بالنسبة للكفار. فالكافر لا يدفع زكاة. الكافر هل يدفع زكاة؟ ما يدفع زكاة؟ ما يدفع زكاة؟ والمسلم ماذا؟ يدفع زكاة، يخرج الزكاة، زكاة المال وزكاة بهيمة الأنعام وزكاة عروض التجارة وزكاة الخارج من الأرض، أربعة أصناف من الزكوات يدفعها المسلم. والكافر يدفع العشر، وهو ما يسميه العلماء بالعشور. هذا العشر يخرجه الكافر كذلك في مقابل إعانة هذا المجتمع الذي يعيش فيه، هو يعيش في مجتمع يحتاج أن يعاون فيه. فتعاونه في هذا المجتمع يكون بهذا العشر، يكون بهذا العشر. على أن هناك تفاصيل ذكرها الفقهاء فيما جاء من آثار روية عن السلف في هذا العشر، فإنه قد يخفف بحسب الأصلح. قال: «ومن له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم، كمن يدعو إليه من راهب وغيره، تلزمه الجزية وحكمه حكمهم بلا نزاع». يقول: «ومن له تجارة منهم أو زراعة»، يعني فضل غنى، وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم، يعني للكفار، ولو كان ممن لا تجب عليه الجزية في الأصل. قال: «كمن يدعو إليه من راهب وغيره». الأصل أن الراهب لا يدفع شيء؛ لأنه رجل معتزل بالعبادة والطاعة. لكن إذا قيل: الراهب الفلاني عنده مزرعة، والراهب الفلاني شريك في التجارة الفلانية، يقال: هذا ليس راهب. نحن نعرف أن الراهب قد انقطع عن الدنيا، إنما يكتفي بالزاد اليسير الذي يتبلغ به في حياته، يكتفي بطعام في الصباح، في المساء يمشيه في حياته؛ لأنه انقطع للعبادة. أما راهب عنده مزرعة وعنده تجارة وعنده كذا وكذا وزيادة على هذا، ويخالط الكفار ويعاونهم في أعمالهم وفي دينهم، فإذا هذا يحتاج أن يفرض عليه جزية. وهذه الجزية تختلف. فإن كان كفرد، فهناك على الرؤوس جزية خاصة للأفراد، أي الأفراد البالغين العاقلين الذين هم مضنة القتال. وإن كان من أرباب الأموال، فبحسب ماله. إن كانت أرض مزروعة أو تجارة أو نحوها، فهي تدور حول العشر. قال: «وحكمه حكمهم بلا نزاع»، يعني كحكمهم؛ لأنه خرج من الوصف الذي لأجله سقطت عنه الجزية. قال: «وإذا أبى الذمي بدل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا، انتقض عهده»، يعني صار كافر حربي، صار كافرا حربيا. وعند ذلك يقال له: لا مقام لك عندنا، تخرج من هذه الديار. ومعنى الصغار كما تقدم معنا: عدم إظهار شيء من الدين، أي دينه، وعدم التعالي على الإسلام والمسلمين. والمراد بالالتزام بالحكم: حكم المسلمين، يعني في الظاهر. وأما في الخفاء وفي بيته، يفعل ما هو في دينه، لكن لا يظهر هذا في المجتمع المسلم. قال: «وساب الرسول صلى الله عليه وسلم يقتل ولو أسلم، وهو مذهب أحمد». وفي هذا خلاف مشهور بين الفقهاء على تفاصيل كثيرة يذكرونها. والصحيح ما ذكر رحمه الله. قد ألف رسالة في هذا المعنى سماها «الصارم المسلول في شاتم الرسول»، وأبان من أدلة الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة: أنه لا إشكال أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم يقتل، كافرا كان أو مسلما، على خلاف هل يقتل حدا أو ردة. ولكن اتفقت كلمة السلف والأئمة المشهورين على قتل ساب الرسول صلى الله عليه وسلم. وبعضهم قيد بقيود، جمعا بينما ورد في الباب من أدلة، حتى لا يخترم هذا المعنى أحد ببعض تلك الأدلة. فقال: «ساب الرسول صلى الله عليه وسلم يقتل ما لم يكن السب خفيا أو في شبهة». فالخفي يجاب به على قول من قال من الفقهاء: أن الكفار لا يلحقهم هذا الحكم، وأهل العهد والذمة والميثاق؛ لأن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «السام عليك»، ولم يقتلهم. وهذا من السب. والجواب عن هذا: أن هذا خفي، هذا خفي، ما كان ظاهرا. ولأنه خفي لم يلحقهم هذا الحكم، بخلاف المرأة التي قتلها الأعمى، كما صح من غير وجه، فإنها قالت شيئا ليس بخفي. وهكذا كذلك ما كان فيه شبهة، وبه يجاب عن سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك تكذيبهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم. بعض أهل العلم قال: وأي شيء أعظم سبا من تكذيب رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال: هذا لهم فيه شبهة، لهم فيه شبهة. ولهذا أقر الإسلام هذه المعاملات مع أهل الكتاب، وأمرهم إلى الله، أمرهم إلى الله. لكن المراد بالقتل الذي ذكره العلماء، ومن بعدهم من يعني ما ذكره السلف الصالح، ومن بعدهم من الأئمة وأهل العلم، إنما هو السب الصريح، السب الصريح. وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. قال رحمه الله: «ومن قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبيل المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب، ونحو ذلك مما فيه مضر على المسلمين، فهذا يقتل ولو أسلم». وكل هذه المعاني فيها معنى حكم الجاسوس وزيادة. وقد مر معنى أن الجاسوس في الإسلام يقتل، يعني الذي يتجسس للكفار، الجاسوس الحربي يقتل، بدليل حديث سلم من الأكوع في الصحيحين، وغيره من الأحاديث التي فيها قتل الجاسوس الحربي. وهذه الأعمال هي من فعل الجاسوس الحربي وزيادة، فاقتضى أن من فعل ذلك انتقض عهده، وكان حكمه في الإسلام القتل. هذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل: لأن في هذا ردع وتخويف لأهل الذمة أن لا تحصل منهم خيانة؛ لأنهم إذا علموا أن حكم الخائن في الإسلام القتل، تركوا ذلك. ومما يؤيده ما في الصحيحين في قصة حاطب بن أبي بلتع رضي الله عنه. قال عمر رضي الله عنه: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه يا عمر، إنك لا تدري، فلعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». الشاهد: الحديث فيه مسائل كثيرة، لكن الذي يتعلق بهذا المقام فيه دليل على كما قال بعض أهل العلم: على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهاتين الكلمتين من عمر لفاعل ذلك، لو كان غير حاطب، لو كان غير حاطب. لأن حاطب من أهل بدر، فشفع له ماذا؟ عمله الصالح، شفع له عمله الصالح. فلو كان غير حاطب، كان هذا الفعل نفاق. ولهذا قال العلماء: هذا الفعل نفاق. أقر النبي صلى الله عليه وسلم عمر إذ سماه نفاقا. والثاني: أقره في أنه يقتل من فعل ذلك من المسلمين، يقتل. فكيف إذا كان من أهل الذمة؟ كيف إذا كان من الكفار ومن أهل الذمة؟ فإنه يقتل، فإنه يقتل. وكما قلنا: هذا فيه تأذيب وزجر. قال رحمه الله: «ولو قال الذمي: هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب ينغصون علينا حياتنا، إن أراد طائفة معينة من المسلمين، عوقب عقوبة تزجره، كغيره من المسلمين». السب والشتم ليس فيه حد في الإسلام، لكن فيه ماذا؟ فيه التعزير. يعزر الإمام بما يرى أنه يردع مثله، حتى لا يتفشى في المجتمع السب والشتم ونحوه. فليس المسلم بالسباب ولا الفاحش البديء. فإذا وقع من كافر على مسلم، فهو أشد إذا كان من مسلم على مسلم، فله عقوبة في الإسلام. فكيف من كافر على مسلم؟ ولو كان لأجل خصوم بينهما. ولهذا قال: «إن أراد طائفة معينة من المسلمين، عوقب عقوبة تزجره؛ لأنه واحد من أفراد هذا المجتمع، فله ما لهم وعليه ما عليهم». فالمسلم يعاقب، فكذلك من باب أولى الذمي يعاقب. قال: «وإن ظهر منه قصد العموم، انتقض عهده ووجب قتله؛ لأنه بهذا يطعن في الإسلام؛ لأنه عمم الحكم». فإذا عمم الحكم، طعن في دين الإسلام، فكان في هذا استحقاق ماذا؟ القتل، لأجل ذلك، حتى لا يتطاول أحد على دين الإسلام، لا يتطاول أحد على دين الإسلام، فيكون في هذا الزجر وردع لهؤلاء الكفار أن لا يتطاولوا على دين الإسلام. والله تعالى أعلم.