كتاب الطهارة 5

كتاب الطهارة 5

الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب قضاء الحاجة وأحكام التخلي

يناقش أحكام التخلي واستقبال القبلة واستدبارها، ويشرح آراء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة. يتطرق أيضًا إلى مسائل متعلقة بالصلاة والتخلي.

أحكام الذكر عند العطاس في مختلف المواضع

يُناقش حكم ذكر الله عند العطاس في الخلاء وأثناء الصلاة، ويستند إلى آراء الإمام أحمد وشراحه. يشير إلى أن التحريك بالشفتين يكفي سواء مع صوت أو بدونه.

أحكام الاستجمار والتبول في المسجد واستخدام مرافق الأوقاف

يتناول أحكام الاستجمار وجوازه، وتحريم البول في المسجد، وحرمة اتخاذ المسجد مكانًا للذبح أو طريقًا. يشرح أيضًا أحكام استخدام الكفار لمرافق الأوقاف.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب الطهارة من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن مريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله في مسألة آنية الذهب والفضة، وشيء من الأحكام في المسائل التي اختلف فيها. مما مر معنا أنه يجوز تطبيب إناء الفضة، ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل حديث أنس بالتضبيب إناء النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، وعلمنا كذلك فيما سبق الضابط في هذا التضبيب، ما هو الضابط في هذا التضبيب؟ نعم، الضابط أن يبقى ما تقتضيه الحاجة. طيب، لكن إذا استطعنا أن نفعل غيره نفعل غيره، إذا استطعنا غير الذهب والفضة. لكن إذا اقتضته الحاجة ولا بديل، فلا بأس بهذا. هذا الأمر الأول، والثاني أن يكون يسيرًا، أن يكون يسيرًا، نعم، لا يكون كثيرًا. ومر معنا كذلك الكلام الراجح في استعمال الذهب والفضة في الآنية، إذا كان للزينة، فما هو الراجح في هذا؟ ها؟ ما هو الراجح؟ لا يجوز للزينة، مثل المكحلة أو المرود أو رأس المكحلة أو طرف المكحلة أو الحلقة من الآنية ونحو ذلك. وكل هذا لا يجوز؛ لأنه من الترفه والزينة، والزينة وهذا التوسع في أخذ الرخصة؛ لأن الرخصة تدل على أصل المنع، أن أصل المنع باقٍ. ولهذا يقول العلماء: الاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم. يعني إذا الشرع استثنى التضبيب، دل أن ما غير التضبيب باقٍ على أصل المنع، وهو عام. باقٍ على أصل المنع، وهو عام. فإنما جاء الاستثناء في التضبيب، فلا يجوز أن تقيس عليه غيره، فتقول: يجوز في غير التضبيب إذا كان يسيرًا في المكحلة وفي غيره من الأشياء الأخرى. وعلمنا أنه في باب اللباس يختلف، في باب اللباس يختلف. فما حكمه في باب اللباس؟ نعم، عند من فضل هذا في الحرير يرخص قدر أربع أصابع، وفي غير الحرير في الذهب، وفي الضو أربع أصابع. ماذا يرخص؟ عند من؟ يرخص في الشيء اليسير. لكن في الذهب جاءت العثار في نعلة السيف، وما كان بمعنى مما قد يحتاج إليه. تذكرون أين وقفنا آخر شيء؟ كنا نتكلم عن الجنابي، الصحيح أن الشيء اليسير الذي يحتاج إليه رخص فيه بعضهم. للعلم، والأفضل والأحوط تركه، إلا إذا كان في حاجة لشيء يصير لا يثبت إلا به، فلا بأس. والأفضل تركه. لا يقولون: إذا كان قرن حقيقي، القرن الحقيقي لا يثبت. أنا لا أدري، لكن هكذا قرأت وسمعت. لا يثبت معدن مثل الفضة والذهب، يثبت. يعني، لا ينكسر. إذا كان غير الفضة والذهب، ينكسر. وربما يكسر القرن، والقرن غالي. القرن الحقيقي يعني مكلف. فهؤلاء الذين يجعلون له إما فضة وإما ذهب؛ لأنه لا يضر بالقرن، ولا ينكسر. ولكن يحتاج سؤالهم للخبرة: هل هذه المعلومة صحيحة أو لا؟ فإن كان صحيحًا، فلا بأس. يعني على ما جاء في بعض الآثار في هذا. ولا يتوسع في هذا الباب. فإن استطاع الفضة، لا ينتقل إلى الذهب. وإن استطاع غير الفضة والذهب، فهو كذلك أولى. لا يتوسع. طيب، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب أدب التخلي. أي هذا مدخل في معرفة أدب التخلي. والتخلي كناية عن قضاء الحاجة. وسمي تخليًا؛ لأن صاحبه يخلو بنفسه، يذهب فيخلو بنفسه. وهذا من أدب اللغة العربية، اللغة العربية لا تذكر الأشياء القبيحة بأسمائها. فيقولون: التخلي، أي ذهب إلى الخلاء. ويقولون: لامس، أي أتى امرأته. وغير ذلك من العبارات اللطيفة المهذبة المؤدبة التي تكني عن الأشياء التي يستقبح ذكرها. وهذا من يعني ماذا؟ من خصائص اللغة العربية وبلاغتها. ولهذا صار في العصر الحديث اللغات الأخرى يقلدون اللغة العربية. يقلدون اللغة العربية، لكن إذا ترجمتها ترجمة حرفية، يعني تجد كلمات غريبة ليست مناسبة. بينما في اللغة العربية يعني مناسب؛ لأن الألفاظ فيها معاني قريبة، فيأخذونها من المعاني القريبة. ذهب إلى التخلي، يعني ذهب إلى الخلاء. يخل بنفسه، مفهوم. ولذلك تجد يسمى كذلك الحمام والمرحاض، على العبارة المهذبة: بيت الخلاء، بيت الخلاء. يعني يعني تخل بنفسك، خلاص معروف ما هو المقصود. قال رحمه الله تعالى: يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقًا، سواء الفضاء والبنيان. وهو رواية اختارها أبو بكر عبد العزيز. ولا يكفي انحراف عن الجهة. قلت: وهو ظاهر كلام جده. والله أعلم. هذه مسألة نقلها عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعن جد شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي له كتاب المنتقى. فهو يعني جد شيخ الإسلام ابن تيمية، وأبوه. كلاهما كان عالمًا. فيريد رحمه الله أنه قال بهذا القول: يحرم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي مطلقًا. والمسألة فيها خلاف، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام. بل ويرى أن هذا عام، سواء كان في الفضاء، يعني ليس بينك وبين القبلة شيء، مثل الصحراء. أو في البنيان، أن تكون داخل الحمام أو بيت الخلاء. وكذلك قوله: ولا يكفي انحراف عن الجهة. يعني؛ لأنه جاء في بعض الآثار أن الصحابة كانوا ينحرفون ويستغفرون الله عز وجل، لما أتوا الشام وجدوا المراحض قد بنيت إلى جهة القبلة. فكانوا ينحرفون ويستغفرون الله عز وجل. فيقول: ولا يكفي الانحراف. يعني امتثالًا للأحاديث التي جاء فيها النهي. والصحيح في هذه المسألة ماذا؟ الصحيح أنه يكره ولا يحرم. يعني إذا كان هناك بنيان. وأما في الفضاء، فالقول بالحرمة قريب. ولكن الصحيح أنه كذلك ليس هناك شيء صحيح صريح يدل على هذا التعميم. فالاستثناء الأول حديث ابن عمر في البنيان، وحديث جابر في الاستدبار. فلهذا قال العلماء: الأولى القول بالكراهة لا بالتحريم. ومع البنيان يكون الجواز. ومع البنيان يكون الجواز في الاستدبار لا في الاستقبال. في الاستدبار لا في الاستقبال. والله أعلم. جمعًا بين الأدلة التي وردت في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: روى عبد الله وحمل عن أحمد: إذا عطس الرجل في صلاته يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته. ويحمد الله في نفسه إذا عطس بخلاء. وكذلك في صلاته. هذه ثلاثة مسائل: المسألة الأولى: إذا عطس الرجل في صلاته. والمسألة الثانية: إذا عطس وهو في الخلاء. والمسألة الثالثة: يفرق إذا كان قد عطس في الصلاة، وهو وحده مأمومًا وحده، ليس بمأموم، أو كان مأمومًا. أما المسألة الأولى: إذا عطس الرجل في صلاته يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته؛ لأجل أن لا يشوش على من حوله، يعني من المأمومين أو الإمام. هذا في حال كونه مأمومًا. وأما المسألة الثانية: إذا عطس وهو في الخلاء، فكذلك يخفض بصوته ويحرك شفته؛ لأنه في موضع الخلاء. بل الصحيح والأحوط أنه يبتعد عن مكان التخلي؛ لحديث ميمونة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استنجى تنحى عن المكان الذي استنجى منه، ثم توضأ وضوءه للصلاة. قالوا: العلماء في هذا فائدتان: الفائدة الأولى: أن يبتعد عن المكان الذي تخلى فيه؛ فربما تبقى فيه آثار النجاسة، فيبتعد عن مكان النجاسة. الفائدة الثانية: أنه إذا احتاج أن يذكر الله، فسيذكر الله في موضع ليس فيه نجاسة. وهذا من أدب النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في التخلي. علمنا عليه الصلاة والسلام كل شيء، حتى أحكام التخلي. حتى أحكام التخلي. والحمد لله، اليوم محل الحمامات تجدون مكان التخلي بعيدًا من مكان الوضوء. تجد التخلي في جهة، وبطرف بيت الخلاء والحمام. مكان المغسال الذي تتوضأ فيه. فإذا هكذا تفعل: إذا انتهيت من التخلي، تذهب إلى المكان الذي تريد فيه تتوضأ وتتوضأ وتذكر اسم الله. ولكن بتحريك شفتيك، وصوت غير مرتفع. وصوت غير مرتفع. كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول الإمام أحمد. وهكذا عن عبد الله فيما يرويه عن أبيه. المسألة الثالثة: إذا كنت في صلاتك وحدك، فكذلك يقول: الأولى تخفض صوتك في العطاس إذا حمدت الله. يعني لا ترفع صوتك وتقول: الحمد لله، مثل ما أنت كأنك ليس بصلاة. لماذا؟ تأدبًا مع الصلاة. تأدبًا مع الصلاة. فأنت تحمد الله، ولكن بصوت منخفض. تأدبًا مع الصلاة. قال رحمه الله تعالى: قال أبو داود للإمام أحمد في الرجل يعطس في الصلاة المكتوبة وغيرها، قال أحمد: يحمد الله ولا يجهر. قلت: أن يحرك بها لسانه؟ قال: نعم؛ لأن الكلام لا يكون كلامًا إلا بحركة اللسان والشفتين عند الحاجة. والشفتين عند الحاجة. وأما الكلام الذي في القلب، ليس بكلام. لا شرعًا ولا لغة. قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما يصيح مسلم- من حديث أبي هريرة: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم. فعلم أن حديث النفس ليس بكلام. حديث النفس ليس بكلام. فهذا هو مذهب الإمام أحمد، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. كما نرى فيما اختاره تلميذه البعلي. قال رحمه الله تعالى: قال القاضي: وفي هذا المعنى إذا عطس في الخلاء. فقد نقل صالح وابن منصور: يحمد الله في نفسه. يعني عن الإمام أحمد. نقلوا أنه يحمد الله في نفسه. كذلك التأدب في ذكر الله، ألا يكون في مكان الخلاء. قال: ونقل بكر بن محمد: يحرك به شفتيه في الخلاء. قال القاضي: يعني بحيث لا يسمعه. وهذه مسألة يسيرة، وقع فيها الخلاف: هل يحرك الشفتين بما يسمع به نفسه، أو يكفي يحرك الشفتين بدون أن يسمع نفسه؟ الأمر سهل. إن حرك فأسمع نفسه، أو لم يسمع نفسه، المهم أنه فعل الذكر المطلوب بغير صوت مرتفع. بغير صوت مرتفع. قال: وقال: ما لا يسمعه لا يكون كلامًا. والصحيح أنه يكون كلامًا. ما دام أنه حرك شفتيه. ما دام أنه حرك شفتيه؛ لأنه قال: ما لم تعمل. وتحريك الشفتين عمل. أو تتكلم. معناه: بصوت أو بغير صوت. ما دام حصل، فهو يجزئ. فهو يجزئ. والدليل حديث أبي هريرة، كما تقدم. معناه: قبل قليل. ولهذا وقع الخلاف. والصحيح أن كلا القولين صحيح. المهم يحرك الشفتين، مع صوت أو بدون صوت. لا حرج. قال رحمه الله تعالى: فيجري مجرى الذكر في نفسه. فلا تفصيل في الرواية عنه. كأن القاضي أولًا قد جعلهما على روايتين. والصحيح أنهما روايتان عن الإمام أحمد. كلاهما صحيحة. يعني في رواية قال: يحرك يسمع. وفي رواية لم يتعرض لمسألة التسميع. يعني إسماع الصوت. وكل الروايتين صحيح. ولا مانع من فعل هذا وهذا. قال رحمه الله: قال أبو العباس -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- قال: أما مسألة الصلاة، فتفارق مسألة الخلاء. فإن الحمد لله ذكر لله. ونص أحمد يقتضي أنه يقول في الصلاة بمنزلة أذكار المخافة. لكن لا يجهر به كما يجهر به خارج الصلاة. ليس أنه لا يسمع نفسه. وهذا هو الصحيح: أن ماذا؟ بالإمام أحمد: أنه لا يمنع من أن يتلفظ ويسمع. ولكن ليس كإسماع الأشياء التي هي من أذكار الصلاة، ويجهر بها. فأذكار الصلاة تنقسم إلى قسمين: أذكار مخافة، مثل ذكر الركوع والسجود. وأذكار ليست فيها مخافة، مثل الاعتدال والانتقال، وغيره من الأذكار الأخرى. فذكر الاعتدال والانتقال، هذا ليس من المخافة. وإنما يرفع بها الصوت: كنت مأمومًا أو كنت إمامًا أو كنت منفردًا. ترفع صوتك، تسمع نفسك أو تسمع غيرك. وإذا كنت مأمومًا، فلا حرك. يكفي ماذا؟ انتقال المأموم الإمام، فهو يغني المأموم. لكن إذا كنت منفردًا، فهل انتقالك واعتدالك وذكرك في الانتقال والاعتدال يكون مثل ذكرك في السجود والركوع؟ الجواب: لا. فإذا هناك ذكر يكون فيه مخافة، وذكر ليس فيه مخافة. وأنت تجعل الذكر الذي هو الحمد لأجل العطاس من الذي فيه مخافة. تحريك الشفتين مع صوت يسير أو بدون صوت، فلا حرج. قال رحمه الله تعالى: وأما مسألة الخلاء، فيحتمل أن يكون ما قاله القاضي. ويحتمل أن تكون الروايتان معناهما الذكر الخفي عن غيره، كما في الصلاة. ويحتمل أن يكون في المسألة روايتان: إحداهما في نفسه بلا لفظ، والثانية بلفظ. والصحيح أنه لا تعارض بين الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. فيجوز مع الصوت، ويجوز بدون الصوت. ما دام أنه حصل عمل وحركة الشفتين. قال رحمه الله: يكره السلت والنتر. ولم يصح الحديث في الأمر به. والمشي والتنحنح حقيب البول، بدعة. يعني يكره التكلف في إخراج ما تبقى من بول أو غائط. فلا حاجة أنك تعصر بطنك، أو كذلك تسلت موضع البول، أو تنثر وتضرب. وغير ذلك. ولا المشي تمشي قطوات داخل الحمام، أو تتنحنح. لماذا؟ لأن بعضهم يقول بهذا؛ لأجل أن لا تخرج قطرات بعد خروجك من الخلاء. وكل هذا من التكلف الذي نهينا عنه. وفي حديث عمر وسلمان: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف. ونهينا عن التكلف. ولهذا قال: المشي والتنحنح حقيب البول، بدعة. لماذا؟ لأنه يفتح باب الوسواس والتعبد لله فيما لم يتعبدنا الله به، من البدع والمحدثات. قال عليه الصلاة والسلام: من أحدث بأمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد. أي مردود عليه. قال رحمه الله: يجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج إلى الصفحتين. يعني الخصيتين والحشفة. يعني تعدى مخرج البول. وهذا هو الصحيح، خلافًا لبعض الفقهاء. بعض الفقهاء يقولون: لا يجوز الاستجمار إلا لموضع الخارج. فإذا تعدى النجاسة موضع الخارج، فلا يجزئك إلا الماء. ما هو الدليل؟ لا دليل. بينما السنة دلت أنه يجوز الاستجمار. فالصحيح هو هذا. وقد مر معنا أن إزالة النجاسات من باب التروك، وأنه المقصود منه إذهابه. فإذا ذهب بالاستجمار، فقد ذهب الحكم. وعمومات الأدلة تدل على هذا. وهذا هو الصحيح. فإذا انتقلت النجاسة إلى الحشفة بالنسبة للرجل، أو الصفحتين، يعني الخصيتين، أو غير ذلك، فإنه يجزئ إزالتها بالاستجمار. مثلا المناديل اليوم، مناديل الخلاء والحمام، تمسح بها فيزول. تزول النجاسة، يزول الحكم. ولا شك أن استعمال الماء أفضل. لكن إذا فعل هذا، هل يجوز؟ الصحيح أنه يجوز ويجزئ. يجوز ويجزئ. واستعمال الماء أفضل. قال رحمه الله تعالى: ولو استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، فعليه أن يكمل المأمور به. وإن أنقى بدونه. يعني يجب أن يكمل بثلاث على أقل التقدير، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. قال: وإن استجمر ولو بروث، أجزأه. ويجزئ بعظم وروث. يحرم. ولكن إذا وقع، هل زالت النجاسة؟ ها؟ الصحيح أن النجاسة تزول مع الإثم. النجاسة تزول مع الإثم. الإثم؛ لأنه فعل محظورًا. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بالعظم والروث. فإذا وقع، هل تزول النجاسة؟ الصحيح: نعم، تزول. فهو من حيث زوال النجاسة وقع، ولكنه يأثم؛ لأنه استعمل المنهي عنه. قال: قلت: وكذا ما نهى عنه في ظاهر كلامه. والله أعلم؛ لحصول المقصود. ولأنه لم ينه عنه؛ لأنه لا ينقي، بل لإفساده. لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ليس لأجل أن الروث والعظم ماذا؟ لا ينقي. ولكن نهى عليه الصلاة والسلام لأمرين اثنين: الأمر الأول: أنه طعام الجن ودواب الجن. والأمر الثاني: أنه لأجل كذلك ماذا؟ كونه يضر؛ لأنه يضر. فالأمراض تنتقل بالروث. فإذا استنجى واستجمر بالروث، انتقلت الأمراض إليه من الدواب. وإذا استجمر أو استنجى بالعظم، ربما جرح نفسه. وكذلك الأمراض تنتقل بالعظم. فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بعظم أو روث. وإذا وقع، فإن الاستجمار يصح مع الإثم. قال رحمه الله تعالى: فإذا قيل: يزول بطعامنا مع التحريم، فهذا أولى. والأفضل في الاستنجاء أن يجمع بين الماء والحجر. ولا يكره الاقتصار على الحجر على الصحيح. وكل هذه المسائل الثلاثة الأخيرة صحيحة. يعني يحرم الاستجمار والاستنجاء بالطعام، يحرم. فإذا وقع إنسان جاهل أو متساهل، فعل هذا، هل نقول له: عيد الصلاة، عيد الاستجمار، وعيد الوضوء، وعيد كل شيء؟ لا نقول: تب واستغفر الله. صلاتك صحيحة، استجمارك صحيح، وضوءك ماذا؟ صحيح. لكن فعلت شيئًا محرمًا. تب واستغفر الله عز وجل. وهكذا المسألة الثانية: الجمع بين الماء والحجر، فالصحيح أنه يجوز. أنه يجوز، وهو أفضل. وهو الأفضل. والثالثة: لا يكره الاقتصار على الحجر. يعني الاستجمار بغير الماء. سواء حجر أو مناديل، أو غير ذلك من أنواع المنقيات التي تحصل بغير الماء. فكله يجوز، ويحصل به الإجزاء. ولكن الأفضل الجمع بين الاستجمار والماء. لماذا؟ لأن عين النجاسة تزول تذهب بالاستجمار، فلا تمسها بيدك. والماء يغسل الباقي. والماء يغسل الباقي. قال: وليس له البول في المسجد، ولو في وعاء. كذلك لا يجوز البول في المسجد، حتى ولو كان البول في وعاء. مثلا إنسان معتكف، فشق عليه الخروج، إما لزحام أو لغيره. أو في أيامي الحج، فإنسان يقول: أنا آخذ لي زاوية وأبول في وعاء وأستجمر وأتوضأ بالماء. وهذا وللأسف يحصل، خصوصًا في أيام الحج، مثل في مسجد نمرة. بعض الناس تعظيم المساجد في قلبه ضعيف، فيفعل مثل هذا. وهذا حرام، لا يجوز. فإن النهي عن البول في المسجد عام، يشمل البول في أرض المسجد، أو البول داخل المسجد، ولو ليس في أرض المسجد؛ لأن هذا ليس من تعظيم شعائر الله. وقال الله عز وجل: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. وحديث أنس في الصحيحين في النهي عن البول في المسجد عام، يشمل البول في أرض المسجد، أو البول في المسجد، ولو في وعاء. قال رحمه الله: وقال في موضع آخر: في البول حول البركة في المسجد. هذا يشبه البول في القارورة في المسجد. ومنهم من نهى عنه، ومنهم من يرخص فيه للحاجة. والأشبه أن هذا إن فعل للحاجة، فقريب. فأما اتخاذه مبالًا ومستنجًا، فلا. يعني الخلاصة: التفصيل في هذا. إن كان الموضع الذي بجانب المسجد مظنة لانتقال النجاسة الساقطة بالخطأ بالأرجل إلى داخل المسجد، فإن هذا محله المنع. محله المنع. وأما إذا كان هذه المظنة ليست موجودة، فمحله الجواز. محله الجواز. مثال: يجعلون الحمامات التي يبال فيها بجانب مدخل المسجد، يخرج الإنسان من الحمام، يدخل مباشرة إلى المسجد. مثل هذه الصورة فيها مظنة أن النجاسة تنتقل بالأرجل، أم لا؟ فيه مظنة انتقال النجاسة بالأرجل. فمثل هذا الصحيح أنه يمنع. أقل أحواله الكراهة. لكن إذا كانت الحمامات مفصولة عن المسجد، وليست بجانب باب المسجد، بل بين الحمامات وبين المسجد مواضع الوضوء، بين الحمامات والمسجد فاصل يمشي. فإن كان في رجليه نجاسة، طهر هذه النجاسة. ما بعده كما جاء في النعلين، وجاء في إزار المرأة المسلمة. فإن كان هناك مسافة بين الحمامات وبين المسجد، فهذا جائز. ولهذا نص غير واحد من العلماء والفقهاء: أنه يستحب إبعاد الحمامات ومحل التخلي عن المسجد. لا تكون ملاصقة، بحيث لا يكون فاصل. لا بد أن يكون فاصل. لماذا؟ لأنه قد يحصل خطأ. واحد يدخل إلى الخلاء، يبول في موضع الخلاء. لكن الذي قبله لم يبول في موضع الخلاء، متساهلًا بالطرف الباب. فتأتي تدوس على هذا، وتمشي وتدخل إلى المسجد قبل أن تتوضأ، فتنقل النجاسة من الحمام والخلاء إلى أين؟ إلى المسجد. لكن إذا كان هناك فاصل بين محل التخلي والمسجد، فما كان من نجاسة يصيب الرجل، يطهره بالمشي بين مكان التخلي وبين ماذا؟ المسجد. وهذا هو الصواب. وهذه لفتة دقيقة من أهل العلم في هذه المسألة، رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يذبح في المسجد ضحايا ولا غيرها. وليس للمسلم أن يتخذ المسجد طريقًا. فكيف إذا اتخذه الكافر طريقًا؟ يعني من المسائل التي يمنع اتخاذ المسجد مكانًا لدبح الضحايا. وهذه المسائل يذكرونها؛ لأنها وقعت، فسأل عنها الناس، فكتبوها بكتب الفقه. بعض الأماكن قد يكون لا يجدون مكانًا، أو يذبحون في مكان الوضوء. فإذا زادت الذبائح في الأعياد، توسعوا وذبحوا داخل المسجد، حتى ولو وضعوا فرشة. نعم، حتى ولو وضعوا فرشة، لا يجوز؛ لأنه فيه أذية المسجد. والملائكة تتأذى مما يتأذى منه ماذا؟ بنو آدم. فروائح الذبح مؤذية، وليست بمؤذية. مؤذية بلا شك. الدم وما يكون من أوساخ تبع لذلك، كل هذا يؤذي. والله يقول سبحانه: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. كذلك يقول: لا يتخذ المسجد طريقًا؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فكيف إذا كان طريقًا للكفار؟ فهذا أشد. فهذا أشد؛ لأن المسلم عنده في قلبه حرمة للمسجد. فقد إذا احتاج أن يمر، يمر وهو معظم للمسجد، يحترم المسجد. أما الكافر فإنه ليس في قلبه الحرمة والاحترام والتعظيم. بل قد يكون الكافر حاقدًا، فيتخذ طريقه في المسجد سببًا لتلويث وتنجيس ماذا؟ المسجد. قال رحمه الله: يحرم منع المحتاج للطهارة، ولو وقف على طائفة معينة كمدرسة. ولو وقف على طائفة معينة كمدرسة ورباط، ولو في ملكه؛ لأنها بموجب الشرع والعرف مبذولة للمحتاج. ولو قدر أن الواقف صرح بالمنع، فإنما يسوء مع الاستغناء. وإلا فيجب المنافع المحضة للمحتاج؛ لأنها تدخل الناس شركاء في ثلاثة. فهذا مما تقع فيه الشراكة. بيت الخلاء مثلا، لا يجوز المنع منه، إلا إذا اقتضت المصلحة أن يكون بأجرة؛ لأجل لا يوجد أحد يقوم بتنظيف هذه الأماكن، فاحتاجوا أن يضعوا لها أجرة؛ لأجل أن تبقى يعني معتنى بها، فهذا لا بأس. وأما أن يمنع منها، فيقال: مثلا لا يجوز لأحد، فهذا لا يجوز. لكن كما قال رحمه الله: إذا كان وقفًا، فيقدم أهل الوقف، ويمنع الآخرون. يمنع من يريد أن يستخدم بغير حاجة للوقف، إلا كما قال: عند الحاجة، فالمحتاج لا يمنع. مثلا مدرسة فيها بيت الخلاء، الأصل أن هذا لمن في المدرسة من الطلاب والمدرسين وغيرهم. فإذا احتاج إنسان ضرورة، تفت يمين يسار، ما وجد مكانًا إلا هذه المدرسة، دخل. رجاء أريد استخدم الحمام، وهو محتاج. وأنت تعرف أنه محتاج، تقول له: لا، هذه وقف لطلاب المدرسة. يعني إيش؟ يهدي نفسه، لا. فلا يجوز. فوقع في ضرورة تدفع عنه هذه الضرورة والحاجة. قال رحمه الله: كسكن داره والانتفاع بما حوته، ولا أجرة لذلك. صحيح، لا أجر لذلك. إلا كما قلنا: إذا لم يجد من يقوم بتنظيفها إلا بأجرة، فيأخذ أجرة يسيرة. قدر ما يكون به حاجة ماذا؟ إصلاح هذا المكان وتنظيف هذا المكان. قال رحمه الله: وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد. وإن كان في دخول أهل الذمة طهارة المسلمين تضييق أو إفساد ماء أو تنجيس، وجب منعهم. يعني سبحان الله، انظر إلى عدل ورحمة أهل الإسلام. حتى أهل الذمة لا يمنعون إذا احتاجوا إلى الخلاء في المسجد أو في المدرسة أو غيرها. هو كافر، احتاج إلى بيت الخلاء، لا يمنع. يسمح له. ولكن بشرط يعني لأجلنا نفتح الباب، فندخل الضرر. قال: بشرط ماذا؟ أن لا يحصل منهم إفساد كتنجيس. وغيره. هذا هو الشرط: أن لا يحصل من هذا الكافر كتابي أو ذمي أو غيره شيء من الإفساد. فإن لم يكن إفساد، فلا يمنع. قال رحمه الله: وأن لم يكن بهم ضرر. يعني ليس فقط للضرر، بل للحاجة. يجوز. ولهم ما يستغنون به من مطهرة. فليس لهم مزاحمتهم إذا كان عندهم مكان آخر، فلا يجوز مزاحمة أهل الأوقاف. مثلا في حمامات عامة موجودة في الأسواق، بجانب محطات الباص أو القطار أو غير ذلك. ويوجد بجانب محطة القطار مثلا أو محطة الباص ماذا؟ مسجد أو مدرسة. فجاء الكافر وقال: أريد أدخل هنا. فلا بأس أن يقول له: اذهب إلى الحمامات العامة. لا تأتي تزاحم الطلاب، ولا تزاحم من في المسجد. وأنت لست من أهل المسجد، ولست من أهل المدرسة. لكن إذا كان هناك زحام، فلا بأس أن يسمح له في المكان الآخر، كما تقدم. كم بقي منا الوقت؟ طيب، ثلاث دقائق. نكتفي إلى هنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.