شرح الدروس المهمة  16

شرح الدروس المهمة 16

الدرس في شرح الدروس المهمة 16، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة العصر ومعانيها

سورة العصر سورة مكية نزلت قبل الهجرة، وقد أقسم الله بالعصر لما فيه من أحداث وأحوال. كما ناقش الشيخ مسألة الحلف بالله وعدم جواز الحلف بغيره.

شروط النجاة من الخسارة

شروط النجاة من الخسارة هي الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وهذه الشروط مهمة لتحقيق السعادة ودرء الشقاوة.

التفاوت في التواصي والصبر ودرجات السعادة والخسارة

التواصي بالحق والصبر يحقق السعادة والنجاة من الخسارة، ويتفاوت الناس في هذه الخصال، كما أن هناك فرق بين وصف الخسارة والسعادة في سور القرآن المختلفة.

خاتمة وفضل سورة الفاتحة

سورة الفاتحة تعتبر من أجمع سور القرآن للخير، وقد تم الإشادة بفضلها، واختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فدرسنا اليوم في سورة العصر، وهي في ترتيب أكثر المصاحف تأتي في الترتيب من أول المصحف إلى آخره بعد سورة «الهاكم التكاثر». وفي بعض المصاحف تأتي في الترتيب بعد أو قبل سورة «الهاكم التكاثر». فالمهم أن الأمر بهذا واسع، وهذا بحسب ما نقل. فبعضهم رواه هكذا، وبعضهم رواه هكذا. فمسألة التقليم والتأخير سهل. وكالعادة نقرأ السورة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ويقال في هذه السورة ما سبق وتكرر من مسألة متابعة المدرس، وهكذا كذلك المدرسة لمسألة قراءة الطالب وتتبع الأحرف التي يكثر فيها اللحن وتصحيحها، وهكذا مواضع التجويد وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه. وأما ما يتعلق بتفسيرها، فسورة العصر هي كذلك سورة من السور المكية، وسبق معنا ما معنى هذا، وهو أن الناظر في هذه السورة يستشعر ويستحضر ما تصاحب السورة المكية من معاني. فهي نزلت غالبًا على المشركين، وفي الزمن الذي قبل الهجرة. فيستحضر القارئ والسامع هذا المعنى وهذا الزمان. وهذه السورة فيها الإقسام بالعصر، ابتدأ ربنا جل وعلا هذه السورة بالقسم بالعصر، فقال جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. والعصر هو الزمان الذي يقع فيه ما يقع من خير وشر، ومن أحوال وأهوال، ومن أمور عظام صغيرة وكبيرة، وخاصة وعامة، وكذلك أحداث وأشياء عدة تمر في هذا العالم الواسع وبهذا الإنسان على وجه الخصوص. فأقسم الله عز وجل تنبيهًا به على أهمية التفكر بما يدور فيه، وما يكون عليه حال الإنسان فيه، وما ينتهي به أمره فيه، أو منه إلى ما يؤول إليه أمره من جنة ونعيم، أو جحيم وعذاب مقيم، والعياذ بالله. والله جل وعلا يقسم بما يشاء سبحانه وتعالى من خلقه. وإذا أقسم الله عز وجل بشيء، أقسم منبهًا على ما يتضمنه هذا المقسوم به من معنى عظيم. وأما المخلوق، لا يجوز له أن يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه المعظم جل وعلا الذي لا يقسم إلا به. فهو سبحانه من جهة المعنى، أي وجب أن يكون القسم له؛ لأنه الإله الحق والرب المعبود، لا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى. ولما ورد من الأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الحلف به سبحانه، دون الحلف بما سواه؛ لما في الحلف بغير الله جل وعلا من ذريعة الشرك. فإن الحلف نوع من التعظيم والعبادة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى. فصاحبه، أي الحالف بغير الله، بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر. الشرك الأصغر الذي قد يقع بسبب هذا التعظيم اللفظي المهضي والموصل إلى الشرك الأكبر. فلهذا نهي عنه. إذا لم يقصد بهذا الحلف، قلنا الشرك الأصغر المهضي والموصل إلى الشرك الأكبر، وهو ما يكون في هذا الحلف في اللفظ في اللفظ باللسان، إذا لم يكن معه تعظيم واعتقاد لهذا المحلوف به. فمثلًا كان المشركون يحلفون «بالله والعزة»، يحلفون «بالله والعزة». فالحلف «بالله والعزة» حلف تعظيم وعبادة، هو بمثابة الحلف بالله لأهل الإيمان والتوحيد، فهو شرك أكبر. ومثله حلف بعض المشركين في هذا الزمان ببعض من يعبد من دون الله، ولو كان وليًا كما زعم، فإنه من الشرك الأكبر. كمن يحلف في بعض الأموات، فيحلف «بالعيد روس» أو يحلف كذلك «بزينب» أو «علي» أو حتى النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كان على وجه التعظيم المخل لعبادة الله عز وجل، والذي فيه معنى العبادة لغيره سبحانه وتعالى، هذا شرك أكبر والعياذ بالله. وقد يكون شركًا أصغر إذا كان هذا ليس مقصودًا، ولكنه شيء جرى على اللسان، لكنه شيء جرى على اللسان، أو كان التعظيم ليس تعظيم عبادة، لكن جرى على اللسان الحلف به. وهذا شرك أصغر، مثل حلف بعض الناس «ورأس أبي» «ورأس أمي» «ولقمة العيش» «والأمانة» ونحو ذلك من الحلف. فمثل هذا يعد شركًا، لكنه شرك أصغر، وكله منهي عنه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وقال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من حلف بالأمانة». «ليس منا من حلف بالأمانة». فالحاصل: الحلف في غير الله لا يجوز للمخلوق. أما الله عز وجل الخالق، فهو يحلف بما شاء؛ لأنه الرب جل وعلا. وإذا حلف بشيء سبحانه، فإنه يحلف في الشيء العظيم الذي يقتضي تنبيه هذا المخلوق على ما فيه من حكم. وهذا العصر بهذا المعنى، والله أعلم. وننبه هنا أن بعض المفسرين ذكروا أن معنى العصر هو العصر الوقت الذي بين المغرب والظهر. وهذا المعنى وإن حكي في كتب التفسير، فلو صح لكان من التفسير ببعض المعنى. ولكن الذي رجحه المحققون من أهل العلم، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله، أن المراد بالعصر هو الدهر، وهو الزمان؛ لما فيه من المعنى الأوسع والأعم. فهو محل أفعال هذا الإنسان، وهكذا كذلك محل مبدأ أمره وخلقه وفعله، وهكذا كذلك عاقبة الأعمال وجزائها. فكان فيه كالتنبيه لمبدأ الخلق من خلق الزمان وخلق المخلوقات وأفعالها. وكان في هذا تنبيه لأمر المعاد. فالذي عظمت قدرته سبحانه على أن لا تقصر في المبدأ، مع ما فيه من معاني عظيمة متنوعة، لن تقتصر كذلك قدرته سبحانه وتعالى وحكمته على أن لا يجازي الناس بعد ذلك بحسب ما كان من أعمالهم في هذه الدنيا وهذا العصر. فالمحسن يجازى بإحسانه، والمسيء يجازى بإساءته. فلا يمكن أن يجعل ما خلقه الله جل وعلا مختلفًا في هذا الكون عاقبته واحدة. بل مقتضى العدل والحكمة تقتضي التفريق في عاقبة الأشياء بما كان كذلك التفريق في مبادئها، أي في مبدأ أمرها. وهذا المعنى كما ترون أظهر من حصره بمعنى العصر، أي صلاة العصر أو وقت العصر. ثم ذكر ربنا جل وعلا بعد ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. وإن كما تعرفون من أحرف التوكيد الذي تؤكد ثبوت الخبر للمهتدى. فإن هذا معناه أن هذا الأمر المذكور أمر أكيد لا شك فيه. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. والإنسان المراد به جنس الإنسان، ودخول الألف واللام على هذا الجنس يدل على العموم. ومعناه أن كل إنسان في خسارة، كل إنسان في خسارة، إلا من ذكر في هذا الاستثناء الآتي. فاستثنى ربنا جل وعلا من استوفى هذه الشروط المذكورة من هذه الخسارة. وانتبه لقوله سبحانه: ﴿خُسْرٍ﴾. فإنها نكرة في سياق الإثبات، وهي تفيد الإطلاق، أي إطلاق الخسارة بكل معاني الإطلاق. فإنها خسارة في الدنيا وخسارة كذلك في الآخرة. وهكذا كذلك خسارة للنعم التي رزق الله عز وجل لهذا الإنسان في هذه الدنيا. ما أكثر النعم التي رزق الإنسان إياها وسخرت له، وكم عدد علينا ربنا جل وعلا من النعم في كتابه تذكيرًا وتمحيصًا لهذا الإنسان أن لا يفوتها، فتكون حسرة حيث لا تنفع الحسرة والندامة. فالمهم: كل إنسان في خسارة، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معروف. الإيمان ضد الكفر. والإيمان إذا قرن بالعمل الصالح كما يقول العلماء، صار الإيمان مدلول العلم، والعمل الصالح مدلول العمل. وكل منهما هو الإيمان والإسلام الذي هو ضد الكفر والشرك. لكن يصح أن يقال فيه على وجه التقريب: أنهما إذا اجتمعا افترقا، أي الإيمان والعمل الصالح. وإذا افترقا اجتمعا. إذا ذكر العمل الصالح دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه العمل الصالح. لكن إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح معًا، صار الإيمان مدلول يدل على العلم. فيكون معناه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي إلا الذين علموا. فيكون فيه التنبيه لأهمية العلم النافع. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي العمل الصالح. وهذا هو الهدى ودين الحق الذي أخبر الله عز وجل عنه في أكثر من آية: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. فالهدى ودين الحق: العلم النافع والعمل الصالح. وهكذا كذلك هنا. وفي هذا إشارة إلى أن الناس يتفاوتون في هذه الدنيا. فإن الخسارة تكون لمن حرم العلم النافع والعمل الصالح. وهكذا كذلك ما بعده. وبه نعلم أن الناس ينقسم إلى قسمين: أهل سعادة وأهل خسارة، أو قل أهل شقاوة. ومن أول صفات أهل السعادة: العلم. ومن ثانيها: العمل. فهم الذين علموا وأتبعوا هذا العلم بالعمل. وأن من أعظم صفات أهل الخسارة، أو أهل الشقاوة: الجهل. سواء أكان هذا الجهل عدم العلم، أو كان هذا الجهل الإعراض عن العلم بعد العلم به. وكلاهما السبب للخسارة. لكن الناس تفاوتوا في ذلك. ثم كذلك ضد العمل، وهو أمران: إما الضلال بسبب الجهل، وإما عدم العمل بعد معرفة العلم. وهذا هو الفسوق وموجب الغضب. ولهذا فنحن ندعو في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فالمغضوب عليهم: هم الذين علموا ولم يعملوا. والضالين: هم الذين عملوا بغير علم. وكلاهما من أهل الخسارة. وإذا علمنا ذلك، علمنا أن الناس يتفاوتون في هذا العلم وهذا العمل؛ لأن العلم ليس معنى واحد يأخذ جملة أو يترك جملة، بل هو معاني متفرقة في مسائل كثيرة من مسائل هذا الدين. وهكذا العمل. وبه نعرف أن الخسارة كذلك تتفاوت. فعلى هذا يتفاوت الناس في الخسارة بتفاوت هذه القوة العلمية والعملية. فمن كملت قوته العلمية بالإيمان بالله سبحانه، وقوته العملية بالعمل الصالح، فإنه تكمل له معاني السعادة. والعكس بالعكس. ولهذا كان معنى أهل السعادة قد يتبعض. ولهذا فإن بعض من يدخل الجنة قد يدخل النار بسبب عدم كمال قوته العلمية وقوته العملية من الإيمان بالله والعمل الصالح. وسبحان من جعل شرعه ودينه جل وعلا على أكمل العدل وأبلغ الحكمة سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك ينبغي أن نعلم أن القوة العلمية وهكذا كذلك العملية، هما أمران لازمان لهذا الإنسان. فإن سخرها في الحق، وإلا تسلطت في الباطل، ولا بد. فهذا القلب وسائر الجوارح هي أوعية. وهذه الأوعية لا بد أن تملأ. فإن ملئت بالخير، وإلا ملئت بغيره. وإن شغلت بالعلم النافع والعمل الصالح، وإلا شغلت بغيره. فالإنسان حارث. إما أن يحرث الخير، ثم يحصد بعد هذا الحرث ما كان قد حرثه وزرعه، وهو جزاء أهل السعادة. وإما أن يحرث غير ذلك، فتكون ثمرة ذلك حصاد السوء والشر. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فإن من كذلك شروط عدم الخسارة: التواصي بالحق. والحق هو ما سبق من العلم والعمل. ولما كان جماع مراتب كمال هذا الإنسان في العلم النافع والعمل الصالح للنفس، وهذا هو الإحسان إلى نفسه. وهكذا كذلك إيصال هذا الإحسان إلى الغير، وهذا هو التواصي بالحق. وكذلك الصبر على هذه الخصال الثلاث: أي العلم النافع والعمل الصالح، وإيصال ذلك إلى الغير. والصبر على هذا التحصيل للعلم، وعلى هذا العمل بالعلم، وعلى إيصال هذا العلم والعمل إلى الغير. وبهذا تكمل مراتب كمال هذا الإنسان، وبه يكمل أمر نجاته من الخسارة. وهكذا كذلك هذا التواصي بالحق، الناس تفاوتوا فيه. كما قلنا: أن الناس يتفاوتون في العلم والعمل. فهم يتفاوتون كذلك في التواصي بالحق. مع التنبيه: أن هذا التواصي ينقسم إلى قسمين: تواص يجب أن يحصل، وهو ما كان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما كان من الفرائض والواجبات على وجه العين، أو ما كان على وجه الفرض الكفائي. ومنه ما هو مستحب. وهذا يدخل فيه التواصي نوع آخر من التواصي بالحق. ومنه الفرض الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، مثل صلاة الجنازة. لكن لا شك أن التواصي به ولو قام به البعض، هو من التواصي بالحق. وبه نعرف الفرق بين هذه السورة وبين ما جاء في سورة «التين» في قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. وهنا قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. نبه ابن القيم رحمه الله: ما معناه أن التواصي ينقسم إلى قسمين كما سبق. فلما كان من التواصي ما هو واجب، وفرض، كان تاركه خاسرًا بهذا المعنى. ولكن هذه الخسارة تنقسم إلى قسمين: خسارة توجب العذاب، وخسارة توجب كمال الفضل والثواب. فالأول في ترك الواجب والفرض. والثاني في التقصير في الفضل والمستحب. فإذا لا إشكال إذ قال في سورة «التين»: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. هم لهم أجر غير ممنون، أجر غير منقطع. لكن الخسارة غير مذكورة؛ لماذا؟ الخسارة غير مذكورة؛ لأن الناس يتفاوتون في مسألة وصية الغير بالحق. فالأجر مكتوب. أما الخسارة، فهذا أمره آخر. فمن أتى بالواجب لم يخسر. الأجر كتب ونجي من عذاب الله. ومن لم يأت بالواجب، الأجر كتب، ولكن استوجب العذاب من باب آخر. استوجب العذاب من باب آخر. كيف؟ أبحاث لفواضح. طيب نعيد: في سورة «التين» قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. معناه: أن العمل الصالح، العلم النافع والعمل الصالح، يكفي في حصول الأجر الغير منقطع. وفي سورة العصر: العلم النافع، العمل الصالح، ما يكفي. لابد معه من التواصي بالحق والتواصي بالصبر. الجواب: الجزاء يختلف. في سورة «التين»: الجزاء أجر غير ممنون. لكن في سورة العصر: الجزاء هو السعادة. فليس كل من كتب له أجر غير ممنون، أي غير منقطع، معناه أنه كتب له السعادة. لا. والسبب في ذلك كما قلنا: أن التواصي ينقسم إلى قسمين: منهما هو واجب، ومنهما هو مستحب. فمن أتى بالواجب سلم. ومن أتى بالواجب والمستحب سلم وزاد في الغنم، في الغنيمة. ومن أتى بالواجب ولم يأت بالمستحب، لم يضره شيء، وكتب له أجره كاملًا. وعلى هذا كذلك يزول الإشكال في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ هناك في سورة «التين». وهنا قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. وذلك كما قال ابن القيم رحمه الله: ما معناه أن سورة العصر ضيق الاستثناء فيها وخصص. وسورة «التين» وسع الاستثناء فيها وعمم. وأنا أنبه بهذه التنبيهات؛ لعلها تفيد بعض طلبة العلم الذين قد يواجهون بعض الأسئلة، فيكون جوابها بالانتباه لمثل هذه الدقائق. فهناك قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وهنا قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. فصار المعنى: أن الاستثناء لما وسع وعمم، كان الحكم هناك أنه رد أسفل سافلين. فمن لم يأت بالعلم النافع والعمل الصالح، فهو في أسفل سافلين؛ لأنه من باب أولى أنه لم يأت بالتواصي بالحق، ولم يأت بالتواصي بالصبر. فهو لم يأت بالأربع كلها. فهو في أسفل سافلين. بينما هنا: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾؛ لأنه قد يأتي ببعض ويقصر عن بعض. ولأنه لأن الإتيان بها يتفاوت. فهو بخسارة بحسب استيفاء هذه الشروط الأربعة والتقصير فيها. فمن قصر فيها جميعًا، فهو خاسر تمام الخسارة، وهو في أسفل سافلين. ومن قصر في بعضها، فهو ليس خاسر تمام الخسارة، وهو ليس في أسفل سافلين. ثم قال جل وعلا: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فقلنا: التواصي بالحق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير والبر والفضل. والتواصي بالصبر: هو الصبر على تلك الخصال الثلاث: العلم النافع والعمل الصالح، ودعوة الآخرين إلى العلم النافع والعمل الصالح. وهذا الصبر كما أنه يشمل هذه الخصال الثلاث، فهو كذلك أمر عظيم يستعين به الإنسان في سائر حياته العلمية والعملية. وهو ينقسم إلى قسمين: صبر على أقدار الله عز وجل، أي ما يقدره الله عز وجل على العباد. وصبر على شرع الله سبحانه وتعالى، أي في امتثاله. وهذا الصبر على شرع الله ينقسم إلى قسمين: صبر على الأوامر، أي على الطاعات وفعلها. والثاني: صبر عن النواهي، أي عن المحرمات والمنهيات والابتعاد عنها. فمتى ما كمل صبر الإنسان في هذه الخصال، كملت له السعادة في الدنيا وفي الآخرة. ومن معاني السعادة في الدنيا: الإمامة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وهذا لكمال صبرهم مع يقينهم. وهؤلاء الذين كانوا أئمة في الدنيا، فلهم المنازل العالية في الدار الآخرة. لهم المنازل العالية في الدار الآخرة بقدر ما كانت لهم المنازل في الدنيا. ولهذا يقال: لقارئ القرآن يوم القيامة: «اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فأئمة العلم والعمل، لما كملت لهم مقامات في الدنيا، تكمل لهم مقاماتهم كذلك في الدار الآخرة. كما قال الله عز وجل في من استوفى هذه المقامات: ﴿أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. وبهذا نعرف عظم هذه السورة. ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم». وصدق رحمه الله؛ لما تضمنته من المعاني العظيمة. فهي على اختصارها تعتبر من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره. فالحمد لله الذي جعل كتابه سبحانه كافيًا لكل ما سواه، وشافيًا من كل داء جل وعلا. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.