الدرس في شرح كتاب الطهارة 10، الدرس العاشر (والثاني من يستحل الميتات كعبدة الأوثان والمجوس ... أو ما كان طاهراً في حال الحياة على روايتين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حكم أواني الكفار وجلود الميتات، حيث قسم المؤلف أواني الكفار إلى ثلاثة أقسام وذكر روايتين عن الإمام أحمد في حكم جلد الميتة. يتناول المقطع تفاصيل طهارة الأواني وجلود الميتات.
يتناول المقطع حكم طهارة جلد الميتة بعد الدباغة ويرى أن الجلد يطهر بالدباغة، كما يتناول النهي عن استخدام جلود السباع لما فيها من مفسدة. يشرح المقطع آراء العلماء في شمول هذا الحكم.
يتناول المقطع أحكام استخدام جلود السبع، والتعامل مع رب العمل بشأن الصلاة، وأحكام شراء السيارة بالتقسيط. يشرح المقطع صور بيع التقسيط ومختلف الآراء بين أهل العلم.
يُنصح بشراء المال نقدًا لتجنب المشاكل، وإن تعذر ذلك فلا حرج في الشراء بالتأجيل أو التقسيط. يُفضل الدفع النقدي لتجنب التعقيدات المالية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نتم ما تيسر من درس اليوم، تتمة لما سبق. كان آخر ما أخذناه قوله رحمه الله: «والثاني من يستحل الميتات كعبدة الأوثان والمجوس، فما لم يستعملوه من آنيتهم فهو طاهر، وما استعملوه فهو نجس لحديث بثعلبه، وهو متفق عليه، وما شك في استعماله فهو طاهر». علمنا في الدرس السابق أن المؤلف رحمه الله تعالى تكلم على أواني أهل الكتاب وثيابهم، وأنه قسم هذه الأواني والثياب لقسمين. وعلمنا فيما سبق أنه لا يختص هذا بأهل الكتاب خاصة، ولكن أهل الكتاب ما ظنت قسمت. القسم الأول: أي لا يستحلون الميتة، وهذا فائد الدكر أهل الكتاب، قال: «من لا يستحل الميتة كاليهود»، يعني هؤلاء القسم الأول، فأوانيهم طاهرة. وهكذا بقي مسألة الخمر، فإن مجد في أهل الكتاب أو في غير أهل الكتاب من لا يأكل الميتة ولا يتناول الخمور. فكما قال رحمه الله: «وأما الثاني فمن يستحل الميتات كعبدة الأوثان والمجوس»، يعني ومن على طريقتهم من الكفار عمومًا من يستحل الحرام، سواء الميتة أو شرب الخمر أو غيره، فإن آنيتهم لا تستعمل، أي المستعملة منها حتى تغسل. يقول: «فما لم يستعملوه من آنيتهم فهو طاهر؛ لأنها نقية نظيفة لم تستعمل، وما استعملوه فهو نجس؛ لأنها مظنة النجاسة». وأشار إلى حديث بثعلبه، أي الذي في الصحيحين وفيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الآنية، أي آنية المشركين، ثم استعمالها. وهذا هو الشاهد أنه يفرق بين من كان مظنة استعمال الحرام، فما كان من آنيته مستعملًا فلا يستعمل حتى يغسل. ثم انتقل إلى مسألة ثالثة، فقال رحمه الله: «وما شك في استعماله فهو طاهر». عندنا الآن الآنية ثلاثة أقسام: آنية مستعملة، فهذه إن كانت لمن هو يستعمل الحرام فلا تستعمل حتى تغسل. وثانيًا: آنية نظيفة جديدة لم تستعمل، فهذه طاهرة وتستعمل، لا فرق بين من يستعمل الحرام أو من لا يستعمل الحرام، بخلاف الأول فإنه يفرق، والسبب أن هذه جديدة غير مستعملة. والثالث: ما شك فيه، أحيانًا قد تجد آنية لا تدري هل هي جديدة أم غير جديدة، فهنا قال رحمه الله: «فهو طاهر»، ما شك في استعماله فهو طاهر. لماذا؟ لأمرين: الأمر الأول أن الأصل في الشيء العدم، يعني إذا شككنا في فعل وعدمه فالأصل العدم حتى يثبت ذلك ببينة. وهذه قاعدة فقهية ذكرها العلماء لها أدلة كثيرة، منها عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي». وفيه أن الأصل في الأشياء العدم. والثاني: أنه كذلك لم يجزم بكونها مستعملة في النجس، فضلًا أن تكون مستعملة أصلا. وهذا أمر آخر يضيف أن الأصل الطهارة. وهذا خلاصة ما يتعلق بآنية المشركين أو الكفار على هذا التفصيل الثلاث الذي سبق، التفاصيل في الدرس السابق، وهذه تتمته. قال رحمه الله تعالى: «وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس». وقال الشيخ تقي الدين -يعني شيخ الإسلام-: «قال، وقال الشيخ تقي الدين، آخر روايتين عن أحمد: أن الدباغ مظهر لحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة، فقال: هل انتفعتم بجلدها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: إنما حرم أكلها». وفي لفظ: «ألا خذوا إهابها فادبغوه فانتفعوا به»، رواه مسلم. أشار رحمه الله في هذا الموضع إلى مسألة أخرى، وهي مسألة جلد الميتة. وأشار إلى أنه روي عن الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة روايتان: الرواية الأولى أن جلد الميتة نجس، سواء دبغ أو لم يدبغ. ومعنى دبغ: أي فعل فيه فعل الدباغ. والدباغ هو إزالة الشعر من الجلد بطريقة مخصوصة وكيفية معلومة عند أهلها، بأن يوضع عليه ورق شجر القرب، وبعضهم يضع عليه النورة -النورة الذي يسمى بالآجر أو الجص المعجون المبلول بالماء- وهو الذي يرش به أحيانًا البيوت، لونه أبيض، ويعمل منه القمريات. المهم يجعل في الجلد ويطوى، فيزول شعر الجلد ويتنقى مما فيه من دم ورفت وبقايا. فالرواية الأولى على الإمام أحمد: أن جلد الميتة نجس، سواء دبغ أو لم يدبغ. والرواية الثانية، وهي الأصح والأشهر، والناسخة للرواية الأولى: أن جلد الميتة إذا دبغ فهو طاهر. وهذه الرواية كما قلنا هي الرواية الأصح والمشهورة عن إمام أحمد رحمه الله تعالى. وذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها آخر الروايتين عن أحمد. ومثل شيخ الإسلام معرفة ودراية بأقوال العلماء ومذاهبهم، محل ثقة في مثل هذه المسائل. وذكر دليله، وهو حديث ابن عباس. وجاء معناه عن عدد من الصحابة في قول النبي عليه الصلاة والسلام: أنه ينتفع بجلد الميتة إذا دبغ: «ألا أخذوا إهابها أو قال: ألا أخذوا إهابها فادبغوه فانتفعوا به»، وهكذا. وفي الحديث الآخر: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، أي: أيما جلد نقي بالدباغ فهو طاهر، ولو كان جلد ميتة. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. فالخلاصة: أن جلد الميتة إذا دبغ فهو طاهر. وسيأتي أن تحت هذه المسألة تفاصيل، لكن ينبغي أن نعلم هذا أولًا: أن جلد الميتة إذا دبغ فهو يطهر. قال رحمه الله تعالى: «وهل يختص ذلك بكل مأكول أو ما كان طاهرًا في حال الحياة على روايتين». وهذا فرع آخر لمسألة من مسائل هذا الفصل. يقول: «وهل يختص»، أي حكم طهارة جلد الميتة إذا دبغ، بكل مأكول، أي كل ما يأكل لحمه، أو هو أعم من ذلك، بأن يكون لكل طاهر في حال الحياة؟ مثلا: جلد الهرة طاهر، لكنه غير مأكول، يعني في حال حياة الهرة. فإن قلنا: هو لكل مأكول فقط، صار لبهيمة الأنعام وما كان بمعناها من المأكولات من الحيوانات فقط، جلد هذا النوع من الحيوان هو الذي يطهر إذا دبغ وكان ميتًا. وعلى الثاني يكون الحكم أوسع، أي لو كان لكل طاهر في حال الحياة، فإنه سيتناول ما يأكل وما لا يأكل من الحيوانات الطاهرة، مثل الهرة والسباع ما دون الكلب والخنزير. وقوله رحمه الله: «على روايتين»، يعني رويتا عن الإمام أحمد. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رواية عنه في هذه المسألة قولان. ففي بعض كتبه قال بالأول، وفي بعض كتبه الأخرى قال بالثاني. والأشهر هو الثاني، أي أنه لما كان طاهرًا في حال الحياة. ومعناه أن جلد الميت إذا دبغ فهو يطهر، ليس فقط لما يؤكل لحمه، بل حتى لما لا يؤكل لحمه إذا كان طاهرًا في حال حياته. فعلى هذا: جلد الهرة إذا دبغ فهو طاهر، وهكذا كذلك جلد السباع إذا دبغ فهو طاهر. ويستثنى من ذلك الكلب والخنزير، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. لكن هنا ينبغي أن ننتبه لأمر، وهو أنه لا يعني كون الجلد طاهرًا أنه يجوز استعماله. فإن من الطاهر ما لا يجوز استعماله، مثل الذهب والفضة للرجال والنساء كآنية مثلا. فكذلك ورد في الشرع النهي عن بعض الجلود. فالعبرة بما دل عليه الدليل. فجلود السباع نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، يعني الحيوانات المفترسة. قال ابن القيم رحمه الله في ذكر الحكمة من ذلك ما معناه: أنه مفسد للإنسان من ناحيتين: الناحية الأولى ما تورثه من الكبر والعجب، فإن الغالب الوصول إلى هذه الجلود يورث هذين الخلقين. والثاني: أنه يثمر شيء من أخلاقها وطباعها، فإن من يجلس على جلود السباع يكون قلبه متعلقًا بها، وتعلقه بها يجعله يتعلق بطباعها، وهذا شر. فلأجل هذا ولغيره نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود السباع. فإذن نريد أن ننتبه هنا أن الجلد إذا طهر لا يعني ذلك أنه يجوز استعماله؛ لأنه قد يوجد مانع آخر غير مسألة النجاسة. فالعبرة بما دل عليه الدليل. ومسألة أخيرة تلحق بهذه المسائل، وهي أن العلماء ذكر بعضهم أنه يفرق بين استعمال الجلد النجس للمائعات -يعني السوائل- ولغير المائعات -يعني الأشياء الجافة- وأنه يجوز للأشياء الجافة ولا يجوز للأشياء المائعة. يعني النجس مثلا لو عندك جلد ميتة وأردت أن تنقل بداخله تراب، هل يجوز؟ في هذا خلاف. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جوازه، يعني استعمال جلد الميتة للشيء الجاف. وما ليس هو محل طهارة من باب أولى الجاف كالتراب، جلد ميتة جاف وتراب جاف، نقلت جلد الميتة في جلد الميتة هذا التراب فلا يضر التراب نقله في جلد الميتة. الجاف فكل يبقى على حكمه، جلد الميتة نجس والتراب الطاهر طاهر. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. ننظر إن شاء الله الآن إلى ما تيسر من الأسئلة التي كتبها الإخوة والأخوات. يقول السائل: هل يجوز استخدام الأحذية والجزم المصنوعة -أكرمكم الله- من جلود السبع؟ الجواب: كما سبق أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن استعمال جلود السبع، فإذا كان كذلك فينبغي أن يجتنب جلود السبع، أحذية أو غيرها مما يلبس. والمراد بالسباع المفترسة. وهنا ونبه لكلمة اشتهرت في ألسنة الناس، ويريدون بذلك الإكرام والتشريف، وهو ذكرهم للفظة «أكرمكم الله». إذا ذكرت بعض المخلوقات أو بعض الأشياء المستقبحة، قد نبه بعض أهل العلم أن مثل هذا الأولى تركه، والله تعالى أعلم. وهذا سائل آخر يقول: أنا أريد أن أعمل، وفي المقابلة التي للتوظيف أو اختبار العمل، هل أخبر رب العمل بأني أريد وقتًا للصلاة وأيضًا أريد الذهاب لصلاة الجمعة، أم أخبره بعد أن يتم توظيفي، أم أذهب أصلي في وقت الصلاة دون إخباره بذلك؟ أم ماذا أفعل؟ لأن في أوروبا من الصعب أن تجد عملًا يسمح لك فيه بالذهاب للصلاة. الجواب: أنت ينبغي عليك أن تعرف وقت العمل، فإذا اطلعت على وقت العمل فتبين لك أنه سيعارض وقت الصلاة، فبين ذلك لهؤلاء خصوصًا وأنك في بلاد كفر والمسلمون على شروطهم، فأنت ينبغي أن تبين شرطك حتى لا يدعي عليك أنك لم تشترط عليه من أول الأمر. ولو قدر أنك نسيت، ليس معناه أنك تلتزم بما يخالف الشرع، لا، بل لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لكن حتى تكون صادقًا ووفيًا وأمينًا تشترط في أول المقابلة، بعد اطلاعك على ذلك الأمر، يعني أنه سيعارض وقت الصلاة مثلا. وأما إذا تبين أنه لا يعارض وقت الصلاة، فلا حاجة لأن تشترط عليه. وإذا حصل أحيانًا أن عارض وقت الصلاة، ففي ذاك الوقت تنبه أنك ستصلي في وقت الصلاة، والله تعالى أعلم. السؤال الأخير يقول السائل: شخص يريد شراء سيارة بالتقسيط، لكن عندما نشتري السيارة يضاف مبلغًا إضافيًا على سعرها الذي بالكاش أو يريد يعني بالنقد، فهل يعتبر هذا ربا؟ الجواب: ينبغي أن تعلم أن شراء السلع بالتقسيط له صورتان مشهورتان أو كيفيتان مشهورتان. الصورة والكيفية الأولى: أن يكون البائع لهذا البائع بالتقسيط لا يملك السلعة، وإنما يشتريها لك من محل آخر، فيضيف عليها نسبة عن قيمتها الحقيقية، مثلا قيمتها بالنقد بمئة ألف، يبيعها لك بمئة وعشرين آجل، مع العلم أنه لا يملك السلعة وإنما يشتريها لك. وهذا النوع من بيع التقسيط هو الذي تتعامل به أكثر البنوك، وللأسف حتى ما تسمي نفسها ببنوك إسلامية. وتوسع بعض التجار فدخلوا في هذه المعاملة. وهذا من المعاملات المحرمة؛ لأنه حيلة على الربا. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يشدد في هذه المسألة، وهي التي يسميها بعض الناس من أرباب تلك البنوك ببيع المرابحة، وهو في الحقيقة حيلة على الربا. فحقيقة الأمر أن هذه الجهة -بنكًا أو شركةً أو تاجرًا- في الحقيقة أعطى هذا المشتري المال وأخذ على هذا الإعطاء والدين ربحًا؛ لأنه لا حاجة له في السلعة إلا لأجل هذا الإنسان، ولأنه لا يملك السلعة وإنما امتلكها بعد طلب هذا الإنسان، فلأجل هذا وغيره صار هذا النوع من البيع بيعًا محرمًا. أما الكيفية والصورة الثانية: أن يكون البائع يملك السلعة، عنده سيارة يبيعها بالنقد بمئة ألف وبالآجل بمئة وعشرين ألف مثلًا. في هذا خلاف بين أهل العلم. وجمهور أهل العلم على جواز بيع التقسيط، أي بزيادة الربح في الآجل، ولو تركه إنسان تورعًا لا حرج عليه. ومن فعله وتعامل به ممن يملكه فلا حرج عليه. وكما قلنا قول جمهور أهل العلم يدل على جوازه، فهم يقولون بجوازه، وعمومات الأدلة تدل على جوازه. وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أدلة في تحريم هذه الكيفية والصفة الثانية، فهي أدلة غير صحيحة أو غير صريحة، فلا يوجد شيء صحيح صريح ينهى عن هذا النوع من البيع. ومع ذلك لو تركه الإنسان فهو أسلم له، يحاول يستلف مالًا ويشتري نقدًا، أو يجمع المال شيئًا فشيئًا ثم يشتري نقدًا. فإن احتاج أو شق عليه فلا حرج إن شاء الله، والله تعالى أعلم.