شرح كتاب الطهارة  24

شرح كتاب الطهارة 24

الدرس في شرح كتاب الطهارة 24، الدرس الرابع والعشرون (قال الشيخ تقي الدين لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفهم إلا في لغة اليهود ... وقال مالك والشافعي مسنونان فيهما ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فروض الوضوء وخصائصه في الإسلام

يناقش هذا الفصل فروض الوضوء وخصائصه، ويبين أن الوضوء من خصائص الأمة الإسلامية، مشيرًا إلى أن فروض الوضوء ستة، أولها غسل الوجه الذي يشمل الفم والأنف. يوضح أهمية الوضوء في الطهارة.

حكم غسل الفم والأنف في الوضوء والغسل

يستعرض هذا الفصل حكم غسل الفم والأنف في الوضوء والغسل، ويقدم ثلاثة أقوال مشهورة حول الموضوع، ثم يرجح أن غسلهما واجب في كلا الطهارتين مستندًا إلى أدلة شرعية وقياسًا على غسل الوجه. يبين أهمية غسل الفم والأنف.

ضوابط الفتوى في حالات الضرورة والكفر والصور

يتناول هذا الفصل عدة مسائل فقهية متعلقة بالضرورة والكفر والتعامل مع الصور، ويوضح شروط تطبيق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وحكم سب الله ورسوله، والتعامل مع الصور في الكتب. يبين أن الضرورة الحقيقية تبيح المحظورات.

حكم طلب الجنسية من البلدان الكافرة وفق الفتوى الفقهية

يناقش هذا الفصل حكم أخذ الجنسية الكافرة، ويبين أن المجمع الفقهي عقد اجتماعًا حول هذه القضية وأصدر فتوى بتحريم أخذ الجنسية الكافرة لما في ذلك من المفاسد الكثيرة. يشير إلى أن الضرورة قد تبيح المحظور حسب الدليل الشرعي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شري، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق في باب فروض الوضوء وصفته، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الشيخ تقي الدين: لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود، وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت به الأحاديث الصحيحة. وليس عند أحد من أهل الكتاب خبر أن واحدًا من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعًا عندهم، ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء. هذه مجموعة من المسائل أشار إليها المؤلف رحمه الله في هذا الباب في فروض الوضوء وصفته، وهو يشير بهذا إلى اختصاص هذه الأمة بالوضوء. وقد علمنا فيما سبق معنى الوضوء وذكر فرضيته، وهنا أشار فيما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الوضوء لم يرد بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود، يعني في لغتهم يسمون غسل اليد والفم وضوءًا. والوضوء مأخوذ من الوضاءة، أي الإنقاء على وجه الوضاءة، أي الإنارة، فهي طهارة حسية ومعنوية، وفيه شيء من التجميل. وأما بمعناه الشرعي فلا تعرفه أمة من الأمم، إنما هو من خواص أهل الإسلام، أي غسل أعضاء الوضوء ابتداء بالكفين وانتهاء بالرجلين. وقوله رحمه الله تعالى: وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، يعني الدالة على أن الوضوء خصت به هذه الأمة. وقوله: وليس عند أحد من أهل الكتاب خبر أن واحدًا من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين، يعني لم ينقل عن أهل الكتاب لا بشيء صحيح، بل ولا ضعيف، أن أحدًا من الأنبياء توضأ وضوء المسلمين، لأنه شيء لم يكن معروفًا عندهم. فالوضوء من خصائص هذه الأمة. ونقل نحو هذا تلميذ ابن القيم رحمه الله تعالى. وأتبع عليه مسألة وهي كون الوضوء لا يلتبس بغيره من العادات والعبادات، فهو لا يحتاج إلى نية. فكل من شرع في عمل الوضوء فهو ناو للوضوء، شاء أم أبى. ولهذا ذكر رحمه الله في بدائع الفوائد وفي مواضع أخرى من كتبه أن الوضوء مما لا يحتاج إلى نية. وأهل العلم جمهورهم يقولون: إنه يحتاج إلى نية. فالخلاف لفظي؛ لأن ابن القيم رحمه الله يقول: إن النية تقع وتنعقد من دون أن يحتاج القلب إلى عقد شيء لها؛ لأنه بمجرد شروعه في أعمال الوضوء فهو ناو للوضوء، بخلاف الصلاة والغسل؛ فالصلاة تلتبس بغيرها من الصلوات، فتحتاج إلى تعيين النية، والغسل قد يلتبس بغسل العادة، فيحتاج إلى تعيين النية. قلنا: الصلاة تلتبس بغيرها من الصلوات الأخرى، فتحتاج إلى تعيين النية، والغسل قد يلتبس بغيره من غسل العادة أو غسل العبادة أخرى، فيحتاج إلى تعيين النية. أما الوضوء فذكر رحمه الله أنه لا يلتبس بغيره، فلا يحتاج إلى تعيين النية. الشاهد من هذا أن الوضوء من خصائص هذه الأمة. ثم قال رحمه الله ناقلًا عن شيخ الإسلام: بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعًا عندهم، يعني أن الأمم السابقة كانت تغتسل من الجنابة. وأما الوضوء فلا، بل هو من خصائص هذه الأمة. وقوله: ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء، يعني كذلك التيمم من خصائص هذه الأمة. بل فرض التيمم متأخرًا كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. وهو لا يريد الآن الكلام على أحكام الغسل والتيمم، وإنما فقط أراد أن يقارن ويبين أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وكذلك التيمم من خصائص هذه الأمة. فهذا ذكره رحمه الله استطرادًا وكفائدة في ذكر اختصاص هذه الأمة بالوضوء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وفروض الوضوء الستة أحدها غسل الوجه، والفم والأنف منه. فالمضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين؛ لأن غسل الوجه فيهما واجب بغير خلاف، وهما منه ظاهرًا بدليل أحكام الخمسة: أولًا: إفطار الصائم بتعمد وصول القي إليهما. ثانيًا: ولا يفطر بوصول الطعام إليهما. ثالثًا: لا يحد بوضع الخمر فيهما. رابعًا: ولا ينشر الرضاع وصول اللبن إليهما. خامسًا: ويجب غسلهما من النجاسة. وهذه أحكام الظاهر، ولو كان باطنين انعكست هذه الأحكام. وعنه أنهما واجبان في الأكبر دون الأصغر. وقال مالك والشافعي: مسنونان فيهما. ذكر رحمه الله تعالى هذا الفصل، والفصل بعد الباب هو كما سبق الكلام عليه، عبارة عن فاصل يتعلق بالباب، ولكن إما لأهميته أو لاختصاصه بمعنى من المعاني يذكره العلماء منفردًا، تنبيهًا عليه. فلذلك يقولون: فصل. وهذا الفصل جعله رحمه الله في الكلام على الفروض خاصة؛ لأنه ذكر في الباب: باب فروض الوضوء وصفته. فجعل أول هذا الباب في الكلام على فرضيته، وعلى اختصاص هذه الأمة به، وعلى معناه. ثم ناسب بعد ذلك أن يذكر الفروض منفردة. فلذلك قال: فصل، وفروض الوضوء ستة. وكونه ستة سيأتي الأدلة عليه واحدًا واحدًا. والكلام على الفروض ليس على صفة الوضوء كاملًا؛ لأن صفة الوضوء المبتدأ بالغسل الكفين والمنتهى بغسل الرجلين، فيه ما هو مسنون، أي سنة، وفيه ما هو واجب وفرض، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. قال: أحدها غسل الوجه، والفم والأنف منه. غسل الوجه دل عليه دليل الكتاب، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. والوجه لغة مأخوذ من المواجهة، وهو في الشرع بينه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم: أنه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن، إلى أطراف الأذنين. وهل الأذنان من الرأس أو من الوجه؟ قولان مشهوران لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إن الأذنين من الرأس، واستدل بحديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأذنان من الرأس»، يحسنه بعض أهل العلم، ويضعفه كثير. وذهب بعض أهل العلم: أنهما من الوجه. وروي عن الزهري رحمه الله، وعن غيره: أن ما قابل الوجه فهو من الوجه، وما كان خلف الأذن فهو من الرأس. فعلى كل حال الأذنان تغسلان، وسواء قلنا القول الثاني: قيل: إنهما من الوجه، وقيل: إنهما من الرأس، وقيل: أن ما ظهر من الأذنين، يعني ما واجه الوجه فهو من الوجه، وما كان من خلف الأذن فهو من الرأس. ومعناه: أن ما استقبل من الأذنين غسل مع الوجه، وما كان خلف غسل مع الرأس. والأمر في هذا واسع؛ لأنه لم يرد به النص الصحيح الصريح. فسواء غسلهما مع الوجه أو غسلهما مع الرأس، فالأمر في هذا واسع. ومن رأى صحة الحديث: «الأذنان من الرأس»، غسلهما مع الرأس. وذكرها هنا: أن من الوجه الفم والأنف. وهذه مسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: أنهما من الوجه، فيجب غسلهما. يجب غسلهما أي الفم والأنف. فالمضمضة والاستنشاق على هذا من واجبات الوضوء. وقيل: إنهما ليسا من الوجه، فغسلهما سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه، كما أشار أنه قول مالك والشافعي. والأول رواية عن الإمام أحمد، وجماعة من أهل الحديث، والظاهر. وقيل: إنهما واجبان في الأكبر دون الأصغر. ومعنى الأكبر أي الغسل، ومعنى الأصغر أي الوضوء. فهذه ثلاثة أقوال. وهناك قول رابع: رواية عن الإمام أحمد وغيره، وهو أن الاستنشاق واجب، والمضمضة مستحبة. نعم، الاستنشاق واجب والمضمضة مستحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمضمضة والاستنشاق، فقال: «من توضأ فليستنشق». فالحاصل: المؤلف رحمه الله هنا يرجح أن الفم والأنف من الوجه، وأن غسلهما من الواجبات في الطهارتين، يعني الطهارة من الحدث الأكبر أي الغسل، والطهارة من الحدث الأصغر أي الوضوء. وهذا هو الأحوط، يعني الأحوط للإنسان أن لا يترك المضمضة والاستنشاق لا في حدث أصغر ولا في أكبر؛ لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على غسلهما، ولورود النصوص التي تدل على هذا المعنى. ولو ليس بصريح، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الاستنشاق: «من توضأ فليستنشق». وقال: «بالغ في المضمضة ما لم تكن صائمًا». حديث لقيط. فالأحوط للإنسان أن لا يدع المضمضة والاستنشاق لا في الحدث الأكبر ولا في الحدث الأصغر؛ أولًا لعموم الأدلة الواردة في ذلك، ولمداومة النبي عليه الصلاة والسلام على فعلهما. وثانيًا بالقياس. وأشار المؤلف رحمه الله إلى هذا القياس، قال رحمه الله: لأن غسل الوجه فيهما واجب بغير خلاف. يقول: غسل الوجه فيهما، أي في الحدث الأصغر والأكبر، واجب بغير خلاف. هذا ما فيه نزع. قال: وَهُمَا مِنْهُ ظَاهِرًا. يقول: الفم والأنف من الوجه من ظاهر الوجه، ليس من باطنه. يعني ولو كان الأنف له تجويف، ولو كان الفم له تجويف، يعني فتح إلى الداخل، إلا أنه محسوب من الظاهر. ما هو الدليل أنه محسوب من الظاهر ليس من الباطن؟ قال: بدليل أحكام خمسة: أولًا: إفطار الصائم بتعمد وصول القي إليهما، يعني لو تعمد الصائم إخراج القي إلى الفم أو إلى الأنف أفطر. وهذا على القول بصحة حديث أبي هريرة فيمن تعمد القي أنه يفطر. وأن من درأه القي فلا شيء عليه. والصحيح أن الحديث لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك ليس معناه أنه يجوز للصائم أن يتعمد القي؛ لا يجوز له حتى لا يفسد على نفسه الصيام؛ لأنه إذا فعل ذلك أضر بنفسه، وربما دخل شيء مع هذا القي، ويكون بذلك إفطاره لتعمده ذلك. والصحيح أن الخروج، إخراج القي ولو عمدًا، لا يفطر الصائم، إلا إذا اضطر إلى الفطر بمرضه، أو دخل شيء عن عمد، فإنه يفطر. والفطر مما دخل، لا مما خرج، كما روي عن ابن عباس رضي الله عنه. لكن الشاهد على القول بتحسين الحديث؛ لأن بعض العلماء يحسنه، يكون هذا الموضع من دلائل أن الأنف والفم من الظاهر، ليس من الباطن؛ لأنه لو كان من الباطن كان حكمه كحكم البطن. لكن لما كان من الظاهر كان ليس كذلك، بل تعمد إخراجه إليه يفطر. وهذا الاستدلال فيه كما ترون فيه شيء من الخفاء. يعني كأنه يقول: إذا علمنا ذلك، فهذا يدل أن الأنف والفم من الظاهر، فإذن هو من الوجه واضح. الثاني: قال: ولا يفطر بوصول الطعام إليهما، يعني إذا وصل الطعام إلى الفم والأنف دون أن يبتلعه إلى الداخل، أي الصائم لم يحصل الفطر. وهذا دليل أنه من الظاهر أو من الباطن؟ هذا دليل أنه من الظاهر، ليس من الباطن؛ لو كان من الباطن لكان بمجرد وصول الطعام إلى الفم والأنف أفطر الصائم. يعني لو تعمد. بينما الصحيح أنه لا يفطر. فلو تذوق الصائم الطعام بفمه وتفل هذا الذي تذوقه ولم يدخله إلى جوفه، فهو لا يزال صائمًا. وهذا يدل أن الفم من الظاهر، ليس من الباطن. وهكذا كذلك أنف. فإذا كان من الظاهر، إذن يغسل مع الوجه بالقياس. فهمتم. يعني بالقياس الأولوي. والثالث: قال: لا يحد بوضع الخمر فيهما. الحد المراد به حد شرب الخمر. قد يعزر من وضع الخمر في فمه عمدًا أو في أنفه عمدًا، لكن ما دام أنه لم يشربه ولم يدخله إلى جوفه فهو لا يحد. وهذا إذا تأكدنا أنه لم يدخل شيء إلى جوفه. وإلا فقد ثبت عن الصحابة إقامة حد الخمر بوجود رائحته في الفم. وهذه مسألة في كتاب الحدود تذكر: هل يقام الحد على شارب الخمر إذا لم يتيقن شربه، ولكن وجد ذلك في فمه؟ أي رائحة الخمر في فمه. الجواب في هذا خلاف. وقد ثبت عن الصحابة العمل بذلك، أي أنهم أقاموا الحد على من وجد في فمه رائحة الخمر. فإذا قول المؤلف رحمه الله: لا يحد بوضع الخمر فيهما، أي يقيد إذا تيقن أن الذي وضعه في الفم لم يدخله لم يدخله إلى الجوف. فإذا هذا كذلك دليل آخر يؤكد أن الفم من الظاهر، ليس من الباطن. فإذا هو يغسل مع الوجه. والرابع: قال: ولا ينشر الرضاع وصول اللبن إليهما. وصول اللبن إلى الفم والأنف ولو مليون مرة، ما دام لم يدخل إلى الجوف لا يثبت به حكم الرضاع. إنما يثبت حكم الرضاع إذا نزل اللبن إلى الجوف في سن الرضاع، وفي خمس رضاعات مشبعات. وهذا يؤكد كذلك أن الفم والأنف من الظاهر، ليس من الباطن. فإذا يغسلان مع الوجه. والخامس: قال: ويجب غسلهما من النجاسة. ويجب غسلهما من النجاسة، يعني إذا أصابت النجاسة الأنف أو الفم وجب غسلهما، أي الفم بالمضمضة والأنف بالاستنشاق. مثلا أكل الإنسان ميتة أو وقعت نجاسة في فمه أو في أنفه، يجب عليه أن يغسل هذه النجاسة. بخلاف ما إذا ابتلع النجاسة. ما نقول له: استفرغ وتقي وخرج النجاسة. أخطأ. فابتلع نجاسة. هذه النجاسة التي ابتلعها ليس لها حكم في الشرع، يعني يؤمر بتطهير الباطن. لكن الظاهر يؤمر. فدل ذلك على أن الفم والأنف من الظاهر، وأنهم من الوجه فيغسلان مع الوجه. هذا وجه استدلاله رحمه الله بهذه الأحكام الخمسة على أن الأنف والفم من الوجه، ويغسلان مع الوجه. ثم قال رحمه الله: وهذه أحكام الظاهر، ولو كان باطنين انعكست هذه الأحكام. يعني هذه الأحكام الخمسة تؤكد أن الفم والأنف من الظاهر، ليس من الباطن. ولو كان من الباطن لم تكن هذه الأحكام الخمسة تجري كذلك، بل هذا يؤيد أنها من الظاهر. فإذا هي تغسل مع الظاهر. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى؛ فإن المتفقه ينظر إلى المسائل بنظرين: ينظر بدلالة الدليل على المسألة إن وجد في ذلك الدليل. فإن لم يجد نظر إلى المسألة وإلى أشباهها ونظائرها. فإن وجد لها أشباهًا ونظائر لها حكم معلوم، الحق حكم غير المعلوم بحكم المعلوم بهذه الأشباه والنظائر؛ لأن الشرع لا يجمع بين مفترق، أي مختلف، ولا يفرق بين مجتمع، يعني متفق ومتساوي. فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، والواجب يلحق بالواجب، والمسنون يلحق بالمسنون، وهكذا سائر الأحكام. فتأمل إلى دقة فقه المؤلف رحمه الله: كيف استدل بهذه الأحكام الخمسة على أن الفم والأنف من الظاهر، ليس من الباطن؛ ليصل إلى ماذا؟ ليصل إلى أنهما يغسلان مع الوجه. يعني كأنه يقول: لو لم يرد في هذا دليل صريح، فيكفينا هذه المعاني التي على أقل الأحوال من باب الاحتياط، يغسل الإنسان الأنف والفم مع الوجه؛ لأن الأحكام تدل على أنهما من الظاهر، ليس من الباطن. وبهذا يعلم معنى قوله: ولو كان باطنين إن عكست هذه الأحكام، يعني لم تكن الأحكام على هذا الوضع الذي جاء في الشرع، يعني لصار الأمر يختلف. ثم قال: وعنه أنهما واجبان في الأكبر دون الأصغر. يريد عنه أي الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فهاتان روايتان عن الإمام أحمد. الرواية الأولى: أنهما أي الفم والوجه من الواجبات في الوضوء مع غسل الوجه، سواء في الحدث الأصغر أو الأكبر، أي الغسل أو الوضوء. ورواية أخرى: أنهما واجبان أي الأنف والفم في الأكبر أي الغسل دون الأصغر أي الوضوء. وهناك رواية ثالثة وهي أن الاستنشاق واجب، والمضمضة مستحبة. نعم، سبق لسان المضمضة مستحبة. وقال مالك والشافعي: مسنونان فيهما، أي في الغسل والوضوء. المضمضة والاستنشاق. بسم الله الرحمن الرحيم. هذه سائلة من بريطانيا تسأل، تقول: أنا امرأة متزوجة لي ثمان سنوات، أقوم بجميع الحقوق الواجبة علي تجاه زوجي، ولنا أربعة أبناء. وفي الأشهر الماضية تعرف زوجي على امرأة تعمل معه، دائمًا ترسل له رسائل على الجوال. فتغير الزوج في معاملته لي واهتمامه بأبنائه، لدرجة بعض الأحيان يتركنا من دون أي طعام. فحاولت معه بشتى الطرق، تارة بالهدية وتارة بالنصيحة، ولكن لم يستجب. فما هي نصيحتك له؟ بارك الله فيكم. أسأل الله عز وجل الكريم رب العرش العظيم أن يفرج عنك هذه المصيبة، وأن يسهل أمر إصلاح زوجك، أن تدوم عشرتكما على ما يحبه الله ويرضاه. وأول الأمر أذكر هذه المرأة وزوجها بخطورة البقاء والعيش في بلاد الكفر. وهذه المشكلة هي ثمرة من ثمار البقاء في بلاد الكفر. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما. يعني لا ينبغي أن يقترب سكن المسلم من سكن الكافر والمشرك؛ لما في ذلك من الآثار السيئة والأضرار المتنوعة الكثيرة التي تضر بالمسلم فردًا، وتضر كذلك بمجتمع المسلمين عامة. تضر بالزوج وتضر بالزوجة وتضر بالابن وتضر بالبنت. فالمهم تحرص المرأة على نصيحة زوجها ونصيحة نفسها بالخروج من بلاد الكفر. وأما ما يتعلق بهذه القضية، فتستمر وتصبر في نصيحته، والاستعانة بأحد من أهله وقرابته أن ينصحه كذلك، وتذكره بالله عز وجل وبالإسلام الذي هو عليه، وخطورة ما يفعل، وقصر الدنيا وعاقبة ذلك في الدنيا وفي الآخرة، أي صلته بالمرأة الأجنبية. وتحذره من فتنة النساء، وتستعين بذلك ببعض الأشرطة النافعة لمشايخ أهل السنة. وهكذا الكتب والمطبوعات في هذا الباب التي تحذر من فتنة النساء. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول كما جاء في الصحيح من حديث أسامة: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». كما أنصح المرأة أن تصبر وتحتسب، ولا يدفعها ذلك أن تغير وتبدل أو تفكر بأشياء أخرى يدفعها إليها الشيطان، يكون سببًا في خسارة الدنيا والآخرة. بل تصبر وتحتسب وتعلم أن الله لن يضيعها ما دامت هي تتقيه، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فالله عز وجل حسبك وحسيبك، ولن يضيعك بإذن الله تعالى. تمسكي بما علمت من دين الله، وثقي بالله أن الله معك بإذن الله، ولن يضيعك ربك الكريم الرحيم سبحانه. وأنصح هذا الزوج أن يتقي الله عز وجل، وأن يراقب الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أن الدنيا قصيرة، وأن ما يفعله لا يحل له. إن كان رغب في هذه المرأة وكانت امرأة ذات دين مسلمة، فليتزوجها بالحلال. والله عز وجل أحل للمسلم أن ينكح المرأة والمرأتين والثلاث والأربع، بشرط أن يعدل وأن يكون عنده استطاعة لذلك. وأما أن يميل فيترك زوجته فهذا حرام وظلم. إذا كان لا يجوز للمسلم أن يميل إلى زوجته الأخرى بأن يترك أحد الزوجتين ويميل إلى الأخرى، فعد هذا في الشرع ظلمًا وعدوانًا. فكيف إذا كانت المرأة التي مال إليها ليست بزوجته أصلا؟ فهذا أعظم وأعظم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت». في رواية: «من يعول». يعني أنه من الإثم العظيم العظيم العظيم أن يضيع المرء من أمر بالنفقة عليه، أي كالزوجة والأبناء. فحرام على من علم مثل هذا أن يترك هذه المرأة وهؤلاء الأبناء من دون نفقة. وأين في بلاد الكفر الذي ربما إذا خرجت المرأة تلقفتها أيدي الأشرار من الكفار والفجار، فيتحمل آثامًا عظيمة بعضها فوق بعض، وهي ظلمات يحمل إثمها يوم القيامة. وهكذا أبناءه الذين قد يميلون يمنة ويسرة، فيتحمل إثمهم كذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من امرئ مسلم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عز وجل عليه رائحة الجنة». وفي الحديث الآخر: «ما من امرئ يتولى على عشر فما فوقهم إلا أتى يوم القيامة ويداه مغلولتان لعنقه، فإما أن يفكه عدله وإما أن يكبه جوره». والعياذ بالله. أي في النار. فالنصيحة للجميع أن يتق الله عز وجل، وأن يستمسك بما علم من دينه سبحانه وتعالى. وأسأل الله عز وجل أن يصلح أمر هذين الزوجين. والله أعلم. وهذه سائلة من فرنسا تقول: ما حكم طلب الجنسية من البلدان الكافرة للضرورة؟ يعني أن بعض السلفيين يقولون: أنها تساعدهم على الهجرة للبلدان المسلمة. فما تعليقكم على هذا؟ الجواب: لا يجوز للمسلم أن يأخذ جنسية البلدان الكافرة؛ لما في ذلك من المفاسد الكثيرة له ولذريته من بعده. ولشيخ مشايخنا الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله تعالى فتوى ونقاش في هذه القضية في اجتماع المجمع الفقهي في مجلة المجمع الفقهي، وفتوى مدونة في هذه القضية، وهي مهمة ومفيدة، وتحتها مباحث وتعليقات كثيرة تتعلق بهذه القضية الخطيرة، حتى أن المجمع الفقهي عقد لها اجتماعًا، وسردت فيها مفاسد هذه القضية وأوجهها وأحوالها. فالخلاصة: أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ جنسية البلدان الكافرة. وأما قول السائلة: للضرورة. الجواب: الضرورة إذا كانت حقيقية، فقد دل الدليل الشرعي أنها تبيح المحظور. قال الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. انظر إلى هذا القيد: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. يعني ضرورة حقيقية. ليس كل من وجد مشقة قال: أنا في ضرورة، وأذهب إلى بلاد الكفر. لا. الضرورة التي تحل هي كضرورة أكل الميتة. متى يجوز للمسلم أن يأكل الميتة؟ الميتة محرمة. متى يجوز له أن يأكلها؟ يأكلها عند الضرورة. فإن كان الضرورة حقيقية كضرورة أكل الميتة، فعند ذلك يصح أن نقول: الضرورات تبيح المحظورات. وأما شدة العيش والمضايق التي قد يجدها بعض المسلمين في بلادهم وبلدانهم، فهذه بالغالب ليست بضرورة. وينبغي المسلم أن يصبر، ويعلم أن من سبقه من المسلمين قد أوذوا وصبروا. والمسلم ينبغي عليه أن ينظر إلى سلامة دينه، ليس إلى سلامة الدنيا. تأمل هذا: بقاء المسلم في بلاد الكفر فيه أضرار عظيمة على الدين. وهل أنت يا من تطلب هذه الجنسية تطلبها للدين أم تطلبها للدنيا؟ أنصف نفسك وتأمل في ذلك تأملًا دقيقًا تصل بإذن الله إلى الحكم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «استفتي قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك». والله تعالى أعلم. يقول أخونا أبو حديثة: قد يقع لبعض الناس أن لا يستطيع أن يرجع إلى بلده، ولا تقبله أي بلاد أخرى، مثل بعض إخواننا الليبيين. مثلا بعض الإخوة من ليبيا لا يستطيع أن يرجع إلى بلده، ولا تقبله أي دولة أخرى. يعني من بلاد الإسلام. فإن كان هذا الوصف صحيح فهو من الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات. والله تعالى أعلم. وهذا السائل يسأل من الجزائر، يقول: رجل سب الله. هل يطلق عليه كافر؟ الجواب: الأصل أن سب الله ورسوله والدين يعد من الكفر. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فسمى الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفرًا. ولكن ذكر العلماء أن فاعل الكفر لا يكون كافرًا حتى تنتفي الموانع وتتوفر الشروط. فقد يسب الله مجنون، وقد يسب الله مكره، وقد يسب الله وهو لا يعقل في غضب شديد يذهب معه العقل. فمثل هذه الأحوال لا يعد هذا الفاعل لهذا الكفر كافرًا. الفعل كفر، لكن الفاعل ليس بكافر لوجود العذر. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فمن أكره على قول الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فهو ليس بكافر. القول كفر، لكن القلب مطمئن بالإيمان فهو ليس بكافر. ومثله كذلك لو كان الإنسان قال ذلك في وقت غضب شديد فقد عقله معه. وليس معنى هذا أن يتساهل الإنسان في السب مع الغضب؛ الله عز وجل يعلم من الذي افتقد عقله فخرجت الكلمة، خصوصًا إذا كانت له عادة سيئة من قبل، قد يجري اللسان بما لا يرضى به العقل، يجري اللسان بما تعود من قبل. وعلى هذا يحمل قول النبي عليه الصلاة والسلام فيمن حلف بالله والعزة: أن يقول لا إله إلا الله. لا يجوز المسلم أن يحلف بالله والعزة. لو حلف بذلك عن عقيدة صار كفرًا. لكن لأن بعض الصحابة ربما جرى ذلك على ألسنتهم لكثرة ما كانوا يحلفون في أيام الجاهلية، صار هذا مما لا يكون به الكفر؛ لأنه يخرج من غير قصد، من غير إرادة. والله عز وجل إنما يؤاخذ بما خرج بقصد وإرادة. ومثل رجل كان فاجرًا فاسقًا ثم أسلم وحسن إسلامه. يعني كان رجل تارك صلاة، متلاعب بدينه، ثم حسن إسلامه واستقام. ولكن عند الغضب ربما تخرج منه كلمات بغير إرادة. فمثل هذا فعله وقوله كفر، وهو ليس بكافر ما دام لم يرد هذا اللفظ ولم يقصده. والله أعلم بحقيقة حال هذا الإنسان. ولذلك قد يكون هذا حكمه فيما بينه وبين الله. أما في الدنيا إذا بلغ ذلك الحاكم، ليس له إلا الظاهر، ليس له إلا الظاهر. وهذه قضية خطيرة وتحتها مسائل ودقائق. ولهذا قد تسمعون من أهل العلم كلمات ربما تظن أن المسألة فيها خلاف، وليس فيها خلاف، ولكن بحسب نظر العالم، وكذلك قصده؛ لأن القضية والمسألة تحتها تفاصيل ودقائق يختلف حكم المسألة باختلاف تلك التفاصيل والدقائق. والله أعلم. وهذا سؤال يقول صاحبه: عندي كتب لأولادي في باب التربية، مليء بصور ذات أدوات الأرواح. ماذا أفعل معها؟ الجواب: إن كان يمكن الاستغناء عن هذا الكتاب بغيره، فيستغنى بغيره مما ليس فيه الصور. وإن كان هناك حاجة لهذا الكتاب، لا يوجد في غيره، فليطمس رؤوس هذه الصور. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الصورة الرأس». فإذا قطع الرأس فلا صورة. فيطمس الرأس. وإن شاء الله يجزئه ذلك. ويحرص على الكتب التي ليس فيها صور؛ لما ورد من الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الصور والمصورين، واقتناء هذه الصور. والله أعلم. وهذا رجل يقول من تونس: كان على جنابة وهو في بيت أهل زوجته، فاستحي أن يغتسل. فهل يجوز له التيمم لحضور الصلاة؟ الجواب: لا، لا يجوز. الواجب عليه أن يغتسل، ولا ينبغي له أن يستحي من الناس، ولا يستحي من الله. بل الواجب عليه أن يستحي من التضييع لأحكام الله، أعظم من حيائه من الناس. إلا إذا كان خشي التهمة. فهنا أجاز بعض أهل العلم. وهذه فتوى شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، ونحوها فتوى تروى عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه يجوز للمسلم إذا ابتلي وخشي التهمة، كأن يكون بات في بيت قوم، وهم لا يعرفونه، وخشي إن هو اغتسل في نهار أو ليلة ذاك المبيت أن يتهم، وتحصل مفسدة كبيرة، أن يصلي بتيمم. وهذا على قاعدة الضرورات تبيح المحظورات. أما إذا كانت المسألة حياء ومجاملات، فهذا لا ينبغي أن يكون على حساب الدين. وهذه سائلة من الجزائر تقول: امرأة توفي عنها زوجها على مبلغ مالي، وأطعمت منه الجيران والذين يأتون للعزاء. فهل تبلغ الورثة عن المبلغ كاملًا؟ الجواب: من تمام الأمانة أن تبلغ، ولا يضرها ذلك، ولا يلزمها شيء، خصوصًا إذا كانت النفقة بمقتضى العرف، وليس عندها مال تنفق من مالها. فإن شاء الله ما يضرها شيء أن تبلغ الورثة أن المال كان كذا وكذا، وأنفقت منه كذا وكذا، وهذا الباقي، ويقسم على ما قسم الله عز وجل للورثة بالنسبة للميت. والله تعالى أعلم.