شرح السياسة الشرعية  33

شرح السياسة الشرعية 33

الدرس في شرح السياسة الشرعية 33، الدرس الثالث والثلاثون:من( الفصل الثاني:عقوبة المحاربين وقطاع الطريق ... قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟قال:إنه أراد قتل صاحبه.أخرجاه في الصحيحين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقوبة المحاربين وقطاع الطريق

يتحدث عن عقوبة المحاربين وقطاع الطريق وشروط اعتبارهم كذلك، ويفرق بينهم وبين غيرهم من المجرمين. العقوبة تختلف حسب الظروف والملابسات.

أحكام المحاربين وتفسير آية الحرابة

يتناول أحكام المحاربين وقطاع الطرق، ويشرح معنى آية الحرابة وتفسيرها وتطبيقها على مرتكبي الجرائم. يُبيّن اختلاف آراء الفقهاء في معاملة المجرمين.

حكم المتعاونين في الجرائم

يشرح حكم المحاربين والمتعاونين في الجرائم، حيث يرى الجمهور أن الجميع يقتلون إذا تعاونوا في القتل. يُبين أن التعاون في الإثم يوجب العقاب على الجميع.

نصائح للابتعاد عن الجاهليات

ينصح بالابتعاد عن العادات الجاهلية حفاظا على دين المرأة، ويقترح الانتقال إلى بيئة أخرى إذا لزم الأمر. التأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»: الفصل الثاني: عقوبة المحاربين وقطاع الطريق. قوله رحمه الله: الفصل الثاني في عقوبة المحاربين وقطاع الطريق، هكذا جاء في بعض النسخ، فهو بهذا تتمة لنفس الباب الذي مر معنا في حدود الله وحقوقه. فالفصل الأول كان في الحكم بين الناس في الحدود والحقوق، وهذا الفصل في الكلام على عقوبة المحاربين وقطاع الطريق خاصة. قال رحمه الله تعالى: ومن ذلك عقوبة المحاربين وقطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة من الأعراب والتركمان والأكراد والفلاحين وفسقة الجند أو مردة الحاضر أو غيرهم. فقوله رحمه الله: ومن ذلك، أي ومن المعنى العام الذي مر معنا في الفصل الأول. وقد مر معنا في الفصل الأول معنى عام ذكره رحمه الله فيما يتعلق بالحكم بين الناس في الحدود والحقوق، فإنه يجب إقامة الحدود على ولي الأمر أن يقيم هذه الحدود لأجل أن يستتب الأمن في المجتمع، وأن يدع الناس لشريعة الله، وتتحقق بذلك المصالح الدينية والدنيوية التي يكون بها سعادة هذا الإنسان في الدنيا وكذلك في الآخرة. فقوله: من ذلك، أي كما سبق مما تقدم عقوبة المحاربين وقطاع الطريق، يعني ما سيأتي من ذكر العقوبة لهؤلاء كما جاء به النص من الكتاب والسنة. ثم بيّن من هؤلاء المحاربون وقطاع الطريق أو الطرق، قال: الذين يعترضون الناس بالسلاح. فإذا لم يكن الاعتراض بالسلاح فليسوا من قطاع الطريق، ولكن لا ينحصر السلاح بالسيف والسكين أو مثلا في زماننا هذا بالبندقية، بل كل ما يكون فيه التخويف، حتى نص العلماء أنه ولو كان معهم عصي أو حجارة فإنه يدخل في معنى السلاح، كما نص عليه في الإنصاف وفي غيرها من كتب أهل العلم. فإذا لم يكن هناك سلاح ولا ما هو بمعناه فليسوا بقطاع طريق. وقوله: في الطرقات ونحوها، أخرج بعض أهل العلم ما إذا كان ليس في الخلاء، ما إذا كان ليس في الخلاء مثل أن تكون خصومات في القرى أو في المدن أو بجانب كذلك بعض البدو من أهل الرعي، فقد تكون بالقوة يأخذ بالسلاح مال إنسان أو طائفة. فليست كل قضية حصل فيها إشهار سلاح وأخذ مال فهو من حكم قطاع الطريق. وهل هذا على إطلاقه؟ الصحيح فيه تفصيل. فالآية كما سيأتي معنى عامة، المقصود هو السعي في الأرض بالفساد، فإن كان هذا هو المقصد ولو كان في المدن أو في القرى أو في غير ذلك، ليس من شرطه الخلاء لعموم الأدلة في هذا الباب. فمن هؤلاء أولئك الذين يسلكون مسلك الإجرام في أخذ أموال الناس بالقوة بالسلاح، فإنهم قد يفعلون هذا في أوساط المدن، في أوساط المدن قد يفعلون مثل هذا، خصوصا في ساعات متأخرة من الليل أو في الأماكن النائية في المدن أو غير ذلك مما يتيسر لهم أخذ أموال الناس بالقوة، فإنهم يدخلون على الصحيح في عموم هذه الأدلة وهذا الحكم. وأما ما كان فيه ملابسات فالأمر يختلف، فلو مثلا مر طائفة بمكان ما فآذوهم فاعتدوا عليهم بالسلاح لأجل هذه الأذية، فهذا الاعتداء ليس من هذا الباب، لكن يستحق التعزير. يستحق التعزير. يستحق التعزير، مثلا مر بعض الناس بالقرى فآذوهم، تكشفوا مثلا على أشياء ما يحبوا أن يتكشف عليها، فردوا الخطأ بخطأ أكبر منه، يعني أهل هذه القرية ردوا الخطأ بخطأ أكبر منه، سلبوا هؤلاء المارة أموالهم أو شيء مما يملكون بالقوة وبالسلاح، فهل هذا يعد من قطع الطريق؟ الجواب: لا، ليس هذا من قطع الطريق، ولكنه من الظلم العدوان، فلا يكون حكمه كحكم قطاع الطريق، وإنما يكون عليهم التعزير. وقد جاءت فتوى عن بعض الأئمة في نحو هذه المسألة، فهذا هو الصحيح التفصيل في مثل هذا المقام. وقوله: ليغصبوهم المال مجاهرة، يعني إذا كان ليس مجاهرة وإنما هو خفية فهو ليس من هذا الباب، بل هو من السرقة. وقوله رحمه الله: من الأعراب والتركمان إلى آخره، يعني هذا في زمن المؤلف رحمه الله يكثر قطاع الطريق أو الطرق من أمثال هؤلاء من الأعراب والتركمان والأكراد وبعض الفلاحين وفسقة الجند ومردة الحاضرة أو غيرهم. وذكر رحمه الله ما كان في زمانه رحمه الله، وفي زماننا هذا قد يوجد بعض هؤلاء وغيرهم، فيوجد من بعض الأعراب والبدو في بعض الجهات من هم من قطاع الطرق. وللأسف صار في بعضهم شيء من الأمور الجاهلية يظنون أن هذا يدل على قوة وشجاعة، وما علموا أنها دناءة وذل في الدنيا والآخرة مع ما فيه من الإثم ومخالفة الشرع. وكذلك قد يوجد من بعض الجند من يعمل مثل ذلك كما ذكر، وفسقة الجند قد يوجد بعض من ينتسب إلى عسكر الحكومات من يكون عنده شيء من البغي والفساد، فيستغل مهنته في الاعتداء على الناس. ولهذا كما سيأتي معنا إن شاء الله أنه قد تضاعف العقوبة بحسب ما يقتضيه المقام، فمن كان محل أمان فظهر منه الإجرام فإنه تضاعف له العقوبة لأنه قد أخطأ مرتين، مرة بجريمته ومرة بانتهاكه محل مهنته التي ينبغي أن تكون موضع أمان. قال رحمه الله: قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. هذه الآية تدل على هذا الحكم الذي أشار إليه رحمه الله، وسيأتي معنا فيها أحكام كثيرة، وهي التي تسمى بآية الحرابة، أي في حق من حارب المؤمنين وبغى عليهم وأظهر في الأرض الفساد، فهؤلاء كما نرى في الآية جزاءهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، هذه أربعة أحكام: القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض. وجاءت هذه الأحكام بالتخيير بأو، ولهذا كما سيأتي معنا اختلف أهل العلم في حكم هؤلاء، هل تكون تلك الأحكام على وجه التخيير أم الترتيب أم للإمام وولي الأمر؟ قال رحمه الله: وقد روى الشافعي رحمه الله في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد رضي الله عنهما، وهو قريب من قول أبي حنيفة رحمه الله، فهذا هو قول الجمهور، وهو كذلك يقتضيه ظاهر النص وعمومات الأدلة، وهو العدل في معاملة المعتدي بجنسه ومثله معتدى، ويؤيده ويفسره ما جاء في الصحيحين في قصة العُرنيين من حديث أنس. وهي قصة طويلة في أولئك القوم الذين جاءوا إلى المدينة فاجتووا جو المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فشفاهم الله حتى إذا صحوا وسمنوا كفروا نعمة الله، فقتلوا الراعي وسملوا أعينه وسرقوا الإبل وهربوا بها. فبلغ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بمن يدركهم فأدركوهم فأتوا بهم، فأمر بهم النبي عليه الصلاة والسلام فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم وصلبهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. ففعل بهم بجنس ما فعلوا ومثل ما فعلوا، وهذا يدل على معنى الآية وتفسيرها. قال رحمه الله: ومنهم من قال: يسوغ للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى قتله مصلحة وإن كان لم يقتل، مثل أن يكون رئيسا مطاعا فيهم، يعني في هؤلاء المجرمين. قال: ويقطع من رأى قطعه مصلحة وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جلد وقوة في أخذ المال. كما أن منهم من يرى أنه إذا أخذوا المال قتلوا وقطعوا وصلبوا. والأول قول الأكثر، يعني أنهم يؤخذوا بقدر جريمتهم. والأول قول الجمهور، والثاني هو قول المالكية، يروى عن الإمام مالك، وروي عن بعض أهل العلم كسعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد وجماعة. ولكن قول جمهور أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأتباع التابعين والأئمة هو القول الأول، فالقول الأول هو الأرجح، وظاهر كلام الشيخ رحمه الله ترجيح القول الأول. قال رحمه الله: فمن كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء. ومعناه أن هذا كالاستثناء أنهم لم يختلفوا في مثل هذا، لأن القاتل قتل عمد يقتل. وفي كتب الفقه تفاصيل في مسألة القتل، وسبقت الإشارة إليه، فقتل الغيلة وما يتعلق به حق السلطان لا يجوز العفو فيه حتى ولو عفى أولياء المقتول، حتى ولو عفى أولياء المقتول، فيبقى حق السلطان. قال: ذكره ابن المندر، ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، لماذا؟ لأن فيه هذا الحق الذي أمر الله عز وجل به ووجب على السلطان تنفيذه، وقد تقدم معنى ذلك في الفصل الذي سبق قبل هذا الفصل. قال: بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، كان يتنازع اثنان فيقتل أحدهم الآخر، فهذا يختلف إذا عفى أولياء المقتول لم يجب على السلطان أن يقتل القاتل، فيسقط الحكم بعفو أولياء المقتول. بخلاف ما كان بمثل هذا الذي فيه حد من حدود الله وحكم من الله، قال: فإن هذا دمه لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا عفوا وإن أحبوا أخذوا الدية، لأن قتله لغرض خاص. وأما المحاربون فإنهم يقتلون لأخذ أموال الناس، ضررهم عام بمنزلة السراق، فكان قتلهم حدا لله. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل، مثل أن يكون القاتل حرا والمقتول عبدا أو القاتل مسلما والمقتول ذميا أو مستأمنا، ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه أنه لا يقتل مسلم بكافر، لكن هذا فيما إذا لم يكن في مثل هذه المسألة، لأن هذه المسألة القتل ليس لأجل الشخص وإنما لأجل حق الله والإفساد في الأرض. فلهذا أمر الله بقتل أمثال، فلهذا استثنى بعض أهل العلم بعض الصور، فقال: فقد اختلف الفقهاء هل يقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل، يعني إذا كان القاتل مسلم والمقتول كافر. قال: لأنه قتل للفساد العام حدا، كما يقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يحبس بحقوقهم. وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة، فالواحد منهم باشر القتل بنفسه، والباقون أعوان له وردء له، فقد قيل: إنه يقتل المباشر فقط. والجمهور على أن الجميع يقتلون، ولو كانوا مئة، يعني ما دام تعاونوا في قتله ولو باشر القتل واحد. وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وكذلك الشرع، فالنبي صلى الله عليه وسلم قتل العُرنيين ولم يستفصل، مع أن القاتل قد يكون ليس الجميع، ولم يذكر بالحديث، ولكن لأنهم تعاونوا في هذه الجريمة: القتل والسرقة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم جميعا، جزاء لفعلهم وإفسادهم. وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. مع أن المباشر للقتل قد يكون واحد، لكن لأنهم مشتركون في هذه الجريمة والإفساد، فإن الحكم يعمهم. وهكذا كذلك رويت فيه آثار تدل على صحة هذا المعنى. قال رحمه الله: أن الردء والمباشر سواء، الردء يعني المعاون، المحامي ربما لو كان وحده ما استطاع أن يقتل، وما استطاع أن يسرق، لكن لكونهم جماعة مسلحة استطاعوا أن يسرقوا وأن يقتلوا، ولهذا استحق الجميع الحكم. ولأن فيه كذلك زيادة ردع وتخويف لهؤلاء المجرمين ألا يباشروا مثل هذا العمل وهذا الفساد. قال رحمه الله: وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين، والربيئة هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء. وهذا يدل أنه أشركه رضي الله عنه في الحكم مع أنه لم يباشر حتى في التخويف، وإنما فقط كان عينا لهؤلاء. قال: ولأن المباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء ومعونته، والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين. يعني المجاهدون جميعا لهم الأجر ولهم الغنيمة، مع أن الفتح ربما يكون على بعض المجاهدين ليس الجميع، ولكن الأجر للجميع، فبتعاونهم حصل الفتح وحصل النصر، وكذلك يقال في التعاون على الإثم العدوان، يكون العقاب بمثل ذلك. قال رحمه الله: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويردوا مُتَسَرِّيهم على قاعدتهم». قال: يعني والحديث كما ترون في التعليق فيه طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، جاء من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، وجاء من حديث علي، وقد صححه وحسنه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. قال: يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالا، فإن الجيش يشاركها فيما غنمت، لأنها بظهره وقوته تمكنت. لكن تنفل عنها نفلا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل السرية إذا كانوا في بدأتهم الربع بعد الخمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرت سرية نفلت الثلث بعد الخمس. وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية، لأنها في مصلحة الجيش. كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة والزبير يوم بدر، لأنه كان قد بعثهما في مصلحة الجيش، يعني ولو لم يحضرا الغزو. قال: فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهذا الحديث مر معنا معناه في أوائل الكتاب، وهو حديث صحيح. والمقصود ها هنا القياس، يعني كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الجميع يشترك في الأجر وفي المغنم، فكذلك إذا اشترك طائفة في إثم وفي جرم، فإنهم يشركون كذلك في هذا الإثم وهذا الجرم. وهذا هو قوله: فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. قال: وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية ودعوة جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما، هما ظالمتان. وكانت قبائل من قبائل العرب مشهورة يحصل بينها الكثير من القتال، وقد تقدم معنا ما قد يقع من جهتهم من الفساد، ولا يعني ذلك تعميم الحكم لكل تلك الجهة، ولكن طوائف يكثر فيها الظلم والفساد، مثل بعض القبائل المشهورة في زماننا هذا مما يكثر بينها الحروب. فإذا سميت فالمقصود ما يغلب عليها، لا أن يعمم الحكم على الجميع. قال: قال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل صاحبه». أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». والمقصود من هذا أن هؤلاء المقاتلون على باطل لا تأويل فيه لعصبية ودعوة جاهلية، كهاتين القبيلتين وما كان بمعناهما مما يقع بين الناس، يلحقهم جميعا الإثم، ولو كان القاتل واحد، لأن الجميع تقاتل. وبه يعلم كذلك أنه لا يجوز الدخول في مثل هذا النوع من القتال، وليس معناه لا يجوز الدخول يعني أن تحمل السلاح وتذهب معهم بالقتال، بل لا تعاون حتى بمال، لأن القبيلة قد تفرض على كل فرد من أفراد القبيلة أن يدفع مالا لأجل القتال، أو كذلك أن يشتري سلاحا، أو كذلك أن يتقاسموا مهمات البغي والعدوان، وكل ذلك لا يجوز. وبعض الناس ربما حين يخاف مما يكون من مقاطعة وغيرها يلين فيشاركهم، ولكن يظن أنه لا يلحقه الإثم إذا شاركهم بغير القتل، وهذا ليس بالصحيح، بل مشاركته لهم ولو بغير القتل يكون له فيه نصيب من الإثم. ولهذا الأولى الابتعاد عن أمثال هذه الجاهليات، فهذا الأسلم بدين المرأة. ولو أن ينتقل إلى بلدة أخرى. نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في وقت لاحق، والله تعالى أعلم.