الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 1، الدرس الأول:من( بسم الله الرحمن الرحيم ... يشتمل على كتب وأبواب وفصول فمن أقسام الربع الأول ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المؤلف يقدم كتابه مقتصر منهاج القاصدين ويشرح سبب تأليفه، ويشير إلى أهمية الأمانة العلمية واحترام العلماء. يُبرز أدب أهل العلم في الثناء على بعضهم البعض واحترامهم.
ابن الجوزي ينتقد كتاب الإحياء للغزالي ويعرض كتابه كبديل صحيح يعتمد على النقول الأصح والأشهر. يشير إلى أهمية العلم في تصحيح الطريق وأداء حقوق الله.
الإجمال قبل التفصيل يساعد في حصر العلم وإدراكه، وقد تم الاكتفاء بهذا القدر على أن يستكمل الباقي في درس لاحق. يُشير إلى أهمية هذا الأسلوب في فهم العلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. كنا قد قرأنا في دروس سابقة في هذا الكتاب المسمى "مقتصر منهاج القاصدين" للحافظ الشيخ الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قدامة، رحمه الله تعالى. ونظرًا لانقطاع طويل عن الاستمرار، وإتيان إخوان جدد، كثر طلب بعض الإخوان إعادة التدرس من جديد، خصوصًا أنه مليء بالفوائد والآداب، فوائد علمية وآداب تربوية ومنهجية كثيرة، لا يستغني طالب علم، بل عموم المسلمين، من المذاكرة فيها وتكرار المعاني المذكورة. هذا الكتاب هو عبارة عن اختصار، فأصل كتاب "مقتصر منهاج القاصدين" هو "منهاج القاصدين" لابن الجوزي. وهذا الكتاب الذي هو "منهاج القاصدين" هو مختصر من كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي. ولما كان كتاب الغزالي فيه من الملاحظات العقدية والحديثية، وهكذا كذلك بعض الشطحات الصوفية، ما لا يوافق طريقة أهل العلم الراسخين العارفين بسبيل السنة، كان تحاشي الكثير لهذا الكتاب من أهل العلم والتحذير منه. ولما كان فيه بعض المواضيع والمباحث المفيدة، قام هذا الشيخ والإمام، وهو الإمام ابن الجوزي، رحمه الله، بانتقاء ما هو مفيد وتهذيب ذاك الكتاب، فأخرج كتابه المسمى "منهاج القاصدين"، انتقاء وزاد وهذب، فخرج كتاب "منهاج القاصدين" في حلة تختلف تمامًا عن حلة "إحياء علوم الدين". فوجد ذلك الكتاب وانتشر بين أهل العلم، فوقف عليه عدد من العلماء واستحسنوا أن يزاد في تهذيبه، وفي كذلك إكمال ما يحتاج إلى إكمال. فكان هذا من نصيب الشيخ الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى، فخرج هذا الكتاب بهذه الحلة التي سترونها إن شاء الله تعالى. وأثنى عليه العلماء كثيرًا، فاعتنوا به قراءة وشرحًا وتعليقًا، لما فيه كما قلنا من مباحث مهمة علمية وتربوية وغير ذلك. على أن الكتاب مع ذلك لم يسلم من بعض الملاحظات، فعلق بعض أهل العلم على ذلك بتعليقات، ومنها ما كان من بعض طلبة الشيخ العلامة الألباني، رحمهم الله تعالى، في بعض تخريجات هذا الكتاب. فالخلاصة هو كتاب مفيد، أي "المقتصر"، "مقتصر منهاج القاصدين"، ولهذا اعتنى عدد من أهل العلم بالقراءة فيه، وحث الناس على الاستفادة منه، خصوصًا طلبة العلم. فلأجل هذا كان انتقاء هذا الكتاب لأجل ما فيه من مباحث مهمة لا يستغنى عنها. وقد قسمه صاحبه، رحمه الله تعالى، إلى أربعة أقسام كما ترون في فهرسه. وأوله ما يتعلق بالعلم. قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الإمام الزاهد العابد الأوحد العلامة نجم الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد العلامة عز الدين عبد الله محمد بن الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد العلامة شيخ الإسلام مفتي الأنام سيد العلماء والحكام شمس الدين أبي محمد عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العالم العامل العارف الزاهد الورع شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، رحمه الله أو رضي الله تعالى عنه. ولو لم يقُلْ: رحمه الله، وهذه الألقاب اشتهر التعامل بها في زمن هؤلاء العلماء، وإلا بعض أهل العلم قد كره مثل هذه الألقاب: نجم الدين، وعز الدين، وشمس الدين، ونحو ذلك مما فيه معاني التزكية والمبالغة في الإطراء، وقد نهينا عن ما هو بمعنى ذلك. قال: الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد، وخص أهل طاعته بالهداية إلى سبيل الرشاد، ووفقهم بلطفه لصالح الأعمال، ففازوا ببلوغ المراد، أحمده حمد معترف بجزيل الإرفاد، وأعوذ به من وبيل الطرد والإبعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم المعاد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، موضح طريق الهدى والسداد، قامع الجاحدين والملحدين من أهل الزيغ والعناد، صلى الله تعالى عليه وعلى آله الأكرمين الأجواد، صلاة تبلغ بها نهاية الأمل والمراد. وبعد، فإني كنت وقفت مرة على كتاب "منهاج القاصدين" للشيخ الإمام العالم الأوحد جمال الدين بن الجوزي، رحمه الله تعالى، فرأيته من أجل الكتب وأنفعها وأكثرها فوائد، فحصل عندي بمطالعته رغبة في تحصيله ومطالعته، فلما تأملته ثانيًا وجدته فوق ما كان في نفسي، لكن رأيته كتابًا مبسوطًا -يعني متوسعًا- فأحببت أن أعلق منه هذا المختصر الذي قد احتوى على أكثر مقاصده وأجل مهماته وفوائده، سوى ما ذكر في أوائله من مسائل ظاهرة تتعلق بالفروع، فإنها مشهورة في كتب الفقه المستفيدة بين الناس، إذ كان المقصود من الكتاب غير ذلك، ليس المقصود هو دراسة مسائل الفقه، فمسائل الفقه تدرس في كتب الفقه، لكن المقصود هو أخذ المباحث العلمية والتربوية المهذبة في هذا الكتاب. قال: ولم ألتزم فيه المحافظة على ترتيبه وذكر ألفاظه بعينها، بل ذكرت بعضها بالمعنى قصدًا للاختصار، وربما ذكرت فيه حديثًا أو شيئًا يسيرًا من غيره -يعني زاد عليه- إن كان مناسبًا له. والله تعالى أعلم. وأسأل الله الكريم أن ينفعنا به، ومن قرأه أو سمعه أو نظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يختم لنا بخير، ويوفقنا لما يرضاه من القول والعمل والنية، وأن يسامحنا في تقصيرنا وتفريطنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقه، فإنه حسبنا ونعم الوكيل. هذه المقدمة من المؤلف، رحمه الله، قد رأينا هذه الإشارات لمقصده ولسبب تأليفه، وقد اجتمعت على مجموعة من الإشارات والمقاصد، ننبه منها على خمس مسائل فيه. أولاً: حسن ابتداء المؤلف، رحمه الله تعالى، هذه المقدمة بما فيه إشارة إلى مباحث الكتاب، وهذا يسمى عند البلاغيين بـ "براعة الاستهلال". وهذا مفيد، ينبغي للعالم وطالب العلم والداعي إلى الله أن ينتبه لمثل هذه اللفتات اللطيفة من أهل العلم. فانظر قوله: الحمد لله الذي عم برحمته جميع العباد... إلى آخر ما ذكر من المقدمة قبل الشهادة، فإنه فيه إشارة إلى معاني ما في هذا الكتاب. وثنى بعد ذلك بالشهادة، اقتداءً بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في افتتاح خطبه وكلماته عليه الصلاة والسلام، ومنها خطبة الحاجة. وقوله: وبعد، أي: مهما يكن من شيء بعد، و: فاصل يفصل به بين أصل الموضوع ومقدمته. ثم أشار ثانيًا إلى أصل الكتاب الذي منه اختصر، وهذا يفيدنا إلى الأمانة العلمية التي ينبغي أن يسلكها حامل العلم، فإنه إذا استفاد من موضع أحال إلى الموضع الذي استفاد منه. وهذا فيه فائدتان: الفائدة الأولى: تربية النفس على معنى الصدق والتواضع، فإن هذا مهم لحامل العلم أن يكون صادقًا متواضعًا في حمله لعلمه ونقله له. فإن من الصدق التواضع، الصدق في النقل بالإحالة، وبالتطبيق. ومن التطبيق أن لا يغتر بنفسه، ولا يدعي لنفسه ما ليس له. وإذا فعل غير ذلك الإنسان، لابد أن يكتشف، ففضيحة في الدنيا قبل الآخرة أن ينسب لنفسه شيء ليس هو له. فخير له أن يسلك مسلك الصدق. وثانيًا: فيه كذلك تخليص وتبرئة الذمة بالإحالة إلى الأصل. فأنت ربما تنقل شيئًا لا تفهمه أو لم تنتبه لخطأ فيه، فكونك ناقل هذا عذر يعدرك، لكن كونك منشئ هذا لا يعدرك. وهذا مفيد في الإحالة، خصوصًا إذا نقلت شيئًا بنصه. ثم نستفيد ثالثًا: أدب أهل العلم بعضهم مع بعض، كيف يثني بعضهم على بعض، وكذلك يتأدب بعضهم مع بعض. أولاً: احترامًا لهذا العلم المحمول، احترامًا لهذا العلم المحمول. وثانيًا: عملاً بما أمرنا به شرعًا من التأدب مع بعضنا بعضًا، وإكرام بعضنا بعضًا، خصوصًا أهل العلم، خصوصًا أهل العلم. وهذا أمر مهم يحفظ به الدين، فإن من أسباب حفظ الدين حفظ علماء الدين. وفي هذا حكايات وقصص وأخبار تدل على حرص أهل العلم قديمًا وحديثًا على هذا الأصل المهم، لأن الطعن في العلماء سبب للطعن في الدين، خصوصًا علماء أهل السنة الذين علموا بالسنة. ما أنه لا يسلم أحد من أخطاء، ما في عالم يسلم من خطأ، الجواب: لا، كل ابن آدم خطاء، لكن ما دام العالم من أهل السنة، فينبغي أن ننتبه لهذا. وأذكر قصة وقعت في زمن الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله تعالى، وهو شيخ شيخنا عبد العزيز بن باز، وغيره من المشايخ. وهو أن بعض أهل العلم أخطأ على بعض العامة في تصرف، فتطاول عليه العامي، وتجرأ عليه بعض طلبة العلم جهلاً وتسفهًا. فاستدعى الشيخ رحمه الله هذا المتطاول، ومن تج�رأ وجرأ معه إلى مجلسه، رحمه الله تعالى. ويذكر أحد المشايخ من حضر ذلك، قال: وكان ذاك العام رجلاً له رتبة عسكرية، فجاء إلى مجلس الشيخ، فقال له: أنت صنعت كذا بالشيخ فلان، قال: يا شيخ، لكن يا شيخ، قال: أقرب، فلما قرب، وكان شيخًا أعمى، ضربه ضربه حتى أسقطه على الأرض. فقال: لا أسمع أنك تنتقص عالمًا من العلماء، لا أسمع أن تنتقص عالمًا من العلماء. ثم ذكر من في المجلس، قال: أنا لم أفعل هذا لأجل فلان، ولكن فعلته لأجل العلم الذي يحمل، فعلته لأجل العلم الذي يحمل. وأن تتأمل لو أن كل عالم أخطأ، تتبعت عثرته، فطعن فيه، من يبقى للناس -يعني من علماء السنة- من يبقى للناس؟ أتباع هذا العالم سيطعنون في ذاك العالم، ويسقطونه، ويصغرون أمره. وأتباع ذاك العالم يطعنون في هذا العالم، ويسقطونه، ويصغرون أمره، في النهاية من يبقى للمجتمع؟ لا يبقى أحد. وما ظنك بمجتمع فقد الثقة بعلمائه، إلى من يلجأ؟ من يوجهه؟ ومن يعلمه؟ ومن يربيه ويهذب أمره؟ ويأخذ بيده إلى طريق الاستقامة؟ لا أحد. وهذا الذي يريده أعداء الدين، أعداء الدين يريدون هذا. ينبغي أن نستفيد من طريقة أهل العلم في الثناء بعضهم على بعض، حتى ولو كنت تبغض إنسانًا من الناس، ما دام من أهل السنة، أثني عليه ثناءً يستحقه لله سبحانه وتعالى، ليس مجاملة، وليس رياءً وسمعة، ولكن لله سبحانه وتعالى. فابن الجوزي عنده ملاحظات عليه ملاحظات، وابن قدامة هذا ممن رد على بعض أخطاء ابن الجوزي، ولكن هذه طريقة أهل العلم العارفين الراسخين، وضع كل شيء في موضعه. ورابعًا: مما نستفيده كذلك طريقة المؤلف، رحمه الله، في إضاح السبب، هي طريقة أدبية لطيفة، بين فيها رحمه الله بكل تواضع وأدب أن الكتاب الأصل عليه بعض الملاحظات، وأنه فعل ما يحتاج لإكماله. وهكذا ينبغي للإنسان كذلك إذا انتقد على من عرف باستقامته، أو تعقب، يكون تعقبه بأدب. وأخيرًا: حسن سريرة المؤلف بدعائه، فإن الدعاء من علامة حسن السريرة، كما تقدم معنا في دروس ماضية. قال رحمه الله: قال المصنف، رحمة الله عليه، بعد فراغه من هذه الخطبة: أما بعد، فإني رأيتك -أيها المريد الصادق، والعازم الجازم- قد وطنت نفسك على التخلي عن فضول الدنيا، شاغلاً، وعزمت على الانقطاع إلى الآخرة، علمًا منك أن مخالطة الخلق توجب التخليط، وإهمال المحاسبة للنفس، أصل التفريط. وأن العمر إن لم يستدرك أدركه الفوت، وأن مراحل الأنفاس تسرع بالراكب إلى منزل الموت، فنظرت أي أنيس من الكتب تستصحبه في خلوتك، وتستنطقه في حال صمتك، فإذا أنت تؤثر كتاب "إحياء علوم الدين"، وتزعم انفراده في جنسه، ونفاسته في نفسه. فأعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة. وقوله: أقلها، يدل على أن هناك ما هو أكبر منها، من أمور العقائد، وأمور التصوف، وغير ذلك مما انتقد على كتاب الإحياء. قال: وإنما نقلها كما اقتراها -يعني كما قرأها- لا أنه افتراها -يعني لم يكذب هو بهذه الأحاديث- وإنما وجدها في كتب أهل العلم، فنقلها. والغزالي لم يكن صاحب حديث، يميز بين الصحيح والضعيف والموضوع والموقوف. قال: لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع -يعني مصنوع مكذوب- وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشير إلى بعض الصلوات المذكورة في كتاب الإحياء، وأحاديثها موضوعة مكذوبة. قال: وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه -أي صاحب الإحياء- وندب إلى العمل به، ما لا حاصل له من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة بغير حاجة، والدخول في الفلوات بغير زاد -يعني رمي نفسك في الصحراء بغير زاد- وهكذا الكلام في الفناء والبقاء -يعني مسائل من مسائل الحلول والاتحاد، وتناسخ الأرواح، ونحوها من كلام صوفية مأخوذ عن بعض الفلاسفة وأهل الضلال والغي-. وهكذا تجويع النفس، والسياحة في الأرض بغير هدف، اللهم إلا البحث عن السر، والوصول إلى مرتبة اليقين كما زعموا. قال: إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره في كتاب المسمى بـ "تلبيس إبليس"، وهو كتاب عظيم لابن الجوزي، ينبغي لطالب العلم أن يقرأه ويستفيد منه. قال: وسأكتب لك كتابًا يخلو عن مفاسده، ولا يخل بفوائده، أعتمد فيه من النقول الأصح والأشهر، ومن المعاني الأثبت والأجود، وأحذف ما يصلح الحذف، وأزيد ما يصلح أن يزاد. ثم قال بعد ذلك: وإذ قد صح عزمك على العزلة لاستيفاء حق الحق -يعني حق الله- من النفس، والأخذ على يدها، فليكن وكيلك عليها العلم -يعني طريقك لتصحيح الطريق، وأداء حقوق الرب هو بالعلم- ليس بالسياحة، ولا بطرق الصوفية، ولا غير ذلك. فالمؤلف جعل هذا الكتاب عوضًا عن كتاب الإحياء، لأن كتاب الإحياء يعتبر عند المتصوفة والمتأثرين بهم من الكتب التربوية التي هي من أهم الكتب التي ينبغي الاعتناء بها. فهو كأنه يقول: يا أيها المسلم، ويا أيها السني على وجه الخصوص، اعلم أن ذاك الكتاب فيه آفات وأخطاء، ولكن استغني عنه بما أشير إليه من هذا الكتاب الذي بين يديك. قال: وكن باحثًا عن دقائق هواها لعلك تسلم، واحذر سبيل أحد رجلين: عالم عرف الجدال في الفقه، واقتنع برئاسته، أو نال القضاء فسعى في حفظ منزلته، أو زخرف الوعظ فضيق أعين شبكته. أو زاهد يتقلب برأيه الفاسد في جهالته، ويتقرب بتقبيل يده واعتقاد بركته، ويعمل بهواه دون شرع الله وسنته. فهذان عادلان عن منهاج الصواب. ومعنى عادلان: أي مائلان، خارجان، منحرفان، مقتنعان بقشور الأعمال عن خالص اللباب، خادعان للمبتدئين بلامع السراب. وطريقهما بمعزل عن سنن السلف الصالح، الذي هو جادة الاستقامة وطريق السلام. وسأدرج لك في هذا الكتاب إن شاء الله من أخبارهم ما يدل على آثارهم. وكتابنا هذا يحتاج إليه المنتهي كما يفتقر إليه المبتدي. والمراد بالمنتهي: أي العالم، والمبتدي: أي طالب العلم المبتدئ. قال: لأن فيه أسرار العبادات، والتحذير من آفات المعاملات. فالمنتهي -العالم- يحتاج إليه لينتبه ويتذكر في نفسه، ويذكر غيره. والمبتدي لأجل أن يتعلم ما لا يعلم. قال: وقد جعله المصنف أربع أرباع: الأول: ربع العبادات، والثاني: ربع العادات، والثالث: ربع المهلكات، والرابع: ربع المنجيات. وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة يشمل على كتب وأبواب وفصول. فمن أقسام الربع الأول... هذه المقدمة كما ترون، مقدمة ابن الجوزي ذكرها المقدسي، رحمه الله، لما فيها من فوائد. ونختصر منها كذلك على خمس. أولاً: ما نبه به رحمه الله تعالى من حاجة الصادق في طلب دين الله عز وجل، علمًا وعملاً، من مواضع محاسبة ولحظات مراقبة. وهذا لا يكون إلا بشيء من العلم مع شيء من العمل، شيء من العلم مع شيء من العمل. وهذا يحتاج إليه كل إنسان، فضلاً عن من عرف الحق من المسلمين. ولهذا أشار إلى ما صنعه بعض الناس من الاعتناء بـ "إحياء علوم الدين"، زعم منهم أنهم يحققون هذين المعنيين من هذا الكتاب. وهنا يأتي التنبيه الثاني: أن المؤلف، رحمه الله، بيّن عوار هذا الكتاب بالإشارات التي سمعناها. وهكذا ينبغي أن يكون حامل العلم، يكون مع حرصه على بذل الخير للناس، ورِفقه بهم، يكون صادقًا في النصح لهم، ليس بذل الخير برفق على حساب السكوت عن الباطل، لا، لكن ناصحًا، وفي نصحك رفق ولطف. فانظر إلى هذه النصيحة من هذا الشيخ والإمام، تجد هذا المعنى، ما امتنع من أن ينصح ويبين عوار الكتاب، ولكن برفق ولطف، كل منصف يقبل هذا الكلام بسهولة ويسر. وأشار إلى بعض تلك الأخطاء، وبيّن، وأحال إلى مواضع أو موضع آخر توسع فيه أكثر، وهو كتابه "تلبيس إبليس". وكما قلنا: كتابه هذا مفيد، خصوصًا في رده على المتصوفة، إلا أنه في بعض المواضع خبط في بعض مسائل الصفات. والأمر الثالث: أشار رحمه الله، وهكذا يمضي أن يكون حامل الحق، إلى أنه عوض من تعلق قلبه بكتاب الإحياء عما هو خير منه، وهو في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو مختصر عن كتاب ابن الجوزي. وهكذا ينبغي لصاحب الحق، أنه إذا رأى أناسًا افتتنوا بباطل، حذرهم من الباطل، وأبدلهم بحق، ولا يحتاج أن يستحدث حقًا، ولكن حق مما هو معلوم من أدلة الكتاب والسنة، ما عندنا بدائل لابد أن نستحدثها لا، وإنما مما هو معلوم موجود من أدلة الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم. ورابعًا: أشار رحمه الله تعالى بقوله: واحذر سبيل أحد رجلين... إلى أحوال طوائف من الناس، منهم من انشغل بعلم وهو كاذب، أو برئاسة، أو بقضاء، إلى آخر كلامه. والمراد أنه رحمه الله يريد أن ينبه أن الشأن كل الشأن أن يكون هناك توافق بين الظاهر والباطن، وبين العلم والعمل، وهذا هو الذي ينتفع به الإنسان، وأما غير ذلك فهو يضر ولا ينفع. وخامسًا وأخيرًا: نبه رحمه الله تعالى إلى خلاصة ما في هذا الكتاب، ومنهجه الذي سيرد عليه هذا الكتاب. وهذا من الإجمال قبل التفصيل، وهو مفيد في حصر العلم وإدراكه، يعين قارئ الكتاب على ما سيدخل فيه من هذا الكتاب. وبهذا نكتفي، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.