شرح الفرائد البهية  40

شرح الفرائد البهية 40

الدرس في شرح الفرائد البهية 40، القاعدة العشرون:المتعدي أفضل من القاصر. القاعدة الحادية والعشرون:الفرض أفضل من النفل. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أفضلية العمل المتعدي على القاصر

القاعدة تنص على أن العمل المتعدي أفضل من القاصر؛ حيث أن نفعه يتعدى صاحبه إلى غيره. ومن الأمثلة على ذلك طلب العلم العلي.

مقارنة بين الفرض والنفل

الفرض أفضل من النفل؛ حيث أن النوافل تكمل نقص الفرائض. ويتم توضيح معنى الفرض والنفل في اللغة والاصطلاح.

تفضيل المستحب إذا اشتمل على الواجب

المستحب أفضل من الواجب إذا كان يشمل الواجب. ويتم تقديم أمثلة لتوضيح صحة هذه المسألة في بعض الحالات.

أفضلية الواجب واستكمال الأعمال

الواجب أفضل من النفل؛ حيث أن الزيادة في العمل تدل على حرص المسلم على الخير. ويتم الاستدلال على ذلك بالدليل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة العشرون: المتعدي أفضل من القاصر. قال: والمتعدي عندهم من العمل أن ما من القاصر فضلا وأجل. ومن هنا فطلب العلم العلي أفضل من صلاة ذي التنفلي، ولكن الإمام عز الدين قد أنكر الإطلاق، وهو المعتمد. هذه قاعدة أخرى من القواعد التي أشار إليها بأنها قاعدة كلية جزئية، وبعضهم يجعلها قاعدة من القواعد أو من الصغراء لكونها أخص من أن تكون كلية. وتعبير ولفظ القاعدة كما سمعنا: المتعدي أفضل من القاصر، وربما قالوا: العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر، وربما قالوا: ما تعدى نفعه خير مما لا يتعدى نفعه. ومعنى هذه القاعدة أن ما كان نفعه يتعدى صاحبه إلى غيره فهو أفضل عند الله سبحانه وتعالى وفي دين الإسلام مما يقتصر على صاحبه. ومنه المثال الذي مثل له في البيت، فقال: والمتعدي عندهم من العمل أن ما من القاصر فضلا وأجل. ومعنى أن ما يعني أن ما أكثر فضلا من القاصر وأزود، فهو كأنه يقول: أزود وأكثر من القاصر فضلا وأجل. ومعنى فضلا يعني من جهة الفضل، وأجل يعني من الإجلال، يعني عند الله سبحانه وتعالى عمل جليل، وهو كذلك عند الخلق. فمن تعدى نفعه لا شك يجله الناس ويفضلونه على من اقتصر بعمله على نفسه. ولهذا جاء في الحديث: فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. فأين القمر من سائر الكواكب؟ فالقمر أكبر الكواكب فيما يرى الإنسان، فكذلك ونفعه أثره أظهر من الكواكب. فكذلك فضل العالم على العابد لأن العالم نفعه متعدي، والعابد نفعه قاصر. ولهذا قال: ومن هنا فطلب العلم العلي أفضل من صلاة ذي التنفلي. ومعناه أن طلب العلم العلي والمراد به الشرعي الذي جاءت النصوص بفضله أفضل من صلاة ذي التنفلي. وأي معناه من صلاة النفل التي هي من العبادات والطاعات القاصرة. ولاحظوا قوله: ذي التنفلي، لأن الفرض مقدم على طلب العلم، الفرض مقدم على طلب العلم، فصلاة الفريضة من أركان الدين العظام، وطلب العلم الذي هو فرض واجب كذلك هو واجب، وبه يؤدي المسلم هذه الفرائض. فإذا كان فرضا فهو الذي به يؤدي الفرائض فيكون مقدم عليه كذلك. وقد أشار في التعليق إلى عبارات لئمة كالثوري ومالك وأحمد وغيرهم في كون طلب العلم أفضل من صلاة النافل أهل من صلحت نيته. ورؤي عن إمام أحمد رحمه الله أنه كان يقول: طلب العلم لا يعدله شيء، يعني لمن صلحت كذلك نيته. ثم قال: ولكن الإمام عز الدين قد أنكر الإطلاق، وهو المعتمد. وهو يشير رحمه الله إلى أن عز الدين بن عبد السلام أنكر هذا الإطلاق، يعني أن كل متعدي أفضل من القاصر. قال: القاعدة الحادية والعشرون: الفرض أفضل من النفل. قال: والفرض فيما قعدوه أكثر فضلا من النفل كما قد ذكروا. قالوا: وأجر الفرض زائد على ثواب غيره بسبعين عقلة. وربما استثني من هذه صور، وبعضها لبعضهم فيها نظر. وهي إبراء معسر، فإنه أزكى من الإنظار، وهو سنة. والبدء بالسلام من رد أجل، كذا الأذان للإمامة فضل. والظهر قبل الوقت أيضا أفضل من كونه في الوقت فيما ينقل. أورد رحمه الله تعالى في هذه القاعدة وهي على ما سبق من القواعد الكلية الجزئية، وبعضهم يجعلها قاعدة أو قاعدة صغرى. ولفظها: الفرض أفضل من النفل، وربما قالوا: يقدم الفرض على النفل. وبمعنى هذا الفاض أخرى. ومعنى القاعدة أن الفرض والفرض لغة مأخوذ من معنى القطع والتقدير، وفي اصطلاح أهل العلم ما طلب الشرع فعله على وجه الإلزام. والنفل لغة مأخوذ من الزيادة والغنيمة، وفي اصطلاح أهل العلم ما طلب الشرع فعله لا على وجه الإلزام. فمعنى القاعدة أن الفرض أفضل من النفل فيقدم عليه ويحرص أكثر من الحرص على النفل. وعند التزاحم فهو المقدم. ثم قال: والفرض فيما قعدوه أكثر فضلا من النفل كما قد ذكروا. وأصل هذه القاعدة حديث أبي هريرة في البخاري وغيره، وهو حديث قدسي يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل مما افترضته عليه». فجعل أن أفضل ما يتقرب إلى الله ما افترضه على العباد. وجاء كذلك عند أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة عن الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وإن نقصت قال الله عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل له من تطوعه». وفي هذا دليل على أفضلية الفرض، وكذلك فيه زيادة على أهمية النفل وأنه يكمل للفرض ما كان من نفله. فإذن يحرص المسلم على النفل كما يحرص على الفرض، لأن ما ينقص من فرضه يكمل له من ماذا من نفله؟ فنافلة الصلاة تكمل نقص الفريضة، ونافلة الصيام تكمل نقص فريضة الصيام، ونافلة الصدقة تكمل نقص فريضة الزكاة، ونافلة الحج والعمرة تكمل نقص فريضة الحج والعمرة، ونافلة الجهاد تكمل فريضة الجهاد، وهكذا قل في سائر الفرائض. فالمسلم يحتاج إلى نوافل الطاعات كما يحتاج إلى الفرائض، ويقدم الفرائض على النوافل. ثم قال رحمه الله: قالوا: وأجر الفرض زائد على ثواب غيره بسبعين عقلة، يعني أن أجر الفرض يضعف أجر النفل بسبعين فريضة. ويروى فيه حديث عن سلمان الفارسي، أشار إليه بالتعليق وذكره شراح النظم والأصل، ولكنه حديث ضعيف رواه ابن خزيمة وغيره من حديث سلمان، وهو ضعيف ضعفه غير واحد من أهل العلم كالهيثمي والحافظ ابن حجر، وهكذا ذكره الألباني رحمه الله في الضعيفة في المجلد الثاني. ولكن بالجملة صحيح: أجر الفرض أعظم من أجر النفل، أجر الفرض أعظم من أجر النفل، وأدلة ذلك كثيرة. وقوله: وربما استثني من هذه صور، وبعضها لبعضهم فيها نظر، يعني بعضهم استثنى صور الأصل الفريضة أفضل من النفل. ففرائض الصلاة أفضل من نفلها، ولذلك إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصح أنه عليه الصلاة والسلام دخل المسجد فأقيمت الصلاة ورجل يصلي فجره حتى أقامه في الصف، وروي نحوه عن عمر رضي الله عنه أرضاه. وقال عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. فمن قوله وفعله دل على أن النفل لا يقام مع قيام الفريضة، ودل على أفضلية الفريضة على النفل، أفضلية الفريضة على النفل، وفيه أحاديث كثيرة. وكذلك يقال في غيره من الفرائض، فالانشغال بالفرائض مقدم على الانشغال بالنوافل، وأجر الفرائض أعظم وأكثر كذلك وأعلى من أجر النوافل. ولكن استثنى العلماء صورا، وعند التأمل فيجد أن هذه الصور استثنيت بالأدلة، وهي تدخل في الحقيقة في معنى شيء من الفرض. قال: وهي إبراء معسر، فإنه أزكى من الإنظار، وهو سنة. ومعنى إبراء المعسر وهو مستحب أزكى من الإنظار، يعني الآن عندنا إنظار وعندنا إبراء، فإذا تأملنا فإن الإبراء جاء في فضله ما هو أكثر من الإنظار. والإنظار واجب، والإبراء ماذا؟ مستحب. قال الله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، لا يجوز لصاحب الدين أن يؤذي من عليه الدين إن كان معسرا، بل يجب عليه أن يصبر عليه، فقد أعطاه برضاه، وهو الآن معسر، فلا يجوز أن يؤذيه. وأما إذا كان مماطلا فهذا شيء آخر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «مطلو الغني ظلم»، فهو يحل عقوبته وعرضه، لكن إذا كان ليس بغني بل فقير ومعسر فيجب الصبر عليه، فهنا الإنظار واجب، والإبراء يعني المسامحة هذا مستحب وفضل. ومع ذلك فالفضل مقدم على الواجب، ولكن كما ذكر وأشار في التعليق هذا فيه نظر، لماذا؟ قالوا: لأن الإبراء مجتمل على الإنظار وزيادة، واضح؟ الإبراء يدخل فيه الإنظار وزيادة، كونه يعفو معنى أنه حصل ما هو أكثر من الإنظار، واضح؟ أكثر من الإنظار. فإذن هذا يأتي في قاعدة أخرى وهي أن القوي يدخل على الضعيف، والخاص يدخل في العام، فهو ليس فيه تقديم النفل على الفرض أبدا، بل فيه أنه إذا كان النفل يتناول الفرض فهو أعم، فيكون أفضل من جهة أنه تناول الفرض وزيادة. ثم في النهاية الدليل دل على ذلك. قال رحمه الله تعالى: والبدء بالسلام من رد أجل، كذا الأذان للإمامة فضل. ومعناه من الأمثلة التي مثلوا بها أن البدء بالسلام وهو مستحب أفضل من ردي السلام وهو واجب. يعني كونك تبدأ بالسلام هذا أفضل من أن ترد، يعني إذا سبقت وأديت ذلك. وهذا كذلك كما تقدم لأنه يدخل فيه الواجب ضمنا، يدخل ضمنا لأنه إذا بدأ بالسلام معناه فعل ما هو أفضل من الواجب، واضح؟ فعل ما هو أفضل من الواجب. فدخل الواجب ضمنا، دخل الواجب ضمنا، وهذا لا ينافي القاعدة. وهكذا قولوا: كذا الأذان للإمامة فضل، وهذا المثال الذي مثلوا به وهو أن الأذان يفضل على الإمامة، وجعلوا أن الإمامة من فروض الكفايات، والأذان يعني لمن يؤذن به كشخص لا كواجب بذاته مستحب التنافس عليه. والصحيح أن هذا المثال كذلك ليس من هذه الصورة، ليس من هذه الصورة، أولا لأنهما عملان مختلفان، والكلام ما إذا كان العمل من جنس واحد، فكيف تعمل المقارنة بين الأذان والإمامة؟ ثم كذلك الأذان منهما هو واجب، ومنهما هو مستحب. إن أريد به أصل الأذان فهو واجب، بل صح أنه يقاتل عليه، وكذلك الإمامة من فروض الكفايات، فإذا لا يصح التمثيل بهذا المثال. ثم قال رحمه الله تعالى: قال: والطهر قبل الوقت أيضا أفضل من كونه في الوقت فيما ينقل. ومراده بهذا التمثيل من تفضيل النفل على الفرض فيما استثني من المسائل تقديم الطهارة في الصلاة قبل دخول الوقت، فالطهارة قبل دخول الوقت مستحب، لأنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا دخل الوقت وأراد الصلاة فيجب عليه أن يتطهر للصلاة، يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين. فإذا أراد القيام للصلاة يجب أن يتطهر. فقالوا: هذا يدل أن التطهر قبل الوقت وفيه فضل نفل أفضل من التطهر في الوقت. والصحيح أن هذا المثال كذلك لا يصح التمثيل به، لأنه يدخل فيه الفرض ضمنا، يدخل فيه الفرض ماذا ضمنا؟ فما دام يدخل فيه ضمنا فهو يشتمل الواجب وزيادة. وكل ما اشتمل الواجب وزيادة دل على أن الواجب مقدم على النفل، ثم الدليل دل على هذه الأفضلية، فهو من زيادة المسابقة والحرص على الخير كما هو ظاهر. نكتفي بهذا لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.