الدرس في شرح الفرائد البهية 53، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة خلافية في الفقه الإسلامي حول العبرة في العقود، حيث اختلفت المذاهب الفقهية في اعتبار الصياغ أو المعاني. يرى الشيخ أن الألفاظ تنقسم إلى أقسام حسب اعتبار اللفظ أو المعنى.
قسم الشيخ الألفاظ في العقود إلى أربعة أقسام: ما يشترط فيه اللفظ، وما يعتبر فيه اللفظ بشروط، وما يعتبر فيه المعنى قطعًا، وما يجوز فيه المعنى بشرط وجود قرينة. يشرح كيفية التعامل مع كل قسم في المعاملات المختلفة.
ناقش المقطع حكم العين المستعارة والخلاف بين العلماء حول ضمانها، وتفاصيل أحكام العارية والرهن. يُفرق بين العارية والرهن بناءً على القرائن لتطبيق الأحكام الشرعية الصحيحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة: هل العبرة بصياغ العقود أو بمعانيها؟ قال: ثم هل العبرة بالعقود قل بصياغ أو بمعاني يا رجل؟ وفي الفروع أيضًا الترجيح الخلف فيه عندهم صريح. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها في الفصل الأول، وهي آخر قواعد هذا الفصل. ويعبر عنها بتعابير أخرى، فتعبير الشافعية المشهور عنهم بصيغة الاستفهام: هل العبرة بصياغ العقود أو بمعانيها؟ وأما المالكية والحنفية فيقولون: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. وأما تعبير الحنابلة فيقولون: إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها، فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك العقد؟ وبهذه الصيغ نعرف أن المسألة خلافية، وأنهم اختلفوا في ضبط مسائل هذا الفصل أو هذا الباب. والصحيح إذا تأملناها وجدنا أن هذه الألفاظ للعقود تنقسم إلى أقسام. فمنها ما يعتبر فيه اللفظ قطعًا، مثل النكاح، فإنه يعتبر فيه اللفظ، كما قال الله عز وجل في قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. وهكذا كذلك في قصة الواهبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زوجتكها» وفي لفظ: «أنكحتكها» بما معك من القرآن، فدل على أن اللفظ مقصود. فلذلك اشترط العلماء في الزواج والنكاح لفظ التزويج والتنكيح، إما هذا وإما هذا أو ما كان بمعناه. لكن بهذا اللفظ ليست معاني مطلقة. ومن الألفاظ ما يشترط لها لفظ، ولكن بشروط، فقد يعبر بمعنى. والصحيح أنه يراعى اللفظ، يعني الأول يعتبر فيه اللفظ قطعًا، والثاني يعتبر فيه اللفظ على الأصح وله شروط، مثل السلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم» الحديث. والقسم الثالث: ما يعتبر فيه المعنى قطعًا ولا ينظر إلى اللفظ، وهذا كثير في عقود كثيرة يقصد فيها المعاني، مثل عقود البيع وأكثر معاملات البيوع. فالصحيح يجوز البيع بلفظ البيع وبلفظ الشراء وبالمعاطاة، حتى بدون كلام يجوز؛ لأن العبرة بالمعنى. والرابع من الأقسام: ما يجوز فيه المعنى على الأصح، ويحتاج إلى قرينة تؤيده، مثل الهبة. الهبة قد تقع بالمعنى، لكن لأن فيه خروج حق، فيحتاج إلى قرينة تؤيد هذا المعنى؛ لأن الأصل في الحقوق ماذا؟ الحرمة. فإذا علمنا هذا، علمنا أن إطلاق هذه القاعدة ليس بالصحيح، فإذا لابد من التفصيل. ففي مواضع نعتبر اللفظ، وفي مواضع لا نبالي باللفظ، وفي مواضع نعتبر اللفظ بشروط، وفي مواضع نعتبر اللفظ بقرينة. والأدلة الشرعية فرقت في ذلك. ومع هذا فنستطيع أن نجعل أصلًا، فنقول: الأصل إجراء الألفاظ على ظاهرها إلا لصارف، هذا هو الأصل؛ لأن الناس خوطبوا بألسنتهم، وتجري أحكامهم بما تجري به ألفاظهم، هذا هو الأصل. وأدلة الكتاب والسنة التي تدل على ذلك كثيرة. وعلى هذا يأتي الخلاف في التعبير القاعدة كما سبق. فلو قال قائل: بعتك هذا الثوب بلا ثمن. بعتك هذا الثوب بلا ثمن، فعلى قاعدة المالكية والحنفية التي سبقت: العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، يقولون: هذا لا يصح بيعًا ولا يصح هبة. وعلى قول من قال بالتفصيل، فيتأمل اللفظ وينظر في الأقسام التي سبقت، فإن كان المعنى المقصود هو الهبة، وهذا الظاهر، وظاهر اللفظ البيع، ولكن اللفظ يخالفه ومعناه ليس معنى البيع، فهنا يقال: ظاهره أنه كان بيعًا فصار هبة. كان بيعًا فصار ماذا؟ هبة. بعتك هذا الثوب بلا ثمن يعني وهبه إياه، فيترتب عليه أحكام الهبة لا أحكام البيع، وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: الفصل الثاني: القاعدة السادسة: العين المستعارة هل يغلب فيها جانب الضمان أو جانب العارية؟ قال: والعين إن تعر للارتهان هل عد فيها جانب الضمان مغلب أو جانب العارية قولان، والترجيح كالماضية، وبعضهم يقول: هل هو يعد ضمانًا أو عارية؟ خلف ورد. قال السيوطي: وما عبرت به أو لا كذا في هذه الأبيات انتبه. هذه قاعدة أخرى من القواعد المختلف فيها: العين المستعارة هل يغلب فيها جانب الضمان أو جانب العارية؟ عندنا باب من أبواب الفقه يسمى باب العارية، تتعلق به أحكامًا ومسائل وشروط وتفاصيل كثيرة تعرف في كتب الفقه. وقد مرت معنا في دروس سابقة قريبة مباحث هذه المسائل. وهكذا يوجد موضع خاص يتعلق بأحكام الرهن. فالرهن غير العارية، وأحكامه غير أحكام العارية، وتترتب عليه من الشروط والمسائل ما لا يترتب على العارية. فهنا لوجود التشابه، فإذا وقع لفظ فيه ما يحصل به الالتباس، فكيف يصنع؟ هل يلحق بأحكام العارية أو يلحق بأحكام الرهن؟ فقوله: والعين إن تعر للارتهان، انظر عين وتعار للارتهان هذا مشكل؛ لأن الأصل أن العارية تكون مضمونة، والرهن يؤخذ منه بقدر ما كان من الدين، وله شروط تختلف عن شروط العارية. ولهذا التعارض في هذا اللفظ اختلف العلماء في فروع كثيرة تدخل تحت هذا المعنى. والصحيح في هذا التفصيل، فلا يوجد هناك قاعدة يمكن أن تضطرد في كل مسائل وفروع هذه القاعدة. ولهذا لابد من التفصيل، فإن دلت الألفاظ والمعاني بقرائنها على أنه عارية، فيعامل معاملة العارية، وتلحق أحكام العارية. وإن دلت الألفاظ والمعاني بقرائنها أنه رهن، فيعامل معاملة الرهن، وتلحقه أحكامها وهكذا. طيب نقف إلى هنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.