شرح الفرائد البهية  6

شرح الفرائد البهية 6

الدرس في شرح الفرائد البهية 6، تابع : الباب الأول.القاعدة الأولى:الأمور بمقاصدها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقاصد النية وأهميتها في العبادات

النية تفرق بين العبادة والعادة وتميز بين أنواع العبادات المختلفة. بعض العبادات تحتاج إلى نية لتمييزها عن العادات.

شروط النية في العبادات ومدى ضرورتها

النية شرط في العبادات التي تلتبس بالعادات أو العبادات الأخرى. العبادات التي لا تلتبس لا تحتاج إلى نية مثل الوضوء والتيمم.

حكم التعيين في النية وتأثيره على صحة العبادة

التعيين في النية ليس شرطا لصحة العبادة إذا لم يكن هناك التباس. التلفظ بالنية يعتبر بدعة حسب آراء الفقهاء.

تعدد النوايا في الغسل وأحكامه

يمكن للمسلم أن يقوم بعمل غسل واحد وينوي به عدة نوايا مختلفة. غسل الجنابة يحتاج إلى نية خاصة بينما يمكن الجمع بين نوايا أخرى.

  • 26 جمادى الأولى 1434هـ - 06/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله، ما يتعلق بالقاعدة الكلية الأولى: الأمور بمقاصدها، من مباحث ومسائل. وكان آخر ما وقفنا عليه ما ذكره من أهم ما يذكر من مسائل ومباحث النية. وقد جمع ما ذكره رحمه الله في بيت، وقد أشار إلى هذه المباحث بقوله رحمه الله تعالى: ثم كلام العلماء في النية من أوجه كالشرط والكيفية والوقت والمقصود منها والمحل، فهاك في القول من غير خلل. قوله رحمه الله: ثم كلام العلماء في النية، يعني أهم ما يذكره العلماء من مباحث النية، كما تقدم في البيت الذي جمعت فيه تلك المباحث السبعة. قال: كالشرط والكيفية، كالشرط من أوجه كالشرط والكيفية والوقت والمقصود منها والمحل، فهاك فيه القول من غير خلل. أما قوله: كالشرط، يعني من مباحث النية مبحثهم وكلامهم على الشرط، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله في الأبيات التي بعدها. والشرط هو ما لا يتم الشيء إلا به، وليس من ماهية الشيء. وقوله: الكيفية، أي الكيفية التي يكون بها أداء العمل، وسيأتي كذلك الكلام عليه إن شاء الله مفصلا، فهو يحتاج إلى نية. وقوله: والوقت، كذلك نية يستحضر بها دخول الوقت للعمل الذي يحتاج إلى تعيين وقت، مثل رمضان، وكذلك الصلوات الخمس وغيرها. وقوله: والمقصود، أي ما لأجله ترد النية، وسيأتي إن شاء الله، فيترد للتمييز بين العبادة من العادة، والتمييز بين العبادة والعبادة. وقوله: هو المحل الذي، أي تقع فيه النية، وهو القلب، وسيأتي إن شاء الله. وقوله: فهاك فيه القول من غير خلل، أي سيأتيك تفصيله من غير خلل، أي يختل به لا لفظ ولا معنى، هذه المباحث. ثم قال رحمه الله: مقصودها التمييز للعبادة في العبادة مما يكون شبهها في العادة. من مقاصد النية التمييز بين العبادة من العادة، وهذا فيما يحصل فيه اللبس. فما يحصل فيه اللبس بين العبادة والعادة فيحتاج إلى نية، مثل الاغتسال. فبالعادة، والمراد بالعادة مما يعمل على وجه التعود، أو يفعل على وجه الجبلة والطبيعة، وكله يدخل في معنى العادة. فالإنسان عادة يغتسل للتبرد وللتنظف وغير ذلك من معاني الاغتسال في عوائد الناس، وفيما جبل عليه الإنسان، فيحتاج إلى تمييز بين عبادة فيها اغتسال، فغسل الجمعة وغسل الجنابة غسل على وجه التعبد، فلذلك لابد له من نية؛ لأنه يلتبس بغيره مما يشبهه مما يفعل على وجه العادة. وهكذا كذلك قل في غيرها من الأعمال والعبادات التي يحصل بها الالتباس بغيرها من العادات. وما لا يحصل فيه الالتباس، فالصحيح أنه لا يحتاج إلى نية، وسيأتي إن شاء الله إلى بعض الأمثلة والاستثناءات في ذلك. قال رحمه الله: كما تميز بعضها من بعض في رتب كالغسل كالتوضي. قوله: كما تميز بعضها من بعض، يعني من معاني ومقصود النية تمييز العبادة بعضها من بعض. فأنت تميز بين صلاة الظهر والعصر إذا جمعت بينهما بالنية، نية تميز أن هذه ظهر وهذه عصر، والصلاة واحدة. يعني متشابهة أربع ركعات أربع ركعات بالنسبة للمريض مثلا الذي يجمع بين الصلاتين، أو ركعتين ركعتين للمسافر الذي يجمع بين الصلاتين. ولهذا لو صلى مثلا في وقت العصر صلاة الظهر ونواها عصر، يعني لأنه في وقت العصر نسي، كبر ونوى العصر، تقع ظهر، وعصر ها تقع عصر، العصر بنيته التي نوى بها هذه الصلاة. فإذا تذكر بعد انتهائه من الصلاة، الصلاة هل يعيد الصلاة أم يصلي الظهر بعدها؟ الصحيح يصلي الظهر بعدها؛ لأنه نسي نية الظهر، وصلاة الظهر. ومن نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها إذا ذكرها الترتيب مطلوب على وجه الابتداء، ولا يجوز للمسلم أن يتعمد عدم ترتيب الصلوات، لكن إذا وقع على وجه النسيان فيجوز عند ذلك، ولا تبطل هذه الصلاة؛ لأنه نوى ماذا؟ العصر، نواها عصر، فصحة عصر. وهكذا كذلك التمييز بين الغسل والغسل فيما هو عبادة. لو أن المرأة أرادت تغتسل غسل الجنابة، وهو كذلك لأجل الذهاب إلى الجمعة، وهو كذلك للطهر من الحيض، فعلى من يقول: لا تدخل هذه لغسل الثلاثة بعضها ببعض، يحتاج أن تميز، فتنوي لكل واحد غسل. والصحيح أن هذه الثلاثة يمكن أن تعمل في عمل واحد بنية واحدة، بنيات متعددة، عفوا، سبق لسان، بنيات متعددة عمل واحد ونيات متعددة، فتغسل فتغسل غسل واحد، وتنوي به رفع الجنابة الذي كان قبل الحيض، ورفع الحيض، وهكذا كذلك التطهر لحضور الجمعة، من حضر الجمعة فليغتسل. فهذه ثلاثة نيات، ثلاث نيات في عمل واحد. وقوله: كالتوضي، يعني على من يقول بالتخصيص في الوضوء، وهذا قول بعض الشافعية وغيرهم. والصواب خلاف هذا، فهم يرون أنك إذا نويت الوضوء لقراءة القرآن، فلا تصلي به، وإذا نويت الوضوء للمكتوب في المسجد، فلا تصلي به. فإذن عندهم الوضوء له نيات تحتاج أن تفصل نية عن نية. والصواب أن الوضوء لا يحتاج إلى نيات، بل تكفيه نية واحدة تستبيح بها كل عمل يجب أو يستحب له الوضوء، يجب أو يستحب له الوضوء، لا فرق في ذلك بين واجبه ومستحبه؛ لعدم ورود الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على التفريق والإلزام بغير هذا. وأما التمييز بين العبادة والعادة، فنعم، بالنسبة للغسل كما تقدم، والوضوء فيه خلاف بين العلماء. جمهور أهل العلم يقولون: إن الوضوء يحتاج إلى نية كغيره من العبادات. وذهب بعض أهل العلم، ورجح الإمام ابن القيم رحمه الله: أن الوضوء لا يحتاج إلى نية، إذ نيته تقع بدون استحضار معناه في القلب؛ لأنه عمل لا يلتبس بغيره. ما يفعل الإنسان شيء مثل الوضوء، لا يوجد الوضوء نظير، يقولون مثلا: تطرف، هذه كلمة إذا أمر الطفل بأن يغسل أطرافه، يمسح وجهه ويغسل يديه ويغسل رجليه، لكن ليس هو صفة الوضوء، ليس هو صفة الوضوء. إذا قيل للصبي: تطرف، غسل أطرافه اليدين والوجه والرجلين، بقي أشياء الترتيب والمضمضة والاستنشاق وغير ذلك مما هو من صفة الوضوء. فلما كان الوضوء لا يلتبس بغيره، صار على القول الصحيح لا يحتاج إلى نية؛ لأن نيته تقع من دون حاجة إلى استحضاره. ما يمكن لإنسان أن يذهب فيتوضأ وليس عنده استحضار للنية، ممكن. لا يمكن؛ لأنه يعلم حين يتوجه لأجل أن يتوضأ أنه أراد الآن الوضوء، فهي نية واقعة شاء أم أبى، وهذا هو الصحيح. ومثله التيمم، كما سيأتي التيمم عمل لا يوجد له ما يلتبس به من العادات، فلهذا لا يحتاج إلى نية، بل نيته تقع بدون تكلف استحضار نية له. قال رحمه الله تعالى: فلم تكن تشترط في عبادتي لم تشتبه هيئتها بعادتي. أي لا يشترط أمر النية في عبادة لا تلتبس ولا تشتبه في هيئتها بعادة. ومثل العلماء لذلك مثل العبادات القلبية كالإيمان والخوف والرجاء، بل والنية، النية محلها القلب، ما تحتاج إلى نية؛ لأنها لا تلتبس بغيرها، لا تلتبس بغيرها. وهكذا كذلك على الصحيح حتى بعض الأعمال، أعمال الجوارح التي لا تلتبس بغيرها لا تحتاج إلى نية؛ لأنها تقع متضمنة لمعنى النية. إلا أن بعض الأعمال قد تحتاج إلى نية من جهة احتساب الأجر والثواب، لا من جهة صحة العمل. وفرق بين النيتين، فرق بين النيتين، وسيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: كذلك التروق مع خلافي في بعضها، والندب غير خافي. أي التروق لا تحتاج إلى نية، وهذا هو الصحيح. والمراد بالتروق كل ما أمر الإنسان بتركه، مثل المحرمات. فالمحرمات ما تحتاج إلى نية، يكفي أن تتركها. شرب الخمر، فعل الزنا، فعل كل مكروه ومحرم، فهذا لا يحتاج إلى نية أي في صحة العمل، بل عمله صحيح بمجرد تركه. لكن يحتاج إلى نية من جهة ثبوت الثواب، احتساب الأجر والثواب، وابتغاء وجه الله في ترك هذه المحرمات، يكتب له به أجر، يكتب له به أجر. ومن ذلك سعيه للحلال الذي يغنيه عن الحرام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أخبرهم أن في بضع أحدهم صدقة. فقالوا: ويأتي أحدنا شهوة ويا رسول الله، فيكون له فيها أجر؟ قال: أرأيه، إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال. ومن ذلك على الصحيح إزالة النجاسات، فهي لا تحتاج إلى نية. فهي من باب التروق. فزوالها يكفي في زوال حكمها. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق النعل وطرف ثوب المرأة: أنه يطهره ما بعده. وهو يؤكد أنه لا يحتاج إلى استحضار نية في إزالة النجاسة. فبمجرد أن النجاسة تزول، يزول الحكم، يزول الحكم. بخلاف ما قاله بعض الفقهاء: أنه يحتاج إلى نية. وهذا من المشقة والكلفة التي لا دليل عليها، وهو ينافي عمومات الشريعة، وما جاء خاصا في عين هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: في بعضها، والندب غير خافي. يعني في بعض تلك التروق، وبعضها في خلاف. مثل إزالة النجاسة في خلاف. وقوله: والندب غير خافي، أي ما ذكره بعض العلماء في بعض المسائل فيما يتعلق بالتروق. أي مثلا إزالة النجاسة هذه على الصحيح كما قلنا: لا تحتاج إلى نية. وعلى قول من قال بالاحتياط، يقولون: ولو فيه خلاف، إذن احتياطا يستحب له النية. لماذا؟ خروجا من الخلاف، هكذا قالوا. وهذه قاعدة غير صحيحة، ليست كل مسألة فيها خلاف يستحب فعل الأحوط فيها، وإنما هذا فيما يحتاج إلى ذلك. وأما إذا رجح الأمر بدليله وبرهانه، فيكفي فعل الراجح، بل فعل الراجح هو المستحب. هذا معنى لقوله: والندب غير خافي. والمعنى الآخر في قوله: والندب غير خافي، يعني ما ذكر في بعض المسائل مما هو من باب التروق، ومع ذلك يحتاج له نية، مثل تغسيل الميت. من غسل الميت فليغتسل، وفي رواية: فليتوضأ. وهذه الأحاديث يحسنها بعض أهل العلم. والصحيح أنها لا تصح، والصحيح أنها لا تصح. فمثل هذا كذلك معنى آخر يدخل فيه قوله: والندب غير خاف، يعني يستحب في مثل هذا النية لهذا العمل. قال رحمه الله تعالى: ويشرط التعين فيما يلتبس دون سواه فاحفظ الأصل وقس. ومعناه: ويشترط كذلك التعين فيما يحصل فيه الالتباس من العبادة بالعبادة. ويشرط التعين فيما يلتبس دون سواه فاحفظ الأصل وقس. يعني الآن كأنه وضع قاعدة. فالقاعدة ما هي؟ أن النية شرط في كل ما يحصل فيه الالتباس، سواء كان من العبادة مع العادة، أو كان من العبادة مع العبادة. فمثلا مثلوا: قالوا الرواتب التي تلتبس بغيرها فتحتاج إلى نية، فهي ليست خاصة بالفرائض؛ لوجود الاشتباه. فأنت تميز بين راتبة الظهر القبلية والبعدية، حين تصلي القبلية بعد الظهر قضاء الشغل، شغلك، فتميز، لا تصلي صلاة بدون تمييز، تميز وهي راتبة وراتبة. وتميز بين الفريضة والفريضة كما تقدم: الظهر والعصر مثلا. بل وتميز بين الفريضة والنافلة، مثل راتبة الفجر وفريضة الفجر. فما يحصل فيه الالتباس لابد له من النية. وهكذا هذه النية تختلف من عمل لعمل، كون هذا فرد وهذا نفل، وهذا قبلي وهذا بعدي. فكل عمل له وصفه الخاص الذي تكون معه نيته الخاصة. بخلاف بعض الأعمال التي لا يحصل فيها الالتباس، مثلا لا يحصل الالتباس كما قلنا على الصحيح في الوضوء والتيمم. وهكذا كذلك هذا بالنسبة للعادات، وبالنسبة للعبادات. لا يحصل الالتباس في صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى؛ لأن صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى لها كيفية خاصة لا تلتبس بغيرها، واضح؟ وهكذا صلاة التسبيح على من قال بتصحيح صلاة التسبيح. والصحيح أن الحديث الوارد فيها ضعيف، ضعفه الحفاظ. وعلى القول بصحة الحديث، فهي صلاة لها كيفية لا تلتبس بماذا؟ بغيرها. فإذن لا تحتاج إلى نية خاصة. قال رحمه الله: وكل ما لنية الفرض افتقر فنية التعين فيه تعتبر. وهذه مثل القاعدة أو الضابط، وهي كل ما لنية الفرض افتقر، يعني ما يفتقر إلى نية الفرض، فنية التعين فيه تعتبر. معناه كل عبادة هي من الفرائض تحتاج إلى أن تنوي فيها نية الفريضة، فهي تحتاج كذلك إلى التعين؛ حتى لا تلتبس بغيرها. وكل ما لنية الفرض افتقر فنية التعين فيه تعتبر. وهذا بعضها للعلم، قال: كذلك يحتاج إلى استثناء. هذا الاستثناء هو ما لا يحصل فيه ما يحصل فيه اللبس. فممكن أن يقال: إن ما لا يشترط فيه نية الفرض لا يشترط فيه التعين. وما يشترط فيه نية الفرض يشترط فيه التعين إذا التبس بغيره. وقد مثلنا وقد مثلنا أمثلة على ذلك. قال رحمه الله: واستثنيا من ذلك التيمم للفرض في الأصح عند العلماء. يعني استثني مما ذكر من التعين التيمم. لماذا؟ لأن التيمم لا يلتبس بغيره. وما قيل في التيمم يقال في غيره مما لا يلتبس بغيره. وقوله: التيمم، يعني حتى ولو كان فرضا. والصحيح عدم التفريق بين تيمم الفرض وتيمم النفل. مثال الفرض ما عنده ماء، أو مريض لا يستطيع استعمال الماء، فأراد أن يصلي الفجر، فتيممه لصلاة الفجر تيمم ماذا؟ فرض. بينما لو أراد أن يتيمم لقراءة القرآن في وقت الضحى، أو كذلك ليصلي صلاة الضحى، هذا تيمم لماذا؟ لنفل. والصحيح أنه لو تنوى لنفل صح أن يصلي به، مثلا الظهر فرض. وعند بعض الفقهاء: لا ما نويا لنفل لا يصح لفرض، وهذا لا دليل عليه. والشاهد من هذا هو صحة ما ذكره رحمه الله من الاستثناء في التيمم: أن التيمم لأنه لا يلتبس بغيره، فلا يحتاج إلى تعيين نية، بل هو لا يقع إلا بنية؛ لأنه لا يقع على الصحيح إلا بنية. ما أحد يتوجه إلى التراب فيضرب به على الوجه الموصوف المخصوص شرعا إلا وتحقق فيه معنى النية الشرعية في هذه العبادة. قال رحمه الله: وحيثما عين والتعيين لا يشرط تفصيلا وأخطى بطلا. ومعنى: في أي موضع حصل معنى التعيين لا يشترط، يعني مثلا إذا عين فيما لا يشترط فيه التعيين، وأخطأ في ذلك، يقول: عمله يبطل. مثاله مثلوا له: لو نوى الاقتداء بزيد في الصلاة، فبان أنه ليس زيد، عندهم بطلة الصلاة. وهذا ليس بالصحيح. المثال ليس بالصحيح. قد يمثل له بمثال آخر أصح، فيما إذا عين في شيء لا يشترط فيه التعيين، فهنا وإن وقع الخطأ، لكن الصلاة أو العبادة لا تبطل، العبادة لا تبطل. مثاله: لو عين مثلا في نية التيمم، وهذا على الراجح أن يقرأ به القرآن. طبعا عندهم يشترط التمييز بين النفل والفرض. وعلى الصحيح لا يشترط. فإذا حصل مثل هذا التعيين، ثم بعد ذلك عمل عملا على خلاف هذا التعيين، فالصحيح: العبادة هذه لا تبطل، هذه العبادة لا تبطل. وما مثل به من وجه آخر، يعني مثلوا له: قالوا إذا نوى الاغتداء بزيد في الصلاة، فبان غيره، ولم يشر إليه، بطلة صلاته. وهذا في الحقيقة لا من جهة البطلان تبطل، ولا من جهة اشتراط النية يشترط؛ لأنه لا يشترط أن يعين من الإمام. وهذا من التكلف؛ لأن الصحيح كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على المحل: أن النية محلها القلب، فلا يحتاج التلفظ. وأعظم من هذا: لا يحتاج التكلف بذكر تفاصيل لم يأذن ولم يشترط في الشرع استحضارها في القلب، فضلا عن أن يتلفظ بها باللسان. ولهذا كان التلفظ بالنية نقص في العقل وفي الدين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: نقص في العقل؛ لأنه تحديث بما في النفس، ولا يحدث ما في نفسه إلا من هو ناقص في عقله. قال رحمه الله: مثل أن يقول الرجل: نويت أن آكل هذه اللقمة لأتقوى بها، هذا نقص في العقل، جنون. إذا كان كل شيء ستفعله ستتكلم به، فهذا من أفعال المجانين، وناقصية العقل. وأما نقصان الدين؛ فلأجل ما نص عليه العلماء: أنه بدعة ومحدثة لم يعرفها السلف الصالح، ولم يأذن الشرع بها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. وهو عمل لم يكن عليه فعل السلف، أي التلفظ بالنية. بل نص الإمام الشافعي رحمه الله: أن استحضار لفظ النية في القلب كذلك بدعة، فلا يصح ولا يجوز فعل ذلك. فمثلا قول بعض العامة: نويت أن أصلي صلاة الظهر مأموما حاضرا، هذه ما شاء الله كم ألفاظ ويزيد، في المسجد الفلاني وخلف الإمام الفلاني. لو فتح هذا الباب يحتاج أن يزيد أشياء لا نهاية لها، بالثوب الفلاني وبالوقت الفلاني. وهل الله أمره بهذا أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو فعله السلف الصالح؟ الجواب: لا. فهو نقص في العقل أو في الدين، لا يشرع ولا يؤذن فعل مثل ذلك. طيب نكتفي بهذا، ونأخذ ثلاثة أسئلة إن شاء الله. يقول: رجل صلى مع الإمام ركعتين، ثم سلم الإمام، وظن أنه صلى ثلاث ركعات، فصلى ركعة وسجد سجود سهو، غير واضح. قال: ثم كأنه ثم قال له صاحبه الذي صلى بجنبه: أنهم صلوا ركعتين، فقال: السهو يكفي في هذه الركعة، هل يعيد الصلاة أم يصلي ركعة؟ ماذا كانت الصلاة من السائل؟ ماذا كانت الصلاة؟ هل كانت فجر؟ من السائل؟ ها ظهر. كيف ظهر؟ صلى ركعتين وأتى بركعة. وضح السؤال. صاحب السؤال كيف الخطأ؟ إذا كان معناه أنه صلى ثلاث وبقيت عليه ركعة، فلا يكفي سجود السهو، لا بد أن يأتي بالركعة. إذا كان هذا المعنى أنها صلاة ظهر، فبقيت عليه ركعة، فإذا يأتي بالركعة ويسجد سجود سهو، لا يكفي سجود السهو، وبقيت عليه ركعة، نعم، والله أعلم إذا كان هذا المقصود بالسؤال. يقول: لو أن رجلا ذهب ليغسل يديه للطعام، فذهل فمن تبه إلا ويغسل رجليه وأنه قد توضأ، فهل يجزئه هذا الوضوء للصلاة مع أنه ما قصده ولا نواه؟ إذا فعل هذا الفعل بهذا الوصف، فهو في الحقيقة كفعل النائم والناسي، ومن كان بمعنى هؤلاء، وعمل هؤلاء مرفوع عنهم القلم. رفع القلم عن كم؟ عن ثلاثة: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ. فعله كفعل أحد هؤلاء الثلاثة، فإذن لا بد له من أن يعيد العمل، لا بد له أن يعيد العمل. يقول: هل لزوج أن يأتي أهله قبل الغسل؟ يعني إذا كان قبل الغسل وبعد الطهر. الصحيح: لا. فإذا تطهرنا، ذكر طهر وتطهر، فلابد من التطهر، لكن معنى المثال لمن بقي عليها غسل في وقت طهرها قبل الجنابة، فيبقى الغسل. واضح: امرأة كانت على طهر ووقع لها مع زوجها ما يوجب الغسل، ثم حاضت، الغسل باقي أم لا؟ باقي الغسل. ثم طهرت، فهنا يبقى عليها غسل ماذا؟ الجنابة، وغسل التطهر من الحيض، واضح. والصحيح كما تقدم: أن الأعمال التي يدخل بعضها في بعض ولا تقصد لذاتها، هذا هو الضابط في تداخل الأعمال في العمل الواحد. أن تكون غير مقصودة لذاتها، فيكفي الواحد عن الآخر؛ لأن المقصود أن تأتي الجمعة وهي مغتسلة حصل، والمقصود أنها كذلك تغتسل بعد الحيض حصل، وغسل الجنابة يحتاج إلى نية خاصة، فدخل هذا في هذا في هذا مع النيات الثلاث، عمل واحد ونيات ثلاث. طيب إلى هنا إن شاء الله، ونواصل في درس لاحق.