الدرس في كتاب الطهارة 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل كيفية تطهير النجاسات وفقًا للشريعة الإسلامية، ويشرح الطرق المختلفة لتطهير النجاسات مثل الغسل بالماء والمسح.
يتناول هذا الفصل طرق تطهير النجاسات، ويوضح الفرق بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، ويشرح كيفية إزالة النجاسة ومتى يعتبر الشيء طاهرًا بعد إزالتها.
يتناول هذا الفصل حكم الاستحالة في إزالة النجاسة، ويشرح طرقها مثل التشميس وتأثيرها على النجاسات اليسيرة، ويستدل بالأحاديث النبوية على صحة هذا الحكم.
يتناول هذا الفصل طرق تطهير النجاسات في حالات مختلفة، مثل تطهير الأرض والبئر، ويبين أن التطهير يمكن أن يكون بالماء أو بغيره إذا تعذر استخدام الماء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: فصل، ويطهر ما تنجس بغسله حتى لا يبقى عين ولا لون ولا ريح ولا طعم، والنعل بالمسح، والاستحالة مطهرة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله فبالصب عليه أو النزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه إلا بإذن من الشارع. جعل رحمه الله تعالى هذا الفصل في كيفية تطهير النجاسات، وقد أشار رحمه الله هنا إلى ستة أو خمسة طرق، والسادس ألمح إليه الماحة في كيفية إزالة النجاسات كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى في شرحه: أقول: تطهير النجاسات إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إن إنر تطهير النجاسات إن ورد فيه شيء عن الشارع كان الواجب الاقتصار فيه في صفة التطهير على ذلك الوارد من دون مخالفة بزيادة عليه أو نقصان، كما ورد في أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بمسحه، وقد تقدم ما يدل على ذلك. ويريد بذلك أن الأصل في تطهير النجاسات هو الوقوف على ما دل عليه الدليل، وأشار رحمه الله إلى هذا الدليل لهذه القاعدة، وهو ما جاء في تطهير النعل، وقد مرت معنا بعض الأحاديث في الأبواب المتقدمة، منها حديث بسعيد عند أحمد وأبي داود وغيرهما بإسناد صحيح: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المرأة إذا جاء إلى المسجد فليقلبن عليه وينظر فيهما، فإن كان فيهما أذى أو خبث أو صلى بهما، فإن كان بهما أذى مسح بهم الأرض ثم صلى فيهما، الحديث. وهذا يدل على أن تطهير الخبث والنجاسة بمسحه بالتراب، فمسحه يكفيه بتطهيره هذا بالنسبة للنعل. فما هو الذي دل على ذلك؟ دل على ذلك الحديث والدليل من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسيأتي معنا إن شاء الله أن عمومات الأدلة تدل على أن الأصل في التطهير هو الماء، إذن عندنا أول ما يطهر به النجاسات وهو الأصل، هذا هو الأول: الأصل أن التطهير يكون بالماء، والدليل ما ورد في أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتطهير بالماء. ومنها ما جاء في ثوب المستحاضة، وقد مر معنا في هذا الباب عدة أحاديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يغسل ويفرك ونحوه مما ورد في غسل الثوب إذا أصابته نجاسة دم الحيض، فهذا هو الأصل: الغسل بالماء. ثم من صور التطهير كذلك المسح، كما ورد في مسح النعل، وهل هذا خاص للأشياء الصلبة كالنعل أو الأشياء الملساء كالسكين والسيف وما كان بمعناه؟ قال بعض أهل العلم ذلك، وخالف في هذا بعض أهل العلم كما سيأتي معنا إن شاء الله في آخر هذا الفصل، وقال: بل الصحيح أنه في كل ما يشق تطهيره بالماء. وهذا هو الصحيح، فالمشقة تجلب التيسير، والمشقة تجلب التيسير، ودليله: إذن النبي صلى الله عليه وسلم في جلباب المرأة قال: يطهره ما بعده، يطهره ما بعده. بقي: هل حكم التطهير يكون كالتطهير بالماء؟ الصحيح أنه ليس كالتطهير بالماء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح: مسح النعل وضربه بالتراب بالأرض، فقال: فليمسحه بالأرض ثم ليصلي فيه، حديث بسعيد. وهكذا في حديث الجلباب قال: يطهره ما بعده، لم يذكر فيه التتبع، لكن لا شك إذا بقي أثر، فإن الواجب هو غسل ذاك الأثر أو إزالته بالمسح، إن كان إزالته بالمسح. وهناك ما يمكن إزالته بالمسح كالنعل والسكين والسيف وما كان بمعناه، ومنه ما لا يمكن إزالته بالمسح كالجلباب، فإذا مرت المرأة بشيء ولم تدري فشكت أنها ربما مرت بنجاسة، ولكنها فتشت في الجلباب فلم تدري أثر هذه النجاسة، فهنا يصح العمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: يطهره ماذا؟ ما بعده، يطهره ما بعده، فلا تفتح باب الوسواس وتكتفي بهذا. لكن إذا ظهر لها يقينا أثر النجاسة بوجود الرائحة واللون مثلا، كأن تكون مرت على نجاسة رخوة مثل البالوعات مثلا أكرمكم الله، مع البيارات المنصب أحيانا في بعض الطرقات، فتحاول المرأة أن تتحاشاه فيصيب ثوبها، فترى أن ثوبها قد أصابته هذه النجاسة، ولو كان ثوبها طويلا فمشت في أرض طاهرة جافة فجفت النجاسة بهذا المشي ووصلت إلى البيت، فهل لها أن تفتش أو لا تفتش؟ الصحيح: تفتش، لأنها مرت بنجاسة رخوة، فإذا لم يبق للنجاسة أثر لا رائحة ولا لون، فهنا يصح قول النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا؟ يطهره ما بعده. وأما إذا وجد أثر النجاسة من اللون أو الرائحة، فهنا مأمورة أن تغسل هذا الثوب لعمومات الأدلة في هذا الباب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتتبع النجاسة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. الأمر الثالث مما يستفاد وهو الصحيح في هذه المسألة، وسيأتي معنا في آخر هذا الفصل: أن هذا الحكم على الصحيح لا يختص بالجمادات ولا كذلك الجاف منها، بل الصحيح كما سيأتي معنا إن شاء الله: أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وكل ما أزال النجاسة فإنه يطهرها، فالعبرة بإزالة النجاسة، لأن باب النجاسات من باب التروق، وما كان من باب التروق فالمقصود به هو إزالة ذلك الخبث. وعندنا الطهارة طهارتان: طهارة في إزالة الحدث، وهذا الأصل فيها الماء، ولا يجوز الانتقال إلى غيره وهو تعبدي إلا بالشرع، ولم يؤذن الشرع بالانتقال إلى غيره إلا في التيمم فقط، إلا بالتيمم. أما إزالة الخبث فنرى أن الشرع كما سيأتي معنا إن شاء الله وسع باب الإزالة فيه، وسع باب الإزالة فيه، وكما سيأتي معنا في صور إزالة النجاسة: أن الشرع وسع ذلك على خمس أو ست صور: على خمس أو ست صور. فعلم أن المقصود فيها هو إزالة النجاسة، فإذا زالت النجاسة زال ماذا؟ حكمها، إذا زالت النجاسة زال حكمها، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فإذن هناك فرق بين طهارة الحدث: الأصل فيها الماء وهو تعبدي، ولا ينتقل إلى غيره إلا بموجب ما دل عليه الدليل، وحتى هذا الغير في حدود ما دل عليه الدليل، لا يجوز لأحد أن يجتهد فيتطهر بغير الماء، مثلا البنزين قال: يصح؟ نقول: مدام عندنا بنزين نتطهر بالبنزين أو الزيت ولا ننتقل إلى التيمم، هل يجوز هذا؟ الجواب: لا، لأن هذا تعبدي لا يكون التطهر فيه إلا بالماء، ولا ينتقل إلى غيره من التيمم إلا بما دل عليه الدليل كما سيأتي معنا في موضعه إن شاء الله في كتاب الطهارة في الوضوء والغسل إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: أقول: تطهير النجاسات إن ورد فيه شيء عن الشارع كان الواجب الاقتصار فيه على ذلك الوارد من دون مخالفة بزيادة عليه أو نقصان، كما ورد أن النعل إذا تلوث بالنجاسة طهر بالمسح، وقد تقدم ما يدل على ذلك، وتقدم أيضا ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم الحيض، وبلعاب الكلب، وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية. قوله رحمه الله: وتقدم أيضا ما ورد في كيفية تطهير ما ينجس بدم الحيض إلى آخره ما ذكره: الصحيح فيما دل عليه الدليل، لكن الصحيح كما سيأتي معنا إن شاء الله: أنه لا يقتصر في ذلك بالماء، بخلاف طهارة الحدث: يقتصر فيه بالماء. فمثلا: نجاسة الثوب بدم الحيض، الأصل فيه الماء صحيح، لكن إذا أزلناه بغير الماء هل يطهر؟ الصحيح: إنه يطهر، فلو أزلناه بالبنزين أو أزلناه بالبخار أو أزلناه بأي مادة يحصل بها إزالة هذه النجاسة، فهل تزول هذه النجاسة؟ الصحيح: تزول هذه النجاسة، لأنه ليس من باب طهارة الحدث، بل هو طهارة الخبث، والمقصود في طهارة الخبث إزالة العين والأثر، والحكم يدور مع علة وجودا وعدما. وأما قوله: وبلعاب الكلب، تقدم معنا أن الصحيح والمسألة فيها خلاف في لعاب الكلب: أنه تعبدي وليس الأمر بغسله لأجل نجاسته، وأن بعض الألفاظ التي استدل بها الجمهور على الطهارة ألفاظ شاذة شذ بها بعض الرواة، ولو رويت في صحيح مسلم. وقوله: وبالجملة: فكل ما علمنا الشارع كيفية تطهيره كان علينا أن نقتصر على تلك الكيفية: الصحيح خلاف ذلك، فالصحيح: أنه لا نقتصر على ذلك، الأصل أننا نطهره بما دل، هذا هو الصحيح، لكن إن لم يمكن أو وجدنا طريقة أخرى أو احتجنا إلى الانتقال إلى طريقة أخرى فلا حرج، فلا حرج، لأن المقصود هو إزالة النجاسة. وثيابك فطهر، هل قال: طهر بالماء؟ لم يقل بالماء، المقصود هو التطهير بالماء أو بغير الماء. قال رحمه الله تعالى: وأما ما ورد فيه عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره، فالواجب علينا إذهاب تلك العين حتى لا يبقى لها ريح ولا لون ولا طعم، لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه وطعمه قد بقي فيه جزء من العين وإن لم يبق جرمها أو لونها، إذ انفصال الرائحة لا يكون إلا عن وجود شيء من ذلك الشيء الذي له ريح، وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود شيء عن ذلك الشيء الذي له طعم. وهذا هو الأصل في هذه المسألة، لكن الصحيح: أنه ليس على إطلاقه، بل يستثنى من ذلك أشياء، ومن هذه الأشياء كما مر معنا: التفريق فيما يبقى أثره بسبب المجاورة لا بسبب المخالطة، ومر معنا مثاله: فالخزان الذي سقطت فيه ميتة أو مات فيه حيوان كان حي، فغسل ذلك الخزان وطهر، وأخرجت الميتة فلم يبق لهذه الميتة عين، ولكن بقي شيء من آثار هذا الذي بقي ليس بسبب المخالطة وإنما بسبب المجاورة، قد يبقى رائحة النجاسة أيامًا في هذا الخزان، مع أن الماء قد أخرج والخزان قد غسل ونظّف، لكن قد يبقى أثر هذه الرائحة أياما، هذا لا يضر، لأنه بسبب ماذا؟ المجاورة لا بسبب المخالطة، لا بسبب المخالطة. ومثله كذلك في الماء الكثير المستبحر، أحيانا تصب بعض النجاسات في البحار، فترى هذا البحر بعيد مكان النجاسة ترى في جهة بعيدة ماء البحر متغيرًا صار معكرًا بسواد أو نحوه في جهة المكان الذي تصب فيه النجاسة، وفي مكان آخر بعيد منه ترى ماء نظيفا لو رفعته أبيض كالزجاج، ومع ذلك قد تجد رائحة تلك النجاسة، فهل هذه الرائحة بسبب المخالطة أو المجاورة؟ بسبب المجاورة لا المخالطة، فهذا كذلك لا يضر، لأنه بسبب المجاورة لا بسبب المخالطة. ومن هذا القبيل: أثر دم في الثوب الذي قد اجتهد في غسله، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يضرك أثره، فهذا الأثر هو لون، وهذا اللون ليس هو بسبب وجود عين النجاسة، النجاسة قد أزلت وغسلت واجتهد في إخراجها، لكن هذا بسبب ماذا؟ المجاورة، ما بقي بسبب المجاورة، فليس هناك وجود لهذه النجاسة. وكذلك المشقة تجلب التيسير، فالنبي صلى الله عليه وسلم رخص في مثل هذا، فإذا كلامه رحمه الله ليس على إطلاقه، والله أعلم. قال رحمه الله: وإذا استحال الشيء إلى شيء آخر حتى كان ذلك الشيء الآخر مخالفا للشيء الأول لونا وريحا وطعما، كاستحالة العذرة رمادا، فقد فقد الوصف الذي وقع الحكم من الشارع بالنجاسة عليه، وهذا هو الحق، والخلاف في ذلك معروف. والمعنى: أن الاستحالة نوع من أنواع التطهير، الاستحالة نوع من أنواع التطهير، والاستحالة تنقسم إلى قسمين: استحالة بفعل الإنسان، كالعذرة تكون رمادا، وهذه الاستحالة بفعل الإنسان: تحرق العذرة فتتحول إلى رماد، فإن كان التحول كاملا لم يبق شيء من أثر النجاسة لا عين ولا أثر لا لون ولا ريح ولا غير ذلك. وهنا الصحيح من أقوال أهل العلم: أن هذه الاستحالة تطهر، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فمدام النجاسة لم توجد زال حكمها، فإذا طار هذا الرماد على الماء فإنه لا ينجسه، فإنه لا ينجس الثياب، بخلاف الرماد الذي بقي فيه شيء من آثار النجاسة، وهذا يدل أن الإحراق لم يكن كاملا، فإذا كان كذلك فلا يزال لا تزال النجاسة مختلطة بهذا الرماد، فهذا لا يطهر. وهكذا كذلك الاستحالة التي تكون في الزرع، قد تسقى بعض الزروع ببعض النجاسات، فتتحول هذه النجاسات من الأرض التي سقيت بها هذه النجاسة إلى زروع، وهذه الزروع فيها مياه، وهذه المياه التي جاءت إلى تلك الثمار أو الخضار إنما جاءت من ماذا؟ من سقي النجاسات، فهل حكمها حكم النجاسة؟ الصحيح فيه ماذا؟ التفصيل، فإذا كان أثر هذه النجاسة موجودا فحكمها حكم ماذا؟ الجلالة، فلا تصح أن نقول: أنها ليست بنجاسة، بل هي نجاسة، يعني إذا لم يوجد فيها لا ريح ولا لون ولا قذع، فهي طاهرة على الصحيح، ولو سقيت بالنجاسة، ولو سقيت بالنجاسة. قد يستقبح الإنسان ذلك، نقول: هذا شيء آخر، أنت تستقبح هذا شيء آخر، أما حكم الشرع ما دامت النجاسة ليست موجودة وقد استحالت، وهناك طرق استخدمها أهل الزراعة يستطيعون بها إزالة أثر النجاسة، فتستحيل هذه النجاسة، فهذا لا يضر بالزرع على الصحيح. وهكذا كذلك الحيوانات المعلوفة ببعض النجاسات، الصحيح: أن أثر هذه النجاسات إذا زال في الحيوانات، وهذا يستخدم كثيرا في الأسماك، تعرفون مزارع الأسماك قد ترمى إليها بعض النجاسات ليست العذرة، لكن فضلات بعض الحيوانات والميتة، فتأكلها الأسماك، وإذا أكلتها الأسماك فظهر أثر هذه النجاسة على الأسماك فهي حكمها حكم ماذا؟ الجلالة، يجب أن تحبس حتى يزول أثر النجاسة منها، فإن زال أثر النجاسة معناه: معناه هي طاهرة، وإذا بقي فيبقى مع حكم النجاسة. فإذا استحالت فالحكم يدور مع علة وجودا وعدما، هذا هو الصحيح. والنوع الثاني من أنواع الاستحالة: ما يكون بغير فعل الإنسان: استحالة بغير فعل الإنسان، كالتشميس، إذا ضربت الشمس الشيء زال أثر النجاسة، وغالبا التشميس يزيل الشيء اليسير للكثير، الشمس تزيل النجاسة اليسيرة للكثيرة، ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح فيما رواه أبو داود وأحمد: أنه قال: كنت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أبيت في المسجد، وكنت شابا عزبا، فتدخل الكلاب إلى المسجد فتبول وتدخل وتخرج ولا نرش شيئا من ذلك ولا نرش شيئا من ذلك. تعرفون بول الكلب الذي عنده كلاب يعرف كيف تبول الكلاب، ليس تبول مثل ما يبول الإنسان، ترش هنا وتمشي وترش هنا وتمشي وترش هنا، يعني كل بقعة تعطي هدية وتمشي، فهذا الرش طبعا من في المسجد سيطرد الكلب إذا فعل مثل هذا فيه، ما سيرضى للكلب أن يفعل ذلك ب إطمئنان، لكن مع ذلك تقع النجاسة، فلم يكونوا يرشون ولا يؤمرون برش ذلك، يعني معناه: أنه شيء يصير يزول، لكن إذا بقيت الريح نرجع الآن للكلام السابق: إذا بقيت الرائحة من أثر النجاسة أو اللون، فهل نترك هذا؟ لا نترك هذا، والدليل حديث العرابي الذي باله في المسجد، حديث أنس في الصحيحين: فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بذنوب من ماء فأهريق على مكان ذلكم البول فأهريق على مكان ذلكم البول. إذن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فإذا كانت النجاسة يسيرة وزالت واستحالت هذه النجاسة بالتشميس، فإن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، زال الأثر وزال العين زال الحكم النجاسة. ومن ذلك الرخصة في الكتاب والسنة: أن الإنسان يستنجي في مكان الغائق أو جاء أحد منكم من الغائق الذي يأتي إلى الغائق ماذا يفعل؟ تعلمون الغائق هو المكان المنخفض المطمئن الذي يذهب الناس إليه لقضاء الحاجة، وإذا ذهب الناس وتكرر ذهابهم إلى مكان معين، هل معناه مئة بالمئة لا تستخدم إلا حجر غير مستخدم؟ ها هل تستطيع تضمن هذا؟ ما تستطيع تضمن هذا. لكن إذا وجدت جئت إلى مكان اعتاد الناس فيغضون حاجتهم فيه فوجدت حجرا مستخدما، هل يجوز لك أن تستخدمه؟ لا يجوز لك أن تستخدمه، لأن فيه ماذا؟ نجاسة، وأنت منهي أن تستخدم النجاسة، فإذا تتركه إلى حجر آخر، لكن قد يوجد حجر آخر استنجى فيه إنسان من بول لا من غائط، ومع التشميس والريح ذهب أثر البول، فأنت يجوز لك أن تستخدم هذا الحجر أو لا؟ ما دمت لا تعلم ولا ترى أثر النجاسة فيجوز لك أن تستخدم هذا الحجر. فأنت لست مأمور أن تذهب عن مكان جديد ليس فيه أحد قد استنجى فيه، بل الشرع أذن في إتيان المكان المعتاد بقوله سبحانه: أو جاء أحد منكم من الغائط، وأل فيه للعهد، يعني المكان المعهود المعروف الذي تذهبون فيه لتقضون حاجتكم، وغير ذلك من الأدل العامة التي تدل على هذا المعنى. وهذا كما قلنا في الغالب لا يكون إلا في النجاسة اليسيرة، في النجاسة اليسيرة، وهل هذا الحكم يعم غير هذا؟ الجواب: الصحيح في هذا التفصيل، مثلاً علمت أن النجاسة وقعت في أرض معينة في البيت في جهة معينة في البيت فنسيت، ثم جئت فتبحث عن مكان النجاسة ما وجدت شيئًا، تريد أن تنظر أين مكان النجاسة ما وجدت لم تجد لا لون ولا رائحة، فهل أنت مأمور بغسل كل تلك الجهة؟ الجواب: لا، لست مأمور بإزالة وغسل كل تلك الجهة، إن علمت المكان غسلت وإن لم تعلم وتركت فالصحيح: أنه لا حرج عليك، ولكن إن احتجت فمسحت بماء مبلول أو نحو ذلك الجهة التي تظن أنها مظنة النجاسة فهذا أفضل وأحوط، ونحو ذلك مما يقال في مثل هذه المسائل. ومثله كذلك لو التبس عليك ثوب فيه نجاسة بثياب أخرى طاهرات فلم تعلم عين الثوب الذي أصابته نجاسة يسيرة، ومع طول الوقت والتشميس لم تستطع أن تميز هذا الثوب تحاول تشم تحاول تنظر ما ترى أثر النجاسة ولا رائحة النجاسة في شيء من هذه الثياب، فهل أنت مأمور بترك كل الثياب أو غسل كل الثياب؟ بعض أهل العلم قال بهذا: أنت مأمور بغسل كل الثياب ما دمت قد اختلط عليك النجس بغيره. وبعض أهل العلم قال: بل ما دام زال أثر النجاسة فالصحيح والله أعلم هو هذا القول: أنه لا يلزمك غسل هذا الشيء. قال رحمه الله تعالى: كذلك من المسائل التي يكتر السؤال عنها من يقول بنجاسة الخمر، وقد مر معنا الصحيح: أن الخمر ماذا؟ طاهر وليس بنجس، هو خبيث ولكنه ليس بنجس، ولكن من يقول بنجاسته يقولون: إذا استحال فصار الخمر خلا فيصير بهذا ماذا؟ طاهر، ولكن يبقى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تحويل الخمر خلا، فيكون هذا شيء آخر، لكن هذا على من يقول بالنجاسة، والصحيح: أنه ليس بنجس. ومسألة الاستحالة فيها مسألة أخرى، وهي أنه على الصحيح: إذا استحالت النجاسة إذا استحال الخمر خلا بغير إذا حول النبيذ خلا من دون أن يمر بالخمر فهذا حلال، أو مر وتحول إلى الخل ولو مر بالخمر وأنت لا تعلم فهذا حلال. وأما تحويل الخمر إلى خل فهذا حرام، حتى لا يكون في ذلك الاتجار بالخمر والتساهل بمرور بإمرار النبيذ بمرحلة الخمر، فإن قال قائل: هل يمكن تحويل النبيذ إلى خل من دون أن يمر بالخمر؟ الجواب: نعم، الصحيح: إنه يمكن، فالنبيذ يمر بثلاثة مراحل: المرحلة الأولى النبيذ، ثم يبدأ يتخمر ثم يصير خمرا ثم يصير خلا، لكن إذا أردت أن تجعله لا يمر بمرحلة الخمر فضع في هذا النبيذ الخل، فإذا وضعت فيه الخل فإنه لا يمر بمرحلة ماذا؟ الخمر، فلذلك ينصح من يصنع الخل من الأشجار أن يضع في الوعاء الذي يجمع المعتصر من تلك الأشجار شيئا من الخل حتى حتى لا يمر المعتصر هذا بمرحلة الخمر. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا هو الحق، والخلاف في ذلك معروف. وما كان لا يمكن غسله من المتنجسات كالأرض والبئر، فتطهيره بالصب عليه، أما الأرض فحديث أنس في الصحيحين في قصة الأعرابي، هذا إذا كانت النجاسة كثيرة، وإذا كانت النجاسة يسيرة وعلمت عينها فبحسب هذه الأرض، إن كانت الأرض لا يمكن مسحها مثل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان من الحصباء فإنه يرش عليه الماء، أو إذا كان المسجد من البلاط والصيراميك وما كان عليه حال الناس اليوم أو من الزجاج والبلاستيك أو الحديد أو غيرها من المعادن الملساء فهذا يمسح ولا يلزم غسله أو صب الماء عليه، فمسحه بشيء مبلول يكفي إن زال عين النجاسة وأثرها، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. قال رحمه الله تعالى: والبئر فتطهيره بالصب عليه والنزح منه حتى لا يوجد للنجاسة أثر، لأنها لو كانت باقية لكانت تعبد بإذهابها باقيا لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما كما تقدم. قال: ولكن هذا إنما يكون في مثل النجاسة التي لها جرم ولون ومعنى، أن النجاسة التي ليس لها جرم ولون يخفف فيه، مثاله: سقطت ميتة في بئر، سقوط الميتة في البئر ينجس هذه البئر، لكن كيف نستطيع أن نطهر هذه البئر؟ تعرفون الآبار يجتمع فيها الماء بمقدار معين، وكلما سحبت من هذا الماء اجتمع مثل هذا الماء مرة أخرى واضح، مثلا ماء عمقه عشرة أمتار وعرضه من كل الجهات مترين، يعني معناه مترين في عشرة، فإذا وقعت فيه النجاسة فالنجاسة تغير هذا الماء، فهنا إذا كان للنجاسة جرم وعين وأثرت على هذه البئر باللون كلما سحبت من هذا الماء ظهر فتات هذه الميتة ولون مختلط بالماء ورائحة، فهنا الماء ماذا؟ نجس، كيف نطهر هذا الماء؟ قال العلماء: يطهر الماء بأحد طريقتين: إما بنزحه إن كان الماء كثيرا في البئر فأنت تنزح وتنزح وتنزح تخرج عين الميتة وما حولها حتى يزول أثر هذه الميتة في البئر فلا يبقى في هذه البئر جرم هذه الميتة ولا يبقى كذلك في هذه البئر لون هذه الميتة، لكن قد يبقى رائحة هذه الميتة، هل يضر بقاء هذه الرائحة؟ الصحيح: لا يضر بعد إزالة الجرم واللون بقاء الرائحة، مع الحرص بإخراج الماء ونزحه، واليوم وسائل إخراج الماء متيسرة عندنا: الغطاصات ونحوها من المكائن الحديثة التي تسحب الماء بسرعة، فيبقى أحيانا الرائحة فلا يضر وجود هذه الرائحة، لأن الرائحة هذه بسبب ماذا؟ المجاورة لا بسبب المخالطة. طيب بعض الآبار العكس: ما تستطيع أن تنزح لأن الماء فيها قليل، والناس في حاجة لهذه الماء، الناس في حاجة لهذه الماء كالصحراء، الآبار اليدوية التي في الصحاري وتكون غالبا سطحية، فكيف يمكن تطهيرها؟ يقال: أخرجوا عين النجاسة، يدخل واحد ويأخذ النجاسة بيده مثلا ماتت حمامة يأخذ الحمامة ويشن الماء بما بقي من بقايا هذه الحمامة: الريش والفتات ونحوه، يأتي مثلا بقطعة قماش خمار امرأة أو نحوه يلف كل بقايا وأجزاء هذه النجاسة ويخرجها، وهكذا ينزح ما تيسر من الماء المتلوث، ثم بعد ذلك يصبون في هذه البئر ماء، وهو ما يسمى بماذا؟ بالتكثير، يكثر الماء حتى لا يبقى لون النجاسة حتى لا يبقى لون النجاسة، فهذا التكثير أزال النجاسة، فإن بقي ريح فلا يضر هذه الريح على الصحيح من أقوال أهل العلم. فهذا هو: إما بالتكثير وإما بالنزح. قال رحمه الله تعالى: وأما مثل البول فقد ورد عن الشارع أن تطهيره بأن يصب عليه ذنوب من ماء، فإذا وقع ذلك صارت الأرض المتنجسة بالبول طاهرة. طيب هذه هي الكيفية الرابعة عندنا: الكيفية الأولى التطهير بالماء، الثانية بالمسح، الثالثة بالاستحالة، الرابعة بالصب، والخامسة بماذا؟ بالنزح، الخامسة بالنزح، فعندنا نزح وعندنا صب، وهذا الصب ينقسم إلى قسمين، فتكون إما ست وإما خمس إن كان في الأرض فيصب في نفس الأرض مثل حديث أنس في الصحيحين، وإن كانت بئر كما تقدم معنا فيكاثر، فإذا الصب نوعين: نوع يصب ويزول هذا الماء إلى الأسفل كالأرض، ونوع يصب ويكثر به الماء. وهذه الكيفية السادسة، فهذه ست طرق في تطهير الماء في تطهير النجاسة. قال رحمه الله: أما كون الأصل في التطهير هو الماء فقد وصف بذلك في الكتاب والسنة وصفا مطلقا غير مقيد، بل قوله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور يرشد إلى ما ذكرنا إرشادا تشهد له قواعد علم المعاني وعلم الأصول. فإذا ثبت عن الشارع أن تطهير شيء من المتنجسات يكون بغير الماء كمسح نعلي بالأرض ونحو ذلك، كان الماء غير متعين في تطهير تلك النجاسة بخصوصها، ويتعين فيما عداها، وهذا هو الحق. طيب هذا كما مر معنا: الصحيح أنه في مسألة الحدث، وأما في مسألة الخبث فالصحيح: أن إزالة النجاسة إزالة لحكمها بأي شيء كان على القول الصحيح. قال رحمه الله: وقد ذهب الجمهور إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر، وإليه ذهب الداعي من أهل البيت، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وهكذا مالك، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب: أنه يجوز التطهير بكل مائع طاهر، وكل ما يكون به إزالة النجاسة هذا هو الصحيح أخذا بما دلت عليه عمومات الأدلة. فالخلاصة: الأصل الماء إن أمكن، وإن لم يمكن أو شق أو لم يتيسر: الصحيح: أنه يجوز بغير الماء، الصحيح: أنه يجوز بغير الماء لعمومات الأدلة في هذا الباب. قال: ويرد على الجمهور بما ثبت عن الشارع فطهيره بغير الماء، إن كانوا يقولون الماء تعين في مثل ذلك، يعني قول الجمهور عند المؤلف رحمه الله ليس بصواب، لماذا؟ لأنه ثبت أنه يجوز في غير الماء كما في مسح النعلين. قال: ويرد على أبي حنيفة ومن معه بأن إثبات مطهر لم يرد الشارع أو تطهير على غير الصفة الثابتة عنه مدفوع، يعني أن المؤلف اتخذ قولا بين القولين، وهو ماذا؟ وهو أن الأصل الماء وما جاء الشرع بالإذن فيه بغير الماء فنبقى عليه، يعني مثل النعل نبقى فيه المسح، والجلباب يطهره ما بعده، وما سوى ذلك يبقى على أصل ماذا؟ على أصل الماء، هذا الذي رجحه الشوكاني رحمه الله. والصحيح خلاف هذا: الصحيح: أن الأصل الماء وما شق أو لم يمكن أو لم يتيسر بالماء جاز بغير الماء، والدليل تلك الصور التي دلت على جواز التطهير بغير الماء، هذا هو الصحيح، وهو عند التأمل فيه معنى قول الإمام الشوكاني رحمه الله، لكن بغير هذا التقييد الذي قيد به رحمه الله. بقي مسألة أخيرة نختم بها هذا الفصل، وهي أن باب إزالة النجاسات من باب التروق، فلا يشترط لهنية، لا يشترط لهنية بخلاف طهارة الحدث، طهارة الخبث لا يشترط لهنية لأنها من باب التروق، وأما طهارة الحدث فسيأتي الكلام عليها في بابها في مسألة النية إن شاء الله تعالى.