الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن أحكام الحائض والنفساء في الصيام، حيث يحرم عليهما الصيام ولا يصح منهما، ويجب عليهما القضاء بعد الطهر. كما يوضح أن الحيض هو دم طبيعي تعتاد المرأة نزوله في أيام معلومة.
يتناول أحكام الفطر للنساء الحائض والنفساء والمرضع والحامل، وأيضًا في حالات الضرورة. يُبيّن أن عليهن القضاء بعد الطهر أو بعد زوال العذر، مع تفصيل أحكام كل حالة.
يشرح حكم قضاء الصيام بعد رمضان ويجوز تأخيره إلى ما قبل رمضان التالي، ولكن لا يجوز تأخيره بدون عذر إلى رمضان الثاني، ومن مات قبل أن يقضي صامه يجب على وليه القضاء أو إطعام مسكين.
يتضمن توجيهات للمسلمين بفهم حكمة الله في شرائع الصيام وتقدير نعمة التيسير، يليه دعاء يطلب المغفرة والثبات على الدين والهداية.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم قراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، قراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثامن. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتاب مجالس شهر رمضان، المجلس الثامن في بقية أقسام الناس في الصيام وأحكام القضاء. قال: الحمد لله الواحد العظيم الجبار القدير القوي القهار المتعالي عن أن تدركه الخواطر والأبصار، وسمى كل مخلوق بسمة الافتقار، وأظهر آثار قدرته بتصريف الليل والنهار، يسمع أنينا المنث يشكو ما به من الأضرار، ويبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة، ويعلم خفي الضمائر ومكنون الأسرار، صفاته كذاته والمشبه كفار، نقر بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآن والأخبار. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ في نارٍ حامية؟ أحمده سبحانه على المسار والمضار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالخلق والتدبير، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنبياء الأطهار، صلى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقه في الغار، وعلى عمر قامع الكفار، وعلى عثمان شهيد الدار، وعلى علي القائم بالأسحار، وعلى آله وأصحابه خصوصًا المهاجرين والأنصار، وسلم تسليمًا. إخواني، قدمنا الكلام عن سبعة أقسام من أقسام الناس في الصيام، وهذه بقية الأقسام. القسم الثامن: الحائض، ويحرم عليها الصيام ولا يصح منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» قلنا: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» قلنا: بلى، قال: «فذلك نقصان عقلها»، قال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلنا: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» متفق عليه. ولله حكمة في هذا النقصان كما ذكر أهل العلم؛ فإن نقصان عقلها لأجل أن يكون عندها من العاطفة والرحمة ما تقوم به أمومتها وتكمل به أنوثتها، وكذلك تحسن تبعُّلها لزوجها، فلو كانت مثل الرجل لصارت ضد أنوثتها، ولما انكسرت له ولما لانت وصبرت في تربية أبنائها ولزومها لبيتها، فجعل الله عز وجل في الأنثى من الصفات ما يكمل لمثلها، فاستلزم ذلك نقصان إدراكها، ولهذا كانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ليس كما يقول أعداء هذا الدين: إنما ذلك لأجل ظلم المرأة وعدم العدل معها، لا، بل لأن هذه حقيقة لا يمكن أن تنفك عن المرأة، وهذا لكمال أنوثتها. فلذلك المرأة التي تترجل وتزيد في عقلها فهي ماذا تنقص؟ تنقص من أنوثتها، لا تكاد تجد امرأة كاملة في أنوثتها إلا وعندها من الغفلة وعدم التركيز ما لا يكون عند الرجل، وهذا من كمالها كمرأة، كما أن ذاك من كماله كرجل، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لا يمكن أن يكون الذكر كالأنثى أبدًا، لا في الخلقة ولا في التفكير ولا في التدبير، فالأب أب والأم أم، والرجل رجل والمرأة امرأة، هذه عندها من العاطفة ومن الاعتناء بالمظاهر ما ليس عند الرجل. قال رحمه الله تعالى: والحيض دم طبيعي يعتاد المرأة في أيام معلومة. قال: وإذا ظهر الحيض منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة بطل صوم يومها ولزمها قضاؤه، إلا أن يكون صومها تطوعًا، فقضاءه تطوع لا واجب، وهذا ظاهر. ولا تحزن المرأة إذا أصابها مثل هذا، فهي تؤمن بقضاء الله وقدره، وأن هذا رحمة وحكمة من الله سبحانه وتعالى. قال: وإذا طهرت من الحيض في أثناء رمضان لم يصح صومها بقية اليوم؛ لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار. وهل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟ فيه خلاف بين العلماء، سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرًا، والصحيح أنها لا تلزمها بقية اليوم، فمن أفطر أول اليوم بعدر أكمل بقية فطره في بقية اليوم. قال: وإذا طهرت في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم؛ لأنها من أهل الصيام وليس فيها ما يمنعه، فوجب عليها الصيام ويصح صومها حينئذ، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يصح صومه؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» متفق عليه. والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم، ويجب عليها القضاء بعدد الأيام التي فاتتها؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» رواه مسلم. ومعناه: أنه شرع شرعه الله للنساء، فلا يجوز معارضته، ولله حكمة في ذلك كما تقدم. وذكر العلماء حكمًا كثيرًا. قال: القسم التاسع: المرأة إذا كانت مرضعًا أو حاملًا وخافت على نفسها أو على الولد من الصوم، فإنها تفطر؛ لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» أخرجه الخمسة، وهذا لفظ ابن ماجة، وهو حديث حسن كما أشار إليه وكما قال رحمه الله. قال: ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسر ذلك ويزول عنها الخوف؛ كالمريض إذا فرئ. وهذا هو الأصل: أن الحامل والمرضع كالمسافر، يعني من جهة يرخص لها الفطر وتؤمر بالقضاء، ولكن إذا تتابع عليها وكثرة بسبب تتابع الحمل والرضاع، فهنا تنتقل إلى الحكم الآخر، وهي أنها تطعم عن كل يوم مسكينًا، وعلى هذا يحمل المروي عن ابن عباس وغيره، فتجتمع بهذا الأدلة والله أعلم. قال: القسم العاشر: من احتاج للفطر لدفع ضرورة غيره، كإنقاذ معصوم من غرق أو حريق أو هدم أو نحو ذلك، فإذا كان لا يمكنه إنقاذه إلا بالتقوي عليه بالأكل والشرب جاز له الفطر، بل وجب الفطر حينئذ؛ لأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطر. وبعضهم جعل ضابطًا أوسع من هذا، فقال: ما كان لدفع ضرورة لنفسه أو عن غيره، فيتناول ذلك عن نفسه إذا حصل له نوع ضرورة، فإنه يفطر، مثل إنسان بذل جهدًا شديدًا لسبب فكاد أن يهلك، أو رجل عنده السكر خفيف ولكن بذل جهدًا فأغمي عليه وكاد يهلك، فهنا نقول له: أفطر. وكذلك من أراد أن ينقذ الغير، أو كذلك من يقاتل لحفظ حياض الإسلام، سواء قتال دفع أو غير قتال دفع، فالصحيح أنه في كلا الأمرين يجوز الفطر حفاظًا على شوكة أهل الإسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه في عام الفتح بالفطر، وغضب على من لم يفطر، فمن باب أولى إذا كان قتال دفع. قال: ومثل ذلك من احتاج إلى الفطر للتقوي به على الجهاد في سبيل الله في قتال العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضر العدو؛ لأن في ذلك دفاعًا عن المسلمين وإعلاء لكلمة الله عز وجل. وقد وقع بغزو المغول في أيام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فأفتى بفطرهم، وعارضه بعض العلماء، فأنكر عليهم وأخذ الناس بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ إذ زعم بعضهم: إنما أفطر أولئك لأجل السفر، فأخبر أن الفطر ليس لأجل السفر، وإنما لأجل دفع العدو، ولو كان الناس في حضر وهجم العدو فاحتاج الناس للتقوي على هذا العدو وحفظ أهل الإسلام ومحارم المسلمين، فإنهم يفطرون، وهذا هو الصحيح. فقال: وفي الصحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا» فكانت عزيمة فأفطرنا. وفي هذا الحديث إيماء إلى أن القوة على القتال سبب مستقل غير السفر، وهو الصحيح، فلو كان بغير سفر أيضًا وجب الفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل علة الأمر بالفطر القوة على قتال العدو دون السفر، ولذلك لم يأمرهم بالفطر في المنزل الأول. وكل من جاز له الفطر بسبب مما تقدم فإنه لا ينكر عليه إعلان فطره إذا كان سببه ظاهرًا كالمريض والكبير الذي لا يستطيع الصوم. وأما إن كان سبب فطره خفيًا كالحائض ومن أنقذ معصومًا من هلكة، فإنه يفطر سرًا ولا يعلن فطره؛ لئلا يجر التهمة إلى نفسه، ولئلا يغتر به الجاهل فيظن أن الفطر جائز بدون عذر. قال: وكل من لزمه القضاء من الأقسام السابقة فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، فإن كان الشهر ثلاثين يومًا لزمه ثلاثون يومًا، وإن كان تسعة وعشرين يومًا لزمه تسعة وعشرون يومًا فقط. والأولى المبادرة بالقضاء من حين زوال العذر؛ لأنه أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذمة، وكذلك لأجل أن لا يتعلق بما قد يصرفه ويشغله، فلا يدري ما يجري له في حياته إذا تأخر. قال: ويجوز تأخيره إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني بعدد الأيام التي عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين. وقد صح أن عائشة رضي الله عنها كانت تقضي في شعبان لمكان النبي صلى الله عليه وسلم منها. قال: ومن تمام اليسر تأخير قضائها، فإذا كان عليه عشرة أيام من رمضان جاز تأخيرها إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني عشرة أيام، وهذا جائز. وهذا يظهر أيضًا أنه يجوز صيام ست شوال وعليه القضاء، وإن كان الأفضل تقديم القضاء على ست شوال. قال: ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» رواه البخاري. ولأن تأجيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم، وربما يعجز عنه، ويموت. قال: فإن استمر به العذر حتى مات فلا شيء عليه؛ لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها، فسقطت عنه، كمن مات قبل دخول شهر رمضان، لا يلزمه صومه. وهذا من استمر به المرض مثلًا والعذر، فلم يجد وقتًا للقضاء، هذا معنى ومراد الشيخ رحمه الله. قال: فإن تمكن من القضاء ففرط فيه حتى مات، صام وليه عنه جميع الأيام التي تمكن من قضائها بعدد الأيام التي وجد فيها الصحة والعافية. فمثلًا: إنسان كان عليه قضاء شهر، واستمر المرض به في شوال، ثم عافاه الله، وبعد أن عافاه الله كان يستطيع القضاء، ولكن قال: أريد أتمتع بالصحة قليلًا وأصوم فيما بعد، فأخذ خمسة أيام وعشرة أيام، ثم مرض مرة أخرى، ثم توفي، فهنا كم القضاء الذي عليه؟ قدر الأيام التي صح فيها، إن كانت خمسة خمسة، وإن كانت عشرة عشرة. قال رحمه الله تعالى: لقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه، هو وليه وارثه أو قريبه. ويجوز أن يصوم عنه جماعة بعدد الأيام التي عليه في يوم واحد. قال البخاري: قال الحسن: «إن صام عنه ثلاثون رجلا يومًا واحدًا جاز». فإن لم يكن له ولي أو كان له ولي لا يريد الصوم عنه، أطعم من تركته عن كل يوم مسكينًا بعدد الأيام التي تمكن من قضائها، كما تقدم معنا بالمثال، لكل مسكين مد بر، وزنه بالبر الجيد نصف كيلو وعشرة جرامات. وكلنا الأفضل أن يخرجه بقيمة الطعام المعتاد، الغني من غناه والفقير من فقره، هذا هو الأفضل؛ لأن السلف كانوا يفعلون ذلك، ولعموم قول الله عز وجل: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فالغني من غناه والفقير من فقره. والغالب المعتاد في بلدنا هذه: الإطعام يكون بما يقابل خمسة ريالات، يعني ضربها بالصرف كم تصير؟ تقريبًا فيشتري طعامًا، والأفضل يكون جاهزًا كما كان يفعل أنس وغيره من الصحابة، يعني لا تتعب المسكين حتى يبحث عن طبخ، تعطيه شيء جاهز وتطعمه. قال: إخواني، هذه أقسام الناس في أحكام الصيام، شرع الله فيها لكل قسم ما يناسب الحال والمقام، فاعرفوا حكمة ربكم في هذه الشريعة، واشكروا نعمته عليكم في تسهيله وتيسيره، واسألوه الثبات على هذا الدين إلى الممات. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وحسن أخلاقنا، وأتمم علينا لزوم الطريق إليك، وهب لنا نورًا نهتدي به إليك. اللهم اذقنا حلاوة مناجاتك، وسلك بنا سبيل أهل مرضاتك. اللهم انقذنا من غفلتنا، وأيقظنا من رقدتنا، واهدهمنا رشدنا، وأحسن بكرمك أعمالنا. اللهم احشرنا في زمرة المتقين، وألحقنا بعبادك الصالحين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين. اللهم آمين.