مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 19

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 19

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسباب غزوة فتح مكة ونقض الصلح

نقضت قريش الصلح الذي تم في الحديبية بإعانتها لبني بكر في الإغارة على خزاعة، مما أدى إلى غزوة فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة. كانت هذه الغزوة انتصارًا للإسلام وانتشارًا للتوحيد في مكة.

دخول النبي مكة وفتحها

دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا، وأمر بتكسير الأصنام حول الكعبة وطعنها بقوس، ثم طاف بالبيت وأمر بمحو الصور داخل الكعبة. بعد ذلك، صلى النبي داخل الكعبة.

خطبة النبي في مكة ودخول الناس في الإسلام

خطب النبي في الناس بعد فتح مكة، وأعلن تحريم مكة وحرمتها، ثم بايع الناس على الإسلام والإيمان والجهاد. بعد الفتح، دخل الناس في دين الله أفواجًا ونصر الله الإسلام.

الدعاء للنصر والرحمة بعد الفتح

يتمثل الدعاء في طلب النصر للأمة الإسلامية، والرحمة والمغفرة للمسلمين، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يعكس هذا الدعاء الأهمية الدينية للفتح وأثره على الأمة.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس التاسع عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن الصالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "مجالس شهر رمضان": قال المجلس التاسع عشر في غزوة فتح مكة، شرفها الله عز وجل. قال: الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره، وعلم مورد كل مخلوق مصدره، وأثبت في أم الكتاب ما أراده وسطره، فلا مؤخر لما قدمه، ولا مقدم لما أخره، ولا ناصر لمن خذله، ولا خاذل لمن نصره، تفرد بالملك والبقاء والعزة والكبرياء، ومن نازعه ذلك أحقره، الواحد الأحد الرب الصمد، فلا شريك له فيما أبدعه وفطره، الحي القيوم، فما أقومه بشؤون خلقه، وأبصره العليم الخبير، فلا يخفى عليه ما أسره العبد وأضمره، أحمده على ما أولى من فضله ويسره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قبل توبة العاصي فعفا عن ذنبه وغفره، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أوضح به سبيل الهداية ونورها، وأزال به ظلمات الشرك وقتره، وفتح عليه مكة فأزال الأصنام من البيت وطهره، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان، ما بلغ القمر بدره وسره، وسلم تسليمًا. قال: إخواني، كما كان في هذا الشهر المبارك غزوة بدر التي انتصر فيها الإسلام وعلى مناره، كان فيه أيضًا غزوة فتح مكة البلد الأمين في السنة الثامنة من الهجرة، فأنقذه الله بهذا الفتح العظيم من الشرك الأثيم، وصار بلدًا إسلاميًا حل فيه التوحيد عن الشرك، والإيمان عن الكفر، والإسلام عن الاستكبار. قال: أعلنت فيه عبادة الواحد القهار، وكسرت فيه أوثان الشرك، فما لها بعد ذلك انجبار. قال: وسبب هذا الفتح العظيم أنه لما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش الحديبية في السنة السادسة، كان من أحب أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فعل، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش. وكان بين القبيلتين دماء في الجاهلية، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة فأغارت على خزاعة وهم آمنون، وأعانت قريش حلفاءها بني بكر بالرجال والسلاح سرًا على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم جماعة منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما صنعت بنو بكر وإعانة قريش لها. أما قريش فسقط في أيديهم ورأوا أنهم بفعلهم هذا نقضوا عهدهم، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلم يرد عليه، ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفلح، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح أيضًا. فقال له: ما ترى يا أبا الحسن؟ قال: ما أرى شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس. قال: أترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله، ولكن ما أجد لك غيره. قال: ففعل أبو سفيان، ثم رجع إلى مكة. فقالت له قريش: ما وراءك؟ قال: أتيت محمدًا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئًا، ثم أتيت ابن أبي قحافة وابن الخطاب فلم أجد خيرًا، ثم أتيت عليًا فأشار علي بشيء صنعته، أجرت بين الناس. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قالوا: ويحك، ما زاد الرجل -يعنون عليًا- إلا ما زاد الرجل -يعنون عليًا- أن لعب بك. والمعنى: أنك فعلت شيئًا لا فائدة فيه. قال: وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمر أصحابه بالتجهز للقتال، وأخبرهم بما يريد، واستنفر من حوله من القبائل، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها». ثم خرج من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل، وولى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. ولما كان في أثناء الطريق لقيه في الجحفة عمه العباس بأهله وعياله مهاجرا مسلمًا، وفي مكان يسمى الأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله بن أبي أمية، وكان من أشد أعدائه، فأسلما فقبل منهما. وقال في أبي سفيان: أرجو أن يكون خلفًا من حمزة، أنه كان يرجو إسلامًا. قال: ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مكانًا يسمى مر الظهران قريبًا من مكة، أمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وركب العباس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس أحدًا يبلغ قريشًا ليخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلبوا الأمان منه، ولا يحصل القتال في مكة البلد الأمين. قال: فبينما هو يسير سمع كلام أبي سفيان بن حرب يقول لبديل بن ورقاء: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط. فقال بديل: هذه خزاعة. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل من ذلك وأذل. فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه، فقال: ما لك يا أبا الفضل؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. قال: فما الحيلة؟ قال العباس: اركب حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد علمت أن لو كان مع الله غيره لأغنى عني. قال: «ما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟» فقال: ذلك. فقال له العباس: «ويحك، أسلم». فأسلم وشهد شهادة الحق. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون. فمرت به القبائل على راياتها، ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره، فيقول: مالي ولها؟ حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، فقال: من هذه؟ قال العباس: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فلما حاذاه سعد قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة». ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب وأجلها، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ورآه مع الزبير بن العوام. فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أخبره بما قال سعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب سعد»، يعني أخطأ، ويطلق لفظ الكذب بمعنى الخطأ كثيرًا في لغة العرب. قال: «ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة». ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأخذ الراية من سعد وتدفع إلى ابنه قيس. ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا، وهذا من الحكمة أن الكبير في قومه إذا أخطأ يعاقب عقوبة لا تعين الشيطان عليه. فأخذ منه الراية لما صنع لأجل يدرأ فتنة أكبر منها، لأنه قال كلمة لا تليق. وإذا رأى الناس سكوت النبي صلى الله عليه وسلم استعظموا الأمر، كما أن مثل سعد ليس ممن يعاقب عقوبة تكون به هضمة. فكانت هذه العقوبة أخذت منه الراية، وأعطيت لابنه، فبقي له شيء، وفي نفس الوقت أظهر للناس النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير راض عن قول سعد. وهذه حكمة في كيفية هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج ما تقع من مشكلات. وهكذا ينبغي للداعي إلى الله ومن ولاه الله شيء من أمور المسلمين أن يستفيد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفقهها، ما يعينه في حياته العلمية والدعوية العلمية والعملية. وهذا ما يسمى بفقه السيرة، وفقه السيرة من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتنى بها، فيدرس الإنسان السيرة دراسة تدبر وتفقه، كما يؤخذ الفقه من الأحكام الشرعية، يؤخذ الفقه كذلك من السيرة. قال رحمه الله تعالى: ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا، إذ صارت إلى ابنه. ثم مضى صلى الله عليه وسلم، أمر أن تركز راية بالحجون، والحجون أعلى مكة، الجهة المرتفعة من مكة. قال: ثم دخل مكة فاتحًا مؤزرًا منصورًا، قد طأطأ رأسه تواضعًا لله عز وجل، حتى إن جبهته تكاد تمس رحله، وهو يقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، ويرجعها. وبعث صلى الله عليه وسلم على إحدى المجنبتين خالد بن الوليد، وعلى الأخرى الزبير بن العوام، وقال: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن». ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد الحرام. ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة من جميع مداخلها، دخلها من جميع مداخلها من جهة شمالها وجنوبها وشرقها وغربها. وفي هذا دليل على ما ينبغي أن يعتني به أهل الإسلام من إظهار القوة لأهل الإسلام. ولأجل هذا أيضًا مرت تلك القوافل أمام أبي سفيان لأجل أن يرجع إلى أهل مكة ويخبرهم بما رأى، فيكون ذلك أولا سببًا في دخول الهيبة والرعب من أهل الإسلام، وثانيًا حتى لا يحصل قتال. وهذا ضفر ونصر أن يدخلوا مكة دون قتال، هذا الذي حصل إلا أفراد قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي إن شاء الله، إما لشيء فعلوه قبل، أو كذلك لأمور أخرى حصلت في نفس عام الفتح. قال رحمه الله: حتى أتى المسجد الحرام، فطاف به على راحلته، وكان حول البيت ستون وثلاثمئة صنم، فجعل صلى الله عليه وسلم يطعنها بقوس معه، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا». وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، والأصنام تتساقط على وجوهها. ثم دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة، فإذا فيها صور، فأمر بها فمحيت، ثم صلى فيها. وفي هذا دليل أن من أسباب تحريم الصور الشرك، فهم يعظمون الصور تعظيم عبادة، ولهذا جعلت في جدار الكعبة صورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتصاوير أخرى. وكذلك كما تقدم دخول النبي صلى الله عليه وسلم مطأطئًا رأسه متواضعًا، هذا خلق من عظيم خلقه، أن المسلم ينبغي في مواضع النصر لا يدخله الكبرياء، بل ينبغي على العكس، يكسر ما قد يأتي في نفسه من الكبرياء بالتواضع الحسي والمعنوي. فمن الحسي أنه طأطأ رأسه، وخلق الكافرين والفاجرين العكس، إذا انتصر ماذا يفعل؟ كبرياء حسًا وفعلا، وتعالي على الخلق، وربما ظلم وعدوان بغير حق. وهذا الذي قاله أبو سفيان، أبو جهل لما وصلوا فيه غزوة بدر كما تقدم معنا: خيالاء وكبرياء قبل الحرب، فأذلهم الله. ولذلك المسلم دائمًا ينظر فيما في يده كيف يكون مع الله سبحانه وتعالى، هذا هو المهم. قال رحمه الله تعالى: قال: فإذا فيها صور، فأمر بها فمحيت، ثم صلى فيها. فلما فرغ دار فيها، وكبر في نواحيها، وحد الله عز وجل. ثم وقف على باب الكعبة، وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعضاظة باب الكعبة، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». «يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب». «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير». «يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم، ابن أخ كريم. قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء». قالوا: لما كان اليوم الثاني. وهذه الجملة تكلم عليها بعض أهل العلم، وأصل القصة ثابت صحيح، وأشار في التعليق إلى شيء من ذلك. قالوا: لما كان اليوم الثاني من الفتح، قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب». ومعناه أن مكة ينبغي أن تبقى محرمة، لا يجوز فيها قتل ولا قتال، وأن ما وقع في عام الفتح هو إذن خاص للنبي صلى الله عليه وسلم لتطهر مكة من الشرك والكفر. وهنا تأتي مسألة: هل نهي النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا -يعني عدم جواز فعل ذلك شرعًا- وإن كان قد يقع قدرًا؟ أم أنه يدور الحكم مع علة وجودًا وعدما؟ قولان مشهوران لأهل العلم، الصحيح الثاني: أن ما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لأجل الشرك والكفر، وإزالته جاز لغيره. فلو قدر -وإن شاء الله لن يكون- أن تسلط كفار ومشركون على البيت، فهل يجوز لأهل الإسلام أن يدخلوا البيت ليطهروه من الشرك والكفر؟ الجواب: نعم، بلا شك، لن نقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحلت لي ساعة من نهار، ولم تحل، ولن تحل لأحد بعدي». إنما «لم تحل، ولن تحل» بمعنى على غير هذا الوجه. وأما أن يطهر بلد الإسلام -ولو مكة- من الشرك والكفر إلى الإيمان والإسلام والسنة، فهذا أمر واجب. قال: وكانت الساعة التي أحلت فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طلوع الشمس إلى صلاة العصر يوم الفتح. ثم أقام صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يومًا بمكة، يقصر الصلاة، ولم يصم بقية الشهر؛ لأنه لم ينو قطع السفر، أقام كذلك لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام وتثبيت الإيمان ومبايعة الناس. وفي هذا دليل أولا على أن السفر ليس له حد وعدد، ليس ثلاثة أيام كما يقول كثير من الفقهاء. وفيه دليل كذلك أن المسافر يجوز له أن يفطر، ولو لم يكن في مشقة تنقل، وسفر إذا كانت المصلحة تقتضي الفطر. وفي تلك الفترة المصلحة تقتضي الفطر؛ لأنه كما ذكر أقام لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام، وكذلك مبايعة. قالوا: في الصحيح، عن مجاشع، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح ليبايعوا على الهجرة، فقال صلى الله عليه وسلم: «ذهب أهل الهجرة بما فيها، ولكن يبايعوا على الإسلام والإيمان والجهاد». ولهذا قال في الحديث الآخر: حديث عائشة وغيرها: «لا هجرة بعد الفتح»، انتهت الهجرة بعد أن صارت مكة دار إسلام. قالوا: بهذا الفتح المبين تم نصر الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وعاد بلد الله بلدًا إسلاميًا، أعلن فيه بتوحيد الله وتصديق رسوله وتحكيم كتابه، وصارت الدولة فيه للمسلمين، واندحر الشرك وتبدد ظلامه. الله أكبر، ولله الحمد، وذلك من فضل الله على عباده إلى يوم القيامة. اللهم ارزقنا شكر هذه النعمة العظيمة، وحقق النصر للأمة الإسلامية كل وقت، وفي كل مكان، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك، أرحم الراحمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين.