الدرس في شرح مختصر السيرة 17، الدرس السابع عشر : وفيه : ( نسب الرسول محمد بن عبدالله ... الذي أخرجته قريش من مكة وتعظيماً للبلد الحرام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن سلسلة نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأجداده مثل عبد المطلب وهاشم وعبد مناف. كما يشير إلى آراء العلماء في نسب قريش وتفرعاته.
يرجح أن قريش ترجع إلى النضر بن كنانة، ونسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان ثابت بالتواتر والإجماع. وما فوق عدنان مختلف فيه بين العلماء.
النبي صلى الله عليه وسلم يتصل نسبه بإسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، واصطفاه الله بهذا النسب ليكون قائد العالمين.
يشرح سبب تقديمة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتعظيم البلد الحرام لزيادة اليقين وكدليل على رسالته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى بكتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم»: قال بسم الله الرحمن الرحيم، نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي هذا فصل في الكلام على نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد اختصر المؤلف رحمه الله هذا الفصل اختصارًا، اختصر به على المفيد النافع المهم الذي يفتقر إليه في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن هاشم. وعبد المطلب هو جد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل إن اسمه شيبة الحمد، وليس اسمه عبد المطلب، وإنما المطلب هو عمه. وكان يمشي مع عمه، وكان قد كان فيه شيء من السواد بسبب مشيه معه، واسمه «عبد المطلب» يعني كأنه عبد، كأنه معبود مربوب بمعنى رقيق لعبد المطلب. ولهذا ذكر ابن حزم رحمه الله وغيره من أهل العلم أنه استثني من الأسماء مما عبد لغير الله «عبد المطلب»، والسبب في ذلك أنه ليس على وجه التعبيد لغير الله عز وجل، وإنما هو من باب الوصف، كأنهم قالوا: هذا عبد لعبد المطلب، يعني رقيق مملوك لعبد المطلب. وإلا فاسمه شيبة الحمد، ولكن هذا لقد اشتهر به، فصار يعرف به. وعبد المطلب هو جد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما مر معنا، وكان له من الأولاد كثير، حتى قيل إن أولاده من الذكور والإناث قرابة ستة عشر ولدًا. وهذا من الأسباب الذي جعل له صولة وكلمة بين الناس في قريش، خصوصًا مع ما أتاه الله عز وجل من المال، ومن شرف النسب، ومن رجاحة العقل. وسأتي معنا إن شاء الله في قصة أصحاب الفيل كيف أنه صار يمثل أهل مكة وأهل قريش وأشرف أهل قريش، لما كان عنده من رجاحة العقل، وكذلك المنزلة العظيمة في أهل قريش. قال: ابن هاشم ابن عبد مناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب. وعبد مناف هو جد عبد المطلب، ومر معنا قبل قليل أن عبد المطلب هو ابن هاشم، والمطلب عمه، فعبد مناف عنده من الأولاد اثنان، وعنده آخران، لكن اشتهر النسب إلى هذين الرجلين. وكما قال أهل العلم: إن أبا هاشم الذي هو اسمه عمرو، وأخوه عبد شمس، إليهما يرجع نسب القرباء، أي الذين ذكروا بأدلة الشرع. وعبد مناف قيل إن أمه من خزاعة، وخزاعة قبيلة يمنية. وسيأتي وجه المناسبة للتنبيه على هذا فيما بعد. قال: ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب ابن فهر. وفهر هذا قيل إن قريشًا ترجع إليه، فهو قريش الذي ترجع إليه قبائل العرب. وهذا قول كثير من أهل النسب، وأنشدوا بذلك بيتًا شعريًا: «قصيّ عمرو كان يدعى مجمعًا، به جمع الله القبائل من فهر». يدلون بذلك أن قبائل قريش كلها ترجع إلى فهر. وهذا القول على تفرق من قال به من النسب، إلا أنه قول مرجوح. والراجح أن قريش ترجع إلى النضر، قال: ابن فهر ابن مالك ابن النضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن إلياس ابن مضر ابن نزار ابن معد ابن عدنان. فالنضر ابن مالك، فالنضر هو الذي ترجع إليه قريش. وكما قال ابن حزم رحمه الله: هذا قول أكثر العلماء والمحققين من أهل العلم. والسبب في ذلك ما جاء من حديث الأشعث بن قيس قريش، فإنه جاء بوضيعة كندة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والحديث عند ابن ماجه وأحمد بإسناد حسنه ابن حجر، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد الخامس. وإن كان بإسناده رجل مجهول الحال، وهو مسلم بن الهيثم، وقيل: ابن الهيظم. إلا أنه قد روي بطرق، أي هذا الحديث له طرق، فكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» من المجلد الخامس، وكذا في «الإرواء». مع أن هذا الرجل كذلك أخرج له مسلم في «الصحيحة». وقد مر معنا أن المجهول إذا أخرج له في «الصحيح» فهذا يدل على أن العلماء انتقوا من أحاديثه ما ظنوا أنه مقبول أو ظنوا أن جهالته لا تضر، كما ذكر ذلك المحققون من أهل علم المصطلح. الشاهد أن الأشعث بن قيس جاء برجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، أنتم منا؟ أو قال: ألستم منا يا رسول الله؟ يريد من أهل اليمن؛ لأن كندة قبيلة من قبائل اليمن. فقال: ألستم منا يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا». ومعنى ذلك أن السبب الذي لأجله قال الأشعث بن قيس هذه المقولة: «ألستم منا يا رسول الله؟» أن أم عبد مناف ترجع إلى خزاعة، وخزاعة قبيلة من قبائل العرب. فأعلمه النبي عليه الصلاة والسلام كون أن أم عبد مناف تنتسب إلى خزاعة لا يعني ذلك أننا نتبعها؛ فالنسب يرجع إلى الرجال لا إلى النساء. ولهذا قال: «لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا»، يعني: لا نتابع أمنا، ولا ننتفي من أبينا، وهو النضر بن كنانة. وبهذا استدل المحققون من أهل العلم إلى أن نسب قريش يرجع إلى النضر، فالنضر بن كنانة هو مرجع قبائل قريش جميعًا. قال: ابن عدنان، إلى هنا معلوم الصحة، وما فوق عدنان مختلف فيه. يعني: إلى هنا معلوم نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصحة ذلك. وما بعد هذا ففيه خلاف. ولهذا فإن العلماء كانوا يكرهون، كما روي عن إمام مالك رحمه الله، ذكر نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما بعد عدنان؛ لأنه شيء لا يعلم بشيء صحيح. وأما إلى عدنان فكما قال ابن كثير: ثابت بالتواتر والإجماع، أي أن نسب النبي عليه الصلاة والسلام إلى عدنان ثابت بالتواتر والإجماع. وأما ما بعد عدنان فهو مختلف فيه. قيل: إن بينه وبين إسماعيل أربعون أبًا، وقيل: سبعة آباء، وقيل: تسعة آباء، وقيل: أكثر من ذلك. المهم أنه لم يرد بشيء صحيح يجزم به. ولهذا كره أهل العلم أن يذكروا نسبًا بعد عدنان. قال: ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل، وعدنان هو الذي ترجع إليه قبائل العرب. فعدنان به يتصل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجميع قبائل العرب، وبإسماعيل. وكما قال: ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل، لا خلاف في ذلك بين أهل النسب، بل وحتى عند أهل الكتاب. فإنه لا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل. ثم قال: ومن ولد إسماعيل، وإسماعيل هو الذبيح على قول الصحيح، خلافًا لما روي في ذلك من الإسرائيليات، ويريده ويطمع به اليهود. والأمر ليس كما ذهبوا إليه، بل الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح. وبإسماعيل يتصل النسب إلى إسماعيل، يتصل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ببني إسرائيل، وبنسب إسماعيل إلى الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ينتسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى جميع بني إسرائيل من الأنبياء وغيرهم. وبهذا يعلم أن الله عز وجل قد اصطفى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرف النسب الذي به يجتمع له أشرف نسب العرب وأشرف نسب العجم. أشرف نسب العرب وأشرف نسب العجم، فاجتمع له شرف نسب بني إسرائيل في إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء والمرسلين. واجتمع له نسبه عليه الصلاة والسلام بعدنان، الذي هو من ولد إسماعيل، وبه يتصل بالعرب. فاجتمع له عليه الصلاة والسلام شرف النسب من الجهتين. فهذا هو الاصطفاء الذي اصطفاه الله عز وجل به، واختاره له بحكمة عظيمة، يكون بذلك قائد العالمين جميعًا له. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، يعني: من جهتي النسب، وكذلك من جهتي الشرف والعطاء من الله عز وجل، بما يقول من أمر الشفاعة يوم القيامة. قال ابن كثير رحمه الله: إن هذا الأمر قد أخبر به أهل الكتاب بما جاء بالتوراة، فذكر ابن كثير رحمه الله أنه جاء بالتوراة في سفر التثنية إصحاح 18 آية 17 إلى 19: أنه جاء ما معناه: «سأقيم لكم من أولاد أخيكم نبيًا، كلكم يسمع له، وأجعله عظيمًا جدًا». فاستدل من هذا ابن كثير رحمه الله على أن ذلك مما بشر به أهل الكتاب وأخبر به. فكان كما أخبر ربنا جل وعلا، يعني: بما جاء في هذا النص من التوراة، إلى صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه مؤيد بواقع ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام، وما أخبر به صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك. قال: ولا خلاف أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولد بمكة عام الفيل، وكانت وقعة الفيل مقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، يعني: حتى يحصل به التعظيم لله عز وجل؛ فإن الناس إذا لم يروا آية من آيات الله الفونية يضعف الإيمان، ويضعف كذلك الخوف من الله جل وعلا، واليقين بما عنده وبما يبعث به رسله. فلما جعل لهم هذه الآية العظيمة، وهو ما وقع لأصحاب الفيل كما سيأتي إن شاء الله، كان هذا توطئة وتقدمة لتهيئة الأمر لمبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وإلا فأهل الفيل نصارى أهل الكتاب، دينهم خير من دين أهل مكة، ولكنهم عندهم شيء من الشرك، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: لأنهم أصحاب أوثان، فنصرهم الله نصرًا لا صنع للبشر فيه، يعني: ما كان بقوة قريش، ولا بشيء من حيلتها، بل كان من الله جل وعلا وحده. قال: تقديمة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أخرجته قريش من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام، حتى يكون بذلك اليقين، وكذلك تكون آية عظيمة عليه، متوطئة ومنفذة له عند هذا الحج. ونكمل إن شاء الله في درس لاحق.