الدرس في شرح مختصر السيرة 18، الدرس الثامن عشر : وفيه : ( قصة الفيل وكان سبب قصة أصحاب الفيل ... وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل قصة أصحاب الفيل وأسبابها، حيث بنى أبرهة الأشرم كنيسة بصنعاء ليصرف العرب عن الحج إلى الكعبة. أحد أهل مكة لطخ قبلتها بالنجاسة، فحلف أبرهة ليهدم الكعبة.
يروي هذا الفصل قصة أبرهة الحبشي الذي خرج بجيش كبير بهدف هدم الكعبة، وهزمه للعرب في طريقه إلى مكة، واستيلائه على أموالهم، ثم مراسلته لأهل مكة لتحذيرهم من نواياه. رد فعل عبد المطلب زعيم مكة كان مهمًا في هذه الأحداث.
يروي هذا الفصل قصة أبرهة الحبشي الذي جاء بهدف هدم الكعبة، ولكن الله أرسل طيرًا تحمل حجارة لتدمر جيشه، وتنتهي القصة بهلاك أبرهة وجنوده. كانت هذه الحادثة إرهاصة لمولد النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا لقدرة الله على حماية بيته الحرام.
يعتبر هذا الفصل قصة أصحاب الفيل حجة على جميع الأمم، حيث ذكرتها العرب وأهل الكتابين والعجم، واستخدمت كعبرة وآية. بهذا يُكمل المؤلف كلامه بتوفيق من الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ومناسبة ذكر قصة أصحاب الفيل أولًا، لما فيها من ذكر آية عظيمة فيها تعظيم الله عز وجل لبيته الحرام الذي فيه ولد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتي دعا الناس إلى توحيد الله جل وعلا، وكذلك ما يتعلق بالمناسك وأمر البيت أن يكون لله جل وعلا وحده. والوجه الثاني، كما سيأتي معنا إن شاء الله، هو ما ذكر من أن ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت في عام الفيل، أي في العام الذي وقعت فيه قصة أصحاب الفيل. وأصل هذه القصة صحيح، دل عليه القرآن، كما في قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إلى آخره. وهكذا أيضًا دلت على أصل هذه القصة بعض الأحاديث الصحيحة، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل أو عن أهل مكة الفيل» الحديث. وهكذا ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «حبسها حابس الفيل» أي عن الناقة. وهكذا جاءت آثار كثيرة عن عبد الله بن عباس، وعن جماعة من التابعين، منهم سعيد بن جبير وغيرهم، رواها ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل والطبري، وهكذا ابن إسحاق وابن سعد، وبعضها صحيح وبعضها ضعيف. لكن بالجملة، فأصل القصة صحيح. وسيذكر المؤلف رحمه الله في سياق هذه القصة خلاصة ما ذكره أهل السير والتاريخ. وكما قلنا: إن أصل القصة صحيح، وبعض تفاصيلها دلت عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب ومن السنة، وبعض تلك التفاصيل مما رويت ببعض الأسانيد الضعيفة والمنقطعة. لكن أصل القصة صحيح، فالمراد هو أصل القصة، والتفاصيل لا تضر كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: وكان سبب قصة أصحاب الفيل، على ما ذكر محمد بن إسحاق، أن أبرهة بن الصباح، وكان عاملًا للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، أي كان عاملًا للنجاشي وملك على أهل اليمن من قبل ملك الحبشة الذي هو النجاشي، ويلقب بأبرهة الأشرم الحبشي. قال: فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة شرفها الله، فبنى كنيسة بصنعاء، وهي كنيسة مشهورة يقال لها القليس. قال: وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب، يعني يصرف العرب إلى زيارة هذه الكنيسة بدلًا من أن يذهبوا إلى الكعبة بيت الله الحرام، وكان نصرانيًا كما هو ظاهر. قال: وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب. فسمع به رجل من بني كنانة، يعني من أهل مكة، قال: فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة، يعني للنجاسة نجاسة الإنسان، لطخ جدرانها لذلك. قال: فقال أبرهة: من الذي أشار على هذا؟ يعني من الذي تجرأ ففعل هذا؟ قيل: رجل من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت. فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، فسأله النجاشي ونقده إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، لم ير مثله عظمًا وجسمًا وقوة، فبعث به إليه. فخرج أبرهة جازرًا إلى مكة، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهادًا وحقًا عليه. وهذا النجاشي ليس هو النجاشي الذي أدركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما يقال لكل ملك ملك الحبشة نجاشي، كل ملك ملك الحبشة يقال له نجاشي. قال: فبعث إليه فخرج براء سائرًا إلى مكة، فسمعت العرب ذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقًا عليهم. فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذو نفر، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذه أسيرًا. فقال: أيها الملك استقني خيرًا لك. فاستحياه وأوثقه، يعني لعلك تنتفع به، وكان قد هم بقتل ذي نفر. قال: وكان أبرهة رجلًا حليمًا. فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، وخثعم قبيلة من قبائل العرب في جهة الطائف، وهي معروفة اليوم بلد معروفة. قال: فرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب، فقاتلوهم فهزمهم أبرهة، فأخذ نفيلًا. فقال له: أيها الملك، إني ذليلك لأرض العرب، وهداني يداي على قومي بالسمع والطاعة، يعني أدعوهم إلى أن يسمعوا لك ويطيعوا. فاستبقني خيرًا لك. فاستبقاه وخرج معه يدله على الطريق، يعني على الطريق إلى مكة؛ لأن الطريق من جهة الطائف متشعبة. قال: وخرج معه يدله على الطريق. فلما مر بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، وثقيف قبيلة من قبائل العرب تسكن الطائف، كما أن خثعم تسكن حول الطائف. قال: فقال له مولى لهم: فخرج حتى إذا كان بالمغمس -والمغمس اسم مكان بين مكة والطائف- مات أبو رغال، أو قال: قبله. فقال: فقال له أيها الملك، نحن عبيتك ونحن نبعث معك من يدلك. فبعث معه بأبي رغال مولى لهم. فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، أو أبو رغال وهو الذي يرجم قبره، يعني له قبر يرجم، كانت العرب ترجمه. ورأى بذلك حديث في قصة أبي رغال، وأنه مات بذلك المكان وصار العرب يرجموه؛ لأنه السبب الذي أدخل عليهم أبرهة الحبشي. والحديث ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، بدأ يحسنه وإن كان له أساني ضعيفة، لكن بشواهده يحسنه رحمه الله تعالى. قال: وهو الذي يرجم قبره. وبعث أبرهة رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن المقصود على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، يعني أمر بأن يغار، بمعنى يؤخذ إبل الناس، النعم يعني الإبل وما يلحق بها. قال: فجمع الأسود إليه أموال الحرم، يعني أموال أهل الحرم من يسكن الحرم، والحرم كما مر معنا في دروس ماضية أوسع من البيت الحرام، بل الحرم أوسع من مكة. فإن مكة تطلق على بنيان حول البيت، وأما الحرم فهو أوسع من ذلك البنيان، له حدود معروفة من الجهات جميعًا وله علامات. قال: وأصاب لعبد المطلب مئتي بعير. ثم بعث رجلا من حمير إلى أهل مكة، فقال: أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال، بل جئت لأهدم البيت. قال: فانطلق فقال لعبد المطلب ذلك. فقال عبد المطلب: ما لنا به طاقة، يعني ليس لنا به قوة. قال: سنخلي بينه وبين ما جاء له. فإن هذا بيت الله وبيت خليل إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به من قوة. قال: فانطلق معي. فانطلق معه إلى الملك، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب. فأتاه فقال: يا ذا نفر، هل عندك غناء مما نزل بنا؟ يعني هل نجد من عندك مخرجًا يغنينا من هذه الفتنة؟ فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشية، يعني من أين يأتيكم المخرج من رجل هو مأسور عند هذا الرجل الذي أتاكم، ولا يدري متى يقتل، هل بالصباح أو بالمساء. قال: ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، يعني سأوسط فأجعل واسطة بيني وبين الملك، وهو هذا الرجل الذي يقال له أنيس، وهو الذي يسوس الفيل، وصادقه في هذه السفرة. قال: فأسأله أن يعظم شأنك عند الملك، يعني يعظم قدرك وحضرتك عند الملك، حتى إذا دخلت عليه أعطاك قدرك، وعند ذلك يقبل كلامك. قال: فأرسل إليه، فقال لأبرهة: إن هذا سيد قريش استأذن عليك، فقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف لأمرك، وأنا أحب أن تأذن له. قال: وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، وكره أن يجلس معه على سريره، وأن يجلس تحته؛ لأن من عادة الملوك أنهم إذا نزلوا منزلًا وضع لهم سرير الملك، ولو كان بخيمة وضع له سرير الملك يجلس عليه، والناس يجلسون تحته. فهو لم يرَ عبد المطلب على هذه الهيئة، هابه وأعظمه، وكره أن يجلسه معه على سرير الملك؛ لأن هذا فيه منافسة له، وهكذا كره أن ينزل إلى الأرض. قال: فهبط إلى البساط، فجلس عليه، وأجلس عبد المطلب معه، والبساط هو الموضع الذي يأكل فيه الملك، أو الذي يرتاح فيه بالنوم أو غير ذلك. قال: فجلس عليه وأجلس عبد المطلب معه، فطلب منه أن يرد عليه مئتي البعير التي أصابها من ماله. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: إنك كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لما قلت: جئت إلى بيتي، هو دينك ودين آبائك وشرفكم وعصمتكم، لأهدمه، فلم تكلمني فيه وتكلمني في مئتي بعير. قال: أنا رب الإبل، والبيت له رب يمنعه منك. فقال: ما كان ليمنعه مني. قال: فأنت وذاك. فأمر بإبله فردت عليه. ثم خرج وأكبر قريش القتال، وأمرهم أن يتفرقوا بالشعاب ويتحرزوا برؤوس الجبال، خوفًا عليهم من معرة الجيش، يعني من شدة الجيش، وكذلك صولته. قال: ففعلوا. وأتى عبد المطلب البيت فأخذ بحلقة الباب، وجعل يقول: يا رب، لا أرجو لهم من سواك، يا رب، فامنع منهم حماك. إن عدوا أو إن عدوا البيت، إن عدوا البيت من عاداك، فامنعهم أن يفرقوا جمعك. وقال أيضًا -وهذه الأبيات تروى في كتب السير، والله أعلم بصحة نسبتها إليه-: لا هم إن المرء يمنع رحله وحلاله، فامنع حلالك. لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرًا محالك. قال: جر جموعهم هم والفيل، كي يسرع عيالك. إن كنت تاركهم وكعبتنا، فأمر ما بدا لك. قال: ثم توجه لبعض تلك الوجوه مع قومه. وأصبح أبرهة بالمغمس، عن الموضع الذي قبل مكة، وهو معروف اليوم، قد تهيأ للدخول وعبأ جيشه وهيأ فيله. فأقبل نفيل إلى الفيل، فأخذ برأسه، ونفيل هو الذي سبق ذكره الخثعمي، فأخذ بأذنه. فقال: أبرك محمود، فإنك في بلد الله الحرام. قال: فبرك الفيل. فدعوه فأبى. فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول. فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. فوجهوه إلى المشرق ففعل ذلك. وصرفوه إلى الحرم فبرك. وخرج نفيل اشتد حتى صعد الجبل. فأرسل الله طيرًا من قبل البحر، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجرين برجليه وحجرًا بمنقاره. فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك. وليس كل القوم أصابت، فخرج البقية هاربين يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فماج بعضهم في بعض يتصادمون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل. وبعث الله على أبرهة داء في جسده، قال: فجعلت تتساقط أنامله حتى انتهى إلى صنعاء، ومثل الفرس، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. ثم أهلك. هذه خلاصة قصة أصحاب الفيل. وكما مر معنا أن فيها آية وعبرة، وهي كذلك توطئة لما سيذكره المؤلف من مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكيف أن الله عز وجل سبق بمبعثه عليه الصلاة والسلام بشيء من الإرهاصات، وكذلك الأحداث التي يكون أن فيها تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، ومعرفة عظمة هذا البيت وقدر الدين عند الله عز وجل، أي دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فتكون بذلك الحجة على العرب جميعًا، بل حتى على أهل الكتابين وعلى العجم؛ لأن قصة أصحاب الفيل لم يذكرها العرب فقط، بل ذكرها اليهود والنصارى، وصار الناس يجعلونها عبرة وآية، ويكتبونها بكتبهم، سواء من العرب أو من غير العرب. وبهذا نكمل ما تبقى بتوفيق الله وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.