الدرس في حلية طالب العلم 17، الدرس السابع عشر:من( 13-التحلي بالرفق ... وأدلة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية التحلي بالرفق في القول والعمل لطالب العلم، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تبرز فضل الرفق وتأثيره في تأليف النفوس وتقريبها. يُشدد على ضرورة أن يتحلى طالب العلم بهذا الخلق في جميع تعاملاته.
ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بالرفق واللطف في التعامل مع الناس، ويجتنب الجفاء والغلظة، ويحرص على آداب التعامل التي تجذب الناس إليه. الرفق يجذب النفوس ويقربها، بينما الشدة تسبب النفور والتفرق.
يجب على المسلم أن يحرص على الرفق في تعامله مع الآخرين، ويجتنب الجفاء والغلظة حتى في العقاب، مستندًا إلى الشرع الذي يرشد إلى التدرج في العقوبات من الأخف إلى الأشد حسب المصلحة. وقد دلت الآيات القرآنية على أهمية الرفق في التعامل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه، قال الملف رحمه الله تعالى: الثالث عشر، التحلي بالرفق. قال: التزم الرفق في القول، مجتنبًا الكلمة الجافية، فإن الخطاب الليّن يتألف النفوس الناشزة، ودَلالة الكتاب والسنة في هذا متكاثرة. يريد أن يلفت الانتباه رحمه الله إلى أن من الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها الرفق. ثم قال رحمه الله: إن الرفق في الخطاب يتألف النفوس الناشزة، والمراد بالناشزة أي المنحرفة النافرة، فيقربها الخطاب الليّن، والعكس كذلك صحيح، الخطاب الجاف قد ينفر النفوس المقبلة فضلًا عن النافرة. والرفق ليس فقط في الخطاب، بل الرفق في القول، وفي العمل، وفي كل شيء. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيح في صحيح مسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة». فلذلك وغيره ينبغي أن يحرص المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص، على الرفق في القول، وهكذا في العمل، وفي سائر خلقه. ففي القول ينتقي العبارات اللطيفة الرفيقة التي يكون بها كسر الغضب، وكذلك التأليف والترغيب. كما قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، كما قال العلماء: إن كان هناك حسن وأحسن، فينتقي الأحسن، ليس فقط الحسن بل الأحسن. فمثلًا إن كان إنسان يدعى باسمه أو بكنيته، فالكنية أحسن، أو بمنصب له يفرح به، لا ينافي دعوته به الشرع، فيدعى بمنصبه: يا مدير، يا شيخ، إن كان شيخ قبيلة أو مدير إدارة، ما دام هذا وصف حقيقي ولا ينافي الشرع. وهكذا كذلك في كل ما كان بمعنى اللطف. وكذلك الرفق واللطف في التعامل مع الناس. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على أهل بيته أي من الليل يسلم سلامًا لا يوقظ النائم ويسمعه اليقظان، هذا من الرفق ومن اللطف. وهكذا كذلك كان إذا صافح عليه الصلاة والسلام لم ينزعه حتى ينزعه من سلم عليه، وهذا من الرفق ومن اللطف. ومن ذلك إجلال الكبير والعالم، ورحمة الصغير، والتقديم الأكبر، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال والآداب التي فيها رفق ولطف يحرص عليها طالب العلم، فإنها من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها. وإذا كان سيحرص على الرفق، فكذلك يحذر ويتحاشى كل ما يوقعه في الجفاء والغلظة. كما قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فإن بغي أن يحرص على الرفق، وفي نفس الوقت ومن باب أولى يجتنب كل ما فيه جفاء وغلظة: جفاء في العبارة، جفاء في التعامل، جفاء في الأمر والنهي، جفاء حتى في العقاب، إن كان هناك عقاب ممكن أن يحصل به المقصود من دون جفاء، فهذا المطلوب. المطلوب هو اجتناب كل ما فيه جفاء، حتى العقاب، فينتقي من العقاب إن احتاج إلى عقاب بما ليس فيه جفاء. ولهذا درج الشرع حتى في العقوبات من الأخف إلى الأشد، فينتقل من الأخف إلى ما هو أشد بحسب ما تقتضيه المصلحة وتندفع به المفسدة. فإذا حصلت خصومة بين الرجل وامرأته، فليس من أول الأمر يكون الشدة والجفاء، ولكن يحاول يدفع بالأخف ثم الأشد. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم بعد أن ذكر قوامة الرجال على النساء وتفضيل الرجال على النساء بالنفقة وغيره، قال سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، فتأمل قوله جل وعلا: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، الوعظ ثم الهجر ثم الضرب، يعني إن احتاج. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمد يده على أحد من نسائه قط عليه الصلاة والسلام. فالشاهد حتى في التأديب يحاول قدر المستطاع أن يجتنب ما فيه جفاء. حتى الصبي «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، إن استطعت أن تفعل عقاب بغير الضرب فهذا أفضل، وإن لم يمكن إلا الضرب فليكن، خصوصًا في الصلاة بعد العشر. وهكذا كذلك في تعاملك مع زملائك في عملك، وفي تعليمك ودعوتك يكون الأصل في هذا التعامل الرفق، ويجتنب كل ما فيه معنى الجفاء والشدة، لأن ذلك يسبب النفرة وكذلك التفرق. النفوس جبلت على قبول الكلمة اللينة والمعاملة الرفيقة اللطيفة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.