الدرس في حلية طالب العلم 19، الدرس التاسع عشر:من( 15-الثبات والتثبت ... وطي الساعات في الطلب على الأشياخ فإن من ثبت نبت ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع أهمية التحلي بالثبات والتثبت لطالب العلم، حيث يساعده على الصبر والتأكد في طلب العلم. طالب العلم يحتاج إلى هذين الخلقين للنجاح في مسيرته العلمية.
يؤكد النص على أهمية الاستمرار في طلب العلم مع التثبت في المعلومات لتجنب الأخطاء ونشر العلم النافع. الثبات يعني الصبر والمصابرة والبحث والتحقيق، وهو السبب الأعظم لحفظ العلم وجمعه.
المقطع يشير إلى اكتفاء المتحدث بما تمت مناقشته حول أهمية الثبات في طلب العلم، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء. يُعتبر هذا الختام إشارة إلى نهاية الحديث حول موضوع الثبات والتثبت.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «الهدف الخامس عشر: الثبات والتثبت. تحل بالثبات والتثبت، لا سيما في الملمات والمهمات، ومنه الصبر والثبات في التلقي، وطي الساعات في الطلب على الأشياء. فإن من ثبت نبت». هذان أدبان من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه. ولما توافق لفظهما أوردهما معًا، وإن كان معناهما مفترقًا ومختلفًا. فالثبات من الصبر والمصابرة والمرابطة، والتثبت من التأكد والتبين. والمعنى أن طالب العلم يحتاج إلى هذين الأدبين في سيره العلمي. الثبات الذي يعينه على الصبر على شدة طلب العلم ومرارته. لأن طلب العلم في شدة، وقد يبتلى به في جوانب كثيرة، من قلة ذات اليد، وكذلك الصبر عن بعض الملذات والشهوات، لأنه لا بد أن يؤثر طريق العلم على غيره. وهذا يحتاج منه إلى ثبات، بينما الناس يلهون في هذه الدنيا في أنواع المباحات، وربما كذلك يسقطون في المحرمات. فهو يصبر نفسه عن المباحات فضلًا عن المحرمات، لعلمه أنه لا يجتمع في طريق العلم معصية وطاعة. وكما يروى الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه قال حين شكا إلى شيخه وكيع سوء حفظه، فأرشده إلى ترك المعاصي، وأخبره بأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاصٍ. شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصٍ وهكذا كذلك المباحات، إذا كان سينشغل بالمباحات فإنه سيفوته طريق الجد والمثابرة والصبر والمصابرة التي بها يحصل العلم. فطريق العلم يحتاج من طالب العلم إلى جد واجتهاد، وهذا لا ينال براحة الجسد. وكما ذكر في تراجم العلماء العجائب في جدهم واجتهادهم وصبرهم ومصابرتهم، حتى إنهم تركوا الأهل والأوطان، وفارقوا الراحة والدعة. وكانت همتهم العالية ونهمتهم العظيمة سببًا عظيمًا في تحصيل العلم. ولا شك أن ذلك على حساب الكثير مما انشغل به الناس. وكذلك لا يخفى علينا ما يحتاجه طريق العلم من أمر المواصلة والاستمرار: مواصلة في القراءة، ومواصلة في الاجتهاد، ومواصلة في الكتابة والتدوين، ومواصلة في الحفظ، ومواصلة كذلك في جمع العلم وتحقيقه وتدقيقه. وغير ذلك كثير مما يؤلم أنه لا يمكن أن يجمع إلا باجتهاد عظيم وبعد عن الراحة والدعة. مما يقتضي من الإنسان أن يكون مؤثرًا العلم وما يتطلبه من جد واجتهاد على حساب غيره من الأشياء الكثيرة التي ينشغل بها الناس. وأذكر هنا أبياتًا كان يرددها كثيرًا شيخنا مقبل الوادعي -رحمه الله تعالى- فيقول: إذا كان يؤذيك حر المصيف ... وكرب الخريف وبرد الشتاء ويلهيك حسن زمان الربيع ... ففعلك للخير قل لي متى وكان يرويه بقوله: فطلبك للعلم قل لي متى. والمعنى أن الإنسان لا ينبغي له أن ينشغل بملذات الدنيا، وكذلك مشاقها بما يصرفه عن الثبات في طريق العلم. وليس الثبات فقط البقاء، ولكن الثبات أن تكون على وتيرة واحدة: وتيرة في الاجتهاد، وتيرة في الهمة العالية، وتيرة واحدة في النشاط والجد الذي عرفت به نفسك وعرفك به الناس. وأما مسألة التثبت، فهو التبين وكذلك التدقيق، سواء في المعلومات كما تقدم، حتى تأخذ العلم بعد بحثه وتحقيقه، فتأخذ الصواب وتترك الخطأ. وكذلك في الأخبار فهو من باب أولى. وكما يروى عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي ونحوه عن الإمام مالك: «لا يكون الرجل إمامًا يقتدى به وهو يحدث بكل ما سمع». ومعناه: لا بد من التثبت. ولا تكون ما تأخذه فتخرجه. أنت تقرأ في العلم الشيء الكثير، ولكن إذا أخرجت فتش في هذا العلم، ولا تخرج إلا النافع الصافي الذي قد حققته وتثبت فيه وتبينت منه. وهذا في العلم وفي الأخبار. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وفي قراءة سبعية صحيحة: «فتثبتوا». فأمرنا بالتثبت في الأخبار والتبين فيها. وكذا من باب أولى العلم أن نتثبت فيه ونتبين حتى لا نأخذ ولا نعطي إلا ما ينفع وما لا يضر. وقوله: «ومنها الصبر والثبات في التلقي». الصبر والثبات في التلقي من التثبت والثبات. فالثبات كما قلنا: الصبر والمصابرة، والتثبت هو البحث والتحقيق والتفتيش والتبين. وكما يروى: «همان لا يشبعان: طالب العلم وطالب المال». فطالب العلم له نهمة لا ينبغي أن تنقطع عنه. وكذلك لا يخفى علينا ما يروى عن بعض الأئمة حين سئل عن دواء لحفظ العلم، فقال: «لم أجد مثل همة طالب العلم ومداومة النظر». فهمة طالب العلم هي السبب الأعظم التي تعين طالب العلم على حفظ العلم وجمعه والاستزادة والاستكثار منه. وأما إذا كان طالب العلم في غفلة وتضييع، فهنا لا يوفق لتحصيل العلم، ويفوته الكثير بغفلته وتضيعه، بينما غيره يجتهد وهو يكون في تلك الغفلة. «وطي ساعات في الطلب على الأشياخ». هذا من الثبات أن تصبر نفسك وترابط على جمع العلم. إن تيسر لك الأشياخ فالحمد لله، تجتهد. وقد ذكر عن عدد من المشايخ أنهم كان لهم في اليوم الواحد أكثر من تسعة دروس أو بضعة عشر درسًا، يقرؤون على المشايخ ويجمعون ويدونون، ثم بعد ذلك ينسخون ويرتبون ما يكتبون. وإن لم يتيسر فبمن حولك من أهل العلم، ولو حتى ببعض الوسائل الحديثة اليوم التي تعين طالب العلم على تحصيل العلم. وما أكثرها في هذا الزمان، وهذا توفيق من الله ورحمة منه ولطف بعباده، لعلمه بضعف الناس في آخر الزمان، وكذلك قلة أسباب التحصيل. وأعين بهذا الأمر، أي وجود وسائل حديثة يمكن أن يستعين بها طالب العلم بتحصيل العلم: صوتيات وكتب وغير ذلك تعين. ثم قال: «فإن من ثبت نبت». يعني إذا ثبت على الخير حصل له الإنبات، بمعنى البلوغ في أعلى درجات العلم. كالشجرة إذا غرست في أرض طيبة ثبتت ونبتت. وكذلك من ثبت في طريق العلم فإنه سيثمر بإذن الله تعالى وينبت، حتى ولو كان أحيانًا يفتر. أهم شيء يثبت، هذا أعظم الأمر ويستمر. ولكل شرة فترة، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولكن ينبغي أن تكون فترته في خير، واجتهاده في خير، حتى لو فتر ما دام في طريق العلم مستمرًا، فيرجى له إن شاء الله أن يعود إلى النشاط والاجتهاد مرة أخرى. يصبر نفسه على الثبات على طريق العلم. هذا من أهم الأمور التي يستعين بها طالب العلم على الإثمار والنبوغ في طريق العلم. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.