حلية طالب العلم  28

حلية طالب العلم 28

الدرس في حلية طالب العلم 28، الدرس الثامن والعشرون:من( وكما لا يليق أن تقول لولدك ذي الأبوة الطينية يا فلان ... من الخضوع الخارج عن آداب الشرع من لحس الأيدي وتقبيل الأكتاف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب التعامل مع الشيخ

يُناقش الشيخ أهمية احترام الطالب لشيخه وآداب التعامل معه، مثل توقير المجلس وعدم انتقاد الشيخ بشكل مباشر. كما يحذر من المبالغة في الاحترام والتأثيرات الأعجمية والطرقية.

تحذير من وساوس الشيطان

يُنبه الشيخ إلى أن الشيطان قد يحرم طالب العلم بأوهام يوردها عليه، ويحذر من الانسياق وراء هذه الوساوس التي تهدف إلى حرمان الطالب من العلم.

مخالفات الصوفية وتجاوزاتهم

يذكر المقطع بعض الممارسات الخاطئة التي يقوم بها بعض الصوفية عند تعاملهم مع المشايخ، مثل تقبيل الركب وأطراف الأصابع، ويشبه هذه الممارسات بما يفعله البوديون والهندوس.

  • 27 جمادى الآخرة 1432هـ - 30/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فاتثمة لما سبق كان كلامنا في الدرس الماضي على أدب طالب العلم مع شيخه. وفي الأدب الثامن عشر رعاية حرمة الشيخ، وذكر رحمه الله قال: «وكما لا يليق أن تقول لوالدك -للأبوة الضينية- يا فلان أو يا والدي فلان، فلا يجمل بك مع شيخك -يعني- تقول يا شيخ فلان أو يا فلان باسمه، ولكن الأدب أن تقول شيخنا حفظكم الله، شيخنا أثابكم الله، ونحو ذلك من العبارات المؤدبة التي تدل على التوقير والإجلال بدون إفراط ولا تفريط». وهكذا كذلك ليس من الأدب أن تنادي الشيخ بكنيته، كما ذكر ذلك بعض مشايخنا، فإن هذا من الجفاء مع الشيخ. قد يكون بعض المشايخ من تواضعه يرضى بهذا أو يطلب هذا، لكن ينبغي أن يكون أدب الطالب أسبق، وكذلك أدبه أكثر. فإن كان الشيخ متواضعًا، فليكن الطالب أكثر أدبًا وإجلالًا، لا يزيده تواضع الشيخ إلا زيادة احترام وإجلال له. فليس من كمال الأدب أن يقال يا أبا فلان أو نحو ذلك مما قد يتعامل به بعض الناس. ولو قال قائل: قد جرى عرفنا بهذا. فيقال: ولو جرى العرف به، فإن وجد عرف أفضل منه فالأفضل مطلوب. ولهذا ذكر عن قريش أنها سادة العرب؛ بما كان من تتبعها لخير الناس من فصاحة اللغة وكمال الأدب، وغير ذلك مما كانوا يأخذونه ويقتبسونه من الناس الذين كانوا يأتون إلى بيت الله الحرام. وكذلك كمال الخير في كل باب هو ظالة المؤمن، وهو الذي يبحث عنه، فلا ينافيه -إن شاء الله- كونه عرف الناس أو جرى به العرف. قال رحمه الله: «والتزم توقير المجلس وإظهار السرور من الدرس والإفادة به». كذلك من الأدب مع الشيخ وتوقيره وإجلاله أن توقر المجلس، وتوقيره بعدم إظهار صوت أو فعل ينافي الأدب مع المجلس ومع الشيخ الذي فيه. وقوله: «المجلس» يشمل ما إذا كان الشيخ موجودًا أو غائبًا؛ لأنه يؤذيه أن تنتهك حرمة المجلس ولو كان غائبًا، فيراعى هذا المعنى. فمن الأدب مع الشيخ أن يرطى للمجلس حقه حتى في غيابه، فيفعل فيه ما يحب في كل ما يتصور فيما يكون فيه إبقاء حرمة الشيخ. فإن كان بما يقال، فلا يقال في مجلسه إلا ما يحب، وإن كان فيما يفعل، فلا يفعل إلا ما يحب، حتى ولو كان في باب النيابة. لو أذن الشيخ أن ينوبه أحد، فليكن من ينوبه ممن يرتضيهم الشيخ، وليكن كلام من ينوبه في حدود ما يرتضيه الشيخ. كل هذا يدخل في معنى إبقاء حرمة الشيخ وإعطاء المجلس وقاره الذي يكون به إجلال الشيخ وحرمته. وتحت هذا تفاصيل كثيرة، لكن في هذه الإشارات ما يدل على غيرها. وقوله: «وإظهار السرور من الدرس والإفادة به»، فإن ذلك أدعى لحصول الفائدة واستمرار الشيخ. وأما إذا أظهر الطالب شيء من الملل والسآمة والضيق والضجر، أو كذلك كونه يعرف هذه الفائدة أو هذا الدرس ونحو ذلك، فهذا ليس من الأدب مع الشيخ أولًا، وثانيًا كذلك سبب لحرمان العلم؛ لأنك لن تحرم هذا الشيء الذي تعرفه فقط، بل ستحرم كل ما عند الشيخ؛ لأنه سيزهد عن إفادتك وسيمل مجالستك. قال: «وإذا بدى لك خطأ من الشيخ أو وهم، فلا يسقط ذلك من عينك». فإنه سبب لحرمانك من علمه. ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالما؟ وهذا كثيرًا ما يكون سببًا في حرمان بعض الناس من العلم. وكما قد قيل: «كفى المرأة نبلًا أن تعد معايبه». النبيل الذي أخطاؤه ومعايبه تعد، وإلا فلا أحد إلا وله خطأ وله عيب. وكما يقال: «الكمال لله». من هذا الذي يدعي لنفسه الكمال؟ لا أحد. فإذا كان كذلك، فلا يمنع كذلك من الاستفادة منه، وكذلك أخذك من خيره وعلمه. وها هنا كذلك معنى آخر، وهو أن الشيطان قد يحرم طالب العلم بأوهام يوردها عليه، والمقصود منها حرمان طالب العلم من الاستفادة من علم هذا الشيخ أو ذاك، سواء شياطين الجن أو شياطين الإنس. وأذكر لكم قصة على وجه الاختصار، المقصود منها التدليل على هذا المعنى الذي قد يقع. أذكر حين كنا عند شيخنا الوادعي رحمه الله رحمة واسعة. كان شيخنا مقبل رحمه الله معتنيًا بعلم الحديث، ولا يعني ذلك أنه ليس عنده علوم أخرى، عنده يكفي أنه أخذ شهادة العالمية من الجامعة الإسلامية. ولا يناه الإنسان إلا وقد درس علومًا كثيرة، بل أخذ شهادتين، ليست شهادة واحدة، بل شهادتين. وقد فتح الله عز وجل عليه في علوم كثيرة، رحمه الله رحمة واسعة. لكنه لحبه لعلم الحديث اعتنى به، وكانت أكثر دروسه في هذا العلم، وله دروس أخرى في بعض العلوم الأخرى. فأذكر أن بعض الطلاب وسوس لهم بعض شياطين الجن والإنس بأن دروس الشيخ ليست فيها فائدة، وأنها معدومة من الفقه، وليس فيها فقه، وأن الشيخ إنما عنده علم الحديث. فدفعت هذه الوساوس والخواطر الشيطانية، وما قد يغذفها بعض المغرضين والجهلة، بعض الطلاب أن يزهد في دروس الشيخ، حتى لا يكاد يرى في درس الشيخ إلا إذا شدد على حضور الدرس، وإذا لم يشدد ففي الغرف. فحرموا أنفسهم علم الشيخ، حتى لو صح قولهم ما استفادوا في علم الحديث، فرطوا في علم الحديث. مرت السنين، فيسر الله بالرحلة إلى أرض الحرمين، والذهاب عند الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. ووافق أن أحد هؤلاء الذين كانوا يزهدون في الشيخ في دروس شيخنا مقبل رحمه الله، أتى إلى درس الشيخ بن عثيمين، حضر جاء بعدي بسنتين. فلما حضر درس شيخنا بن عثيمين رحمه الله، قال: «سبحان الله هذا الشيخ من عثيمين أحاديث ضعيفة وليس هناك علم حديث». وبدأ يزهد ويزهد في دروس شيخنا رحمه الله. وبهذا صار لا يحضر الدروس، وإذا سئل قال: «أنا الآن أسمع شرح الشيخ مقبل على الباعث الحثيث». وأثناء وجوده في دماج، كان إذا سئل: «لماذا لا تحضر درس الشيخ مقبل؟» قال: «أنا أسمع شرح الشيخ من عثيمين على بلوغ المرام»، أو قال: «على زاد المعاد». يعني: عند الشيخ مقبل زهد في علمه، ويسمع للشيخ من عثيمين. فلما وصل عند الشيخ من عثيمين، تذكر أنه لم يدرس عند الشيخ مقبل، وصار يسمع للشيخ مقبل، ففاته الشيخ من عثيمين والشيخ مقبل، كلاهما حرم نفسه من علم الشيخين. فلذلك نحذر مما قد يقذفه بعض شياطين الجن، بل وشياطين الإنس، من مثل هذه الوساوس والخواطر الباطلة، يزهدك في علم الشيخ. خذ العلم من الشيخ حتى لو أخطأ، لا يمنعك هذا الخطأ من أخذ من العلم. قال رحمه الله: «واحذر أن تمارس معه ما يضجره، ومنه ما يسميه المولدون حرب الأعصاب». بمعنى امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل. ومعنى احذر أن تدخل مع الشيخ في شيء يؤذيه، فيحرمك من العلم. لا تضجره بالأسئلة، ولا تضجره بالاعتراضات، ولا تضجره بكثرة الحركة في الدرس، ولا غير ذلك. وأما قوله: «ما يسميه المولدون حرب الأعصاب»، لأن هذه العبارة ليست عبارة عربية فصيحة كما أشار في التعليق، بل وتركيب «مولد» أتى من بعض الأعاجم، فهي عبارة عن كلمة مترجمة عن معنى أعجمي. وقوله: «امتحان الشيخ على القدرة العلمية والتحمل». بعض الناس يضع الأسئلة ليس لأجل الاستفادة، ولكن لأجل امتحان الشيخ، ولهذا ربما يسابق الشيخ في تحضير الدرس، وبعضهم لهم أغراض أخرى سيئة من إظهار شيء من العلم والتشبع بما لم يعطى. فكما قيل: «الشيخ شيخ والطالب طالب». فلو لبس العام لباس الطبيب، هل سيكون طبيبًا؟ ها ما سيزيد نظرة الناس فيه إلا نقصًا. يقال: «مسكين فلان خف عقله، فظن أن لبسه للبس الطبيب سيجعله من الأطباء». وهكذا كذلك المسكين الذي يحضر المعلومات ويظهر للطلاب والأقران أنه عنده معلومات أكثر من الشيخ، بكثرة الاعتراضات والسؤال. ولكن يا شيخ قال فلان كذا، ولكن يا شيخ سمعنا كذا، ولكن يا شيخ. فمثل هذه الأساليب مع ما فيها من حرمان العلم، فيها منقصة لصاحبها في الدنيا وفي الآخرة. وكل ما كان بمعناه من الأذية في باب العلم، فهو يدخل في هذا المعنى الذي ذكره. قال رحمه الله: «وإذا بدأ لك الانتقال إلى شيخ آخر، فاستأذنه بذلك». فإنه أدعى لحرمته، وأملك لقلبه في محبتك والعطف عليك. وفيه فائدة ثالثة؛ لأنه ما دام هو صاحب علم، والغالب أنه -إن شاء الله- صاحب دين، سيكون أنصح لك. فإن كانت النصيحة تقتضي أن تنتقل إلى ذلك الشيخ، نصحك، أو الانتقال إلى شيخ آخر نصحك؛ لأنه يرى ما لا ترى، ويعرف ما لا تعرف، وعنده من العلم والخبرة والمعرفة بالناس وأحوال حملة العلم ما لا تعرف أنت. فلهذه الفوائد الثلاث وغيرها، يستحسن أن يستأذن الطالب شيخه إذا أراد أن ينتقل؛ لأنه أدعى لحرمته، وهو من الأدب معه، وأبقى للمحبة بينهما، ولأنه كذلك قد ينصحك بشيء، سواء في توجيهك للمكان المناسب، أو تزويدك ببعض النصائح، أو إرشادك إلى بعض الأشياء التي تحتاجها، وغير ذلك. قال: «إلى آخر جملة من الآداب يعرفها بالطبع كل موفق مبارك». وفاء لحق شيخك في أبوته الدينية، أو ما تسميه بعض القوانين باسم الرضاع الأدبي. وهذه كذلك عبارة من عبارات المتأخرين: «الرضاع الأدبي». والمراد بالأبوة الدينية، وهي عبارة كذلك محدثة، أي كونه معلمك وشيخك. قالوا: تسمية بعض العلماء له الأبوة الدينية أليق، وتركه أنسب. أليق يعني أحسن من الرضاع الأدبي، ولكنه ليس معناه أنه هو حسن، بل تركه أنسب. فتقول مثلًا: «عالم شيخ»، بمعنى ذلك من العبارات التي تؤدي المقصود. قال: «واعلم أنه بقدر رعاية حرمته يكون النجاح والفلاح، وبقدر الفوت يكون من علامات الإخفاء». لأنك كما تقدم، بحرصك على هذه الآداب والمحافظة على هذه الحرمة، تزداد استفادة، وتزداد من شيخك حبًا، ويزداد لك عطاء، والعكس بالعكس. قال: «تنبيه مهم: أعيذك بالله من صنيع الأعاجم والطرقية والمبتدعة الخلفية». من الخضوع الخارج عن آداب الشرع، من لحس الأيدي وتقبيل الأكتاف، والقبض على اليمين باليمين والشمال عند السلام، كحال تودد الكبار للأطفال. والانحناء عند السلام، واستعمال الألفاظ الرخوة المتخاذلة: «سيدي ومولاي» ونحوها من ألفاظ الخدم والعبيد. وانظر ما يقوله العلامة السلفي الشيخ محمد البشير إبراهيم الجزائري المتوفى سنة ثمانين وثلاثمائة وألف، رحمه الله تعالى، في البصائر. فإنه فائق السياق. وأشار إلى هذا الكتاب الذي ذكر فيه التحذير من هذه الأخلاق الطرقية التي هي من صنيع الأعاجم والمبتدعة من الصوفية وغيرهم. فقوله: «أعيذك بالله من صنيع الأعاجم»؛ لأن هذه الأخلاق ليست من أخلاق العرب، وإنما دخلت عليهم من بعض الأعاجم، فهم الذين اشتهر عندهم تقديس الأشخاص، تقديس الأشخاص اشتهر في العجم، وهو قليل في العرب، ودخوله على العرب إنما كان من العجم. وكثيرًا ما كان يأتي من أهل الهند، ومن كان مثلهم ممن يعبدون الأشخاص ويقدسونهم، من اليهود والنصارى. ولهذا عبدت بعض اليهود عزيرًا، وعبد النصارى عيسى عليه الصلاة والسلام. وقوله: «والطرقية»؛ لأن هذا الذي سيأتي الإشارة إليه من مبالغات وأخلاق أصحاب الطرق الصوفية والباطنية، وهذا هو قوله: «الطرقية»، نسبة إلى الطرق. طريقة الرفاعية، الأحمدية، ونحو ذلك من طرق الباطنية الضالة المبتدعة، وبعضها تصل إلى الكفر، أي بدعها. وقوله: «المبتدعة الخلفية»؛ لأن هذا كله كان عند أهل البدع ممن لا صلة لهم بالسلف، بل هم من الخلف المحرومين من طريق السلف. وقوله: «من الخضوع الخارج عن آداب الشرع»، هذا معنى هذا الخلق المذموم الذي هو مبالغة في الاحترام يفضي إلى البدعة. فالخروج الخارج عن آداب الشرع لها معاني كثيرة، تكون بأقوال، تكون بأفعال، تكون بتصرفات ومواقف. منها لحس الأيدي، يعني المبالغة في التقبيل، وكذلك ومنه طبعًا الانحناء. وأعظم من هذا ما يفعله بعض الصوفية: تقبيل الركب، وتقبيل أطراف أصابع القدمين، والانحناء بمسح اليدين للرجل من أعلى الركبة والشيخ جالس إلى أطراف الأصابع، كصنيع البوديين والهنديين. نفتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلى وأعلم.