الدرس الحادي والثلاثون:من( قوله رحمه الله:ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة*على حذر منها وأمري مبرم ... أن الحياة تفنى وتنقضي وما زالوا يعتبون عليه أي يلومونه فيما يفعل ).
يتحدث هذا الفصل عن التحذير من فتنة الدنيا والتفكر في حال النفس، مشددا على أهمية اليقظة والتحكم في النفس بعيدا عن الاغترار بالدنيا. يُبين أهمية التفكر في قدرة الإنسان على التحكم في نفسه ليلة واحدة.
يشدد هذا الفصل على أهمية العلم النافع والعمل الصالح في إحكام حياة المسلم وتحقيق منفعته الحقيقية يوم القيامة، ويُشبههما بماء الحياة الذي يروي ظمأ الإنسان. يُنبه إلى خطورة الغفلة والانشغال بزخرف الدنيا.
يتناول هذا الفصل شرح أبيات شعرية حول التمني والاقتداء بالصالحين، ويوضح معنى السلامة الحقيقي الذي يكمن في توفيق الإنسان لما فيه خير له في الدنيا والآخرة. يشير إلى أهمية التواضع لله والاقتداء بالصالحين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله: أمنيات، قوله رحمه الله. وهذا التبويب أظنه من بعض الطباع، قال: قوله رحمه الله: ألا ليت شعري، هل أبيتن ليلة على حذر منها وأمري مبرم؟ قال: قوله مبرم، وفي نسخة: محكم. وهذا عكس ما نحن فيه الآن، فنحن الآن ما نبيت إلا وربع ليلة على حذر منها، بل نحن دائما على أمن وطمأنينة إليها. والمعنى أن المؤلف رحمه الله، بعد أن ذكر ما ذكر من التحذير من فتنة الدنيا، ووعظة من أمر الاغترار بها، ذكر هذه الأبيات يريد بها رحمه الله أن يشحذ همة السائر إلى الله سبحانه وتعالى، والطامع في بلاد الأفراح على وجه الخصوص، أن يكون عنده شيء من الوعظ لنفسه والتذكير. ومن ذلك أن يكون على حذر من هذه الدنيا. ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة على حذر منها -يعني الدنيا- على حذر من الدنيا وفتنتها والاغترار بها، وبشيء مما يكون به الفتنة؟ وأمري مبرم، ومعناه: يعني أن الإنسان يتفقد حال نفسه، هل هو على حياة صحيحة أم أنه في غفلة وهو لا يدري؟ أم أنه أحد أولئك الذين تيموا في شهوات الدنيا وصاروا سكارى بزخارفها وفتنها؟ فالإنسان ينبغي أن يبرم أمره ويحكمه. وأكثر ما يبتلى به الإنسان في هذه الدنيا هو ما يمر في فترات من حياته، إن لم يكن كل الحياة، فإنه ربما في بعض الفترات من الحياة تمر به حالات غفلة وأوقات تيه، يكون ذلك بسبب بعض ما يمر به في هذه الحياة الدنيا، تأخذه بزخرفها وشهواتها وشواغلها، حتى الشواغل، تصريفك عن الخير. فصرفك بشواغلها، فيما لو أنصفت نفسك لعلمت أن الذي كان ينبغي لمن يريد أن يبرم أمره ويحكمه أن يكون تصرفه فيه شيء من الحزم. وكذلك الرجل الذي لا يكون معه مثل ذلك السفه، فالإنسان يوم القيامة يندم ويتحسر على لحظات كثيرة مرت به في حياته الدنيا لم يعمرها بما يكون به الدخر يوم القيامة. هذا إذا كان من المحسنين يتحسر، فكيف إذا كان من المسيئين؟ فهو أشد وأشد. قال: ثم قال رحمه الله: وهل أردن ماء الحياة وأرتوي على ضمأ من حوضه وهو مفعم؟ قوله: ماء الحياة، هو بلا شك شريعة الله عز وجل. والمعنى أن من إبرام المسلم لحياته وإحكام مستقبل نفسه المستقبل الحقيقي، أن ينظر إلى ما فيه المنفعة لها الحقيقية، وذلك بالعلم النافع والعمل الصالح. وهذا هو قوله: ماء الحياة. ومعنى أن حياته الحقيقية بالعلم النافع الذي هو من شريعة الله، فإنه إذا ارتوى من ماء الحياة كان ذلك سببا لأن يرتوي من الضمأ الذي به، فيغنيه عن الانشغال بفتنة الدنيا وزخرفها. فالإنسان في ضمأ، إذا لم يرتوي بالماء الطيب ارتوى بالماء الخبيث. الماء الطيب هو العلم النافع والعمل الصالح الذي وفق به بعد العلم النافع. فالإنسان إذا لم يأخذ من هذا المعين، أخذته الدنيا بزخرفها مع جهله وغفلته، فصار أحد المتيمين والسكارى فيها. فكأنه يقول: يا أيها الإنسان، إن مما يبرم به أمرك وتحكم به حياتك أن تعرف المعين الذي ينبغي أن ترتوي منه. فإنك إذا ارتويت من المعين الصحيح، أعانك ذلك على تصحيح حياتك والسير إلى الله وإلى بلاد الأفراح على وجه صحيح. وهذا هو قوله: وهل أردن ماء الحياة وأرتوي على ضمأ من حوضه وهو مفعم؟ أي: وهو ممتلئ. فدين الله وشريعة الله مليئة بالخير، لكن الكثير من الناس في غفلة عن ذلك. قال: ثم قال رحمه الله: وهل تبدو أعلامها بعدما سفت على ربعها تلك السواهي فتعلم؟ قوله: هل للتمني. وقوله: أعلامها، أي: علاماتها. والمعنى في هذا البيت: أي هل يحصل لك أيها الإنسان أن تستفيد مما يمر بك في هذه الحياة الدنيا أن تجعل لنفسك عظة؟ فإن ما يمر بالإنسان مثله في الريح التي تسف التراب على البيت. الربع المراد به الدار، وسفت يعني هبت الريح بالتراب. والسوافي كما أشار في التعليق معنى الريح التي تأخذ هذا التراب. ويريد رحمه الله: هل لك في هذا عبرة فتسلك المسلك الصحيح الذي ينبغي أن تسلكه، فتأخذ من الحوض الذي ينفعك وتترك ما يضرك؟ فهذه الدنيا تسف على الإنسان كما يسف الريح التراب. فالإنسان ينبغي عليه أن يحذر مما قد يضره من أمرها، وأن ينتفع بما ينبغي الانتفاع به. ثم قال رحمه الله بعده: وهل أفرشن خدي ثراعة عتباتهم خضوعا لهم كيما يرقوا ويرحموا؟ قوله: خضوعا، أي: ذلا. والمراد بالذل هنا عبادة الله عز وجل. ومن تواضع لله عز وجل كان أقرب الناس إلى رحمة الله. ثم قال رحمه الله: هل أرمينا نفسي طريحا ببابهم وطير مناي الحب فوقي تحوم؟ قال: يعني رحمه الله أن هذا لتمني أن يصل إلى هذه الحال. ثم قال رحمه الله: فيا أسف تفنى الحياة وتنقضي ودي العتب باق ما بقيتم وعشتم؟ قال: يتأسف رحمه الله أن الحياة تفنى وتنقضي، وما زال يعتبون عليه أن يلومونه فيما يفعل. وكل هذا مراده رحمه الله تعالى فيما فيه أحوال الناس وما يكون به السلامة. فإن السلامة ليس بكلام الناس وبثنائهم بقدر ما السلامة أو ذمهم بقدر ما السلامة أن يوفق الإنسان لما فيه سلامة وصلاحة حياته على الوجه الصحيح، والذي يكون به الخير له في الدنيا وفي الآخرة. طيب، نكتفي بهذا القدر وإلى هنا، والله تعالى أعلم.