الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 90، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الدرس عن حكمة الله في خلق الأضداد في الإنسان مثل الشهوة والغضب، وكيف تؤدي إلى امتحان وابتلاء الإنسان. هذا الامتحان يرفع درجة المؤمنين المتقين ويعاقب الكافرين والفاجرين.
يستدل الدرس بكتاب الله على ربوبيته من خلال الحوادث والتغيرات في الكون، ويبين أن خلق الأضداد يدل على كمال ربوبيته وقدرته. كما يوضح أن الله خلق النوع الإنساني بأربعة أقسام مختلفة ليدل على كمال قدرته.
يناقش الدرس فكرة إنكار وجود الخالق وإرجاع خلق الكون إلى الطبيعة، ويرد عليها ببيان عجز الطبيعة وكونها مخلوقة تحتاج إلى خالق. كما يبرز دلائل الصنعة والإتقان في الكون كدليل على وجود خالق حكيم.
تم اختتام الدرس بنية استكماله في درس لاحق، مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام. هذا الختام يشير إلى استمرارية الدرس وأهمية الدعاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وأيضًا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من هواها وشهواتها محبةً لله وإيثارًا لمرضاته وطلبًا للزلف لديه والقرب منه». وأيضًا فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية. والمعنى: كون فيها خير وشر ومجاهدة، فحصل بهذا امتحان وابتلاء، فيرفع الله عز وجل درجة هذا الإنسان إلى ما هو أعلى من درجة الملك؛ لأن الملك ليس فيه هذا الامتحان والابتلاء، ولأن الإنسان يبتلى بهذه الأضداد، فإذا فاز على شهوة نفسه وعلى الغضب وعلى صفات السوء، فإنه يكون صاحب درجة عالية، بخلاف الذي يفطر ويجبل على الخير والذكر ولا ضد لذلك كالملائكة، فهؤلاء مقربون، ولكن الصحيح أن منزلة صالحي بني آدم أعلى من منازل الملائكة لهذا السبب. قال رحمه الله: «فإن الله سبحانه خلق خلقًا أطوارًا، وخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها، ولا طبيعة تقاضى منها خلاف ما يراد منها؛ يعني فطرت على الخير، ليس لها شهوات ولا طبيعة ولا أضداد، قال: من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة». وخلق الحيوانات ذات شهوات لا عقول لها، وخلق الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة المقتضية لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها، وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب. ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد، والله على كل شيء قدير، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، ولكن لله حكمة في وجود هذه الأضداد ليتحقق الامتحان والابتلاء، فيرفع الله درجات المؤمنين المتقين، ويعاقب بعدله الكافرين والفاجرين. قال رحمه الله: «ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه ومقتضى الربوبية وموجب الإلهية أنه سبحانه وتعالى الرب بحق، فالرب يفعل ما يشاء لخلقه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون». ومن كمال ربوبيته أنه خلق المخلوقات على أصناف مختلفة، منها ما فيه خير محض كالملائكة، ومنها ما فيه شر محض كالشياطين، ومنها ما فيه خير وشر كالجن والإنس، ومنها ما لها عقول، ومنها ما ليس لها عقول، ومنها ما هو حي، ومنها ما هو جماد، كل هذا بمقتضى حكمته سبحانه وتعالى وكمال ربوبيته ومقتضى الإلهية أن يمتحن فيكون له موحدون وبه كافرون ومشركون ومجرمون، وهذا لا يتحقق إلا بوجود هذه الأضداد، فيتميز المؤمن من الكافر والموحد من المشرك والبر من الفاجر. قال: «ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطًا واحدًا لوجد الملحد مقالًا». وقال: «ولو لا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أيضًا مقالًا». وقال: «لو كان لهذا العالم خالق مختار لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادتي واختياره». كما روي عن الحسن أو غيره، قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: جل ربنا القديم، لو لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك في الله: لو كان لهذا العالم خالق لحادثه بينه وليل إجاء نهار، وبينه ونهار إجاء ليل، وبينه وصحو إجاء غيم، وبينه وغيم إجاء صحو، أو نحو هذا من الكلام». والصحيح أن هذا لم يصح؛ يعني لم يصح أنه عن الصحابة رضي الله عنهم، والحسن لم يسمع من الصحابة هذا، إذا صح عن الحسن. وقد أشار رحمه الله بقوله: «روي بهذه الصيغة صيغة التمريض» ما يدل على أنه ينسب إلى الحسن، والله أعلم بصحته. فلو صح نسبته إلى الحسن لكان من المراسيل التي هي من قسم الضعيف، فكيف وهو لم يصح أصلا مسندًا عن الحسن؟ لكن معناه صحيح بغير نسبته إلى الصحابة، وهو الذي أراده الإمام ابن القيم رحمه الله. ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى من كمال ربوبيته جعل هذه الحوادث في هذا الكون وهذه التغيرات، ووجود الأضداد سواء كانت الكونية أو الشرعية. ومن الأضداد الكونية كما مثل رحمه الله: وجود الليل والنهار، والصحو والغيم، ونحو ذلك. ومن الأضداد الشرعية: الإيمان والكفر، وكذلك البر والفجور، والأمانة والخيانة، ونحو ذلك. قال رحمه الله: «لهذا يستدل سبحانه بكتابه بالحوادث تارة، وباختلافها تارة؛ يعني على ربوبيته، إذ هذا وهذا مستلزم لربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات». فالله عز وجل يشهد على ربوبيته بخلق الأضداد: الليل والنهار، والشمس والقمر، والسماوات والأرض، وغير ذلك مما هو من معاني كمال ربوبيته وقدرته. قال: «وهذا مستلزم لربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته». فتنوع أفعاله ومفعولاته من أعظم الدلائل على ربوبيته وحكمته وعلمه؛ لأنه لم يخلق الكون شيئًا واحدًا، وكذلك لم يخلق الخلق بالنسبة لشرعه شيئًا واحدًا، بل خلق من يصلح لرحمته ومن يصلح لعدله وعقابه. قال: «ولهذا سبحانه خلق النوع الإنساني أربعة أقسام: أحدها: لا من ذكر ولا أنثى، وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم». والثاني: خلقه من ذكر بلا أنثى، كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى أو يجتمع عليها بطن. والثالث: خلقه من أنثى بلا ذكر، بخلق المسيح عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وعليه. والرابع: خلق سائر النوع الإنساني من ذكر وأنثى. والمعنى: أن هذا التنوع في الخلق ليستدل به على كمال ربوبيته وقدرته. فالذي خلق من الذكر والأنثى قادر على أن يخلق من غير هذا المعتاد. فمن غير المعتاد خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من أنثى من دون ذكر، وخلق حواء من ذكر من غير أنثى، وخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، فاكتملت معاني ربوبيته. وليس أحد في مخلوقاته يخلق شيئًا من هذه الأقسام الأربعة، بل الله عز وجل كذلك لإكمال معاني ربوبيته يوجد السبب ولا يوجد أثره؛ ليظهر بذلك أنه إذا شاء أوجد السبب ولم يوجد أثره. ولهذا يهب من يشاء إناثًا، ويهب من يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما. فيجعل سبحانه وتعالى الخلق على هذه الأقسام. ومن الذي يستطيع أن يتزوج ويقول: أنا أختار لنفسي ذكورًا دون إناث، وإناثًا دون ذكور، أو كذلك يكون عقيما؟ الله الذي يختار لكل زوج ما يشاء سبحانه وتعالى. وهذا كله لكمال ربوبيته سبحانه وتعالى. وكما نوع سبحانه وتعالى الأمر في خلقه، فكذلك في شرعه سبحانه وتعالى لكمال ربوبيته وألوهيته. قال رحمه الله: «كل هذا ليدل عباده على كمال قدرته ونفوذ مشيئته وكمال حكمته، وأن الأمر ليس كما يظنه أعداؤه الجاحدون له الكافرون به من أن ذلك أمر طبيعي لم يزل هكذا ولا يزال، وأنه ليس للنوع أب ولا أم، وأنه ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلع». هذا قول الملاحدة: «ما هي إلا أرحام تدفع؛ يعني تلد، وأرض تبلع». كأنهم يقولون: هو نظام كوني ليس به دليل على أن هناك خالقًا، بل هذا هو نظام الكون وعادته. وهذا كذب. ولهذا يقال لهم: انظروا كيف خلق الله عز وجل هذا التقسيم البديع، فخلق المخلوقات بتنوع، فليس كل رحم تدفع، بل من الأرحام ما لا تدفع. قال: «وطبيعة تفعل ما يرى ويشاهد». ولم يعلم هؤلاء الجهال الضلال أن الطبيعة قوة وصفة فقيرة إلى محلها، محتاجة إلى حامل لها، وأنها من أدل الدلائل على وجود من طبعها وخلقها وأودعها الأجسام وجعل فيها هذه الأسرار العجيبة. فالطبيعة مخلوق من مخلوقاته، ومملوك من مماليكه وعبيده، مسخرة لأمره، منقادة لمشيئته. ودلائل الصنعة وأمارات الخلق والحدوث وشواهد الفقر والحاجة شاهد عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف بذاتها ونفسها، فضلا عن إسناد الكائنات إليها. ولهذا يقال: لماذا لا تخطئ الطبيعة فتخرج من القرد إنسانًا كما زعمتم أن الإنسان خرج من القرد؟ طيب لماذا لم يتكرر هذا الخطأ؟ فأعطونا في الطبيعة شاهدًا: قرد يعطي إنسانًا، أو إنسان يعطي قردًا. فإذا هذا لم يكن دل على أن ما زعمتموه كذب ومحض افتراء. بل هذا الانتظام الذي يسير فيه هذا الكون بأشياء دقيقة غاية في الدقة، لا يكاد يخطئ، ولا فيه شعرة من الشعيرات. شمس تشرق بانتظام وتغرب بانتظام على طول أيام السنة في الصيف والشتاء وسائر المواسم والأيام. وكواكب سيارة جعلها الله عز وجل تسير بانتظام. وحركة الماء كذلك بانتظام في مده وجزره وترتيبه ونظامه، مع ما جعل الله عز وجل من جمال في كل ما في هذا الكون. هل يمكن أن يكون هذا من دون خالق؟ لو أتيت برسمة لرسام فيها من العيوب ما لا يحصيه إلا الله، ولقلت: هذه الصورة أوجدت نفسها أو أوجدتها الطبيعة، لضحك منك المجانين فضلا عن العقل. فيقول: كيف صورة تصور نفسها، وأنه ليس لها مصور؟ ولما صدق، ولما قبل منك أحد لو ادعيت أن بيتًا بنى نفسه أو بنته الطبيعة، لضحك منك المجانين فضلا عن العقل، ولقالوا: هذا شيء محال. كيف يمكن لبيت أن توجده الطبيعة أو يوجد نفسه؟ فكيف بهذا الكون الواسع العظيم المليء بأنواع الإتقان وبدائع الجمال وغير ذلك من محاسن خلق الله سبحانه وتعالى؟ يقال: إنه وجد صدفة، أو أنه جرت به الطبيعة، أو خلق نفسه، أو غير ذلك من الأكاذيب الباطلة؟ قال رحمه الله تعالى: «وشواهد الفقر والحاجة شاهد عليها بأنها مخلوقة مصنوعة لا تخلق ولا تفعل ولا تتصرف بذاتها ونفسها، فضلا عن إسناد الكائنات إليها». وكل هذا دليل على عظيم حكمة الله عز وجل في مخلوقاته. لهنا إن شاء الله، ونكمل الباقي في درس لاحق، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.