الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 119، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر ابن القيم أقوال الطوائف المختلفة في إيلام الأطفال والبهائم، ورد على من أنكر وقوع الآلام بهم. بين أن أقوال الجبرية والمعتزلة وغيرهم تتنوع في هذه المسألة.
ناقش الشبهة القائلة بأن الأطفال والبهائم لا يدركون الألم مثل الكبار، وبين أن قصور إدراكهم لا ينفي وجود الألم لديهم. أوضح أن العقلاء يدركون الألم بدرجات متفاوتة.
ناقش حقيقة الألم وخلقه، وبين أن إنكار وجود الألم مكابرة، وأن الآلام حوادث لا تتعلق باختيار. كما رد على القدرية الذين ينكرون نسبة الأشياء إلى قدرة الله ومشيئته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام بن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: فصلٌ، عُدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وبيان طرق الناس في ذلك، واختلافهم في إيلام الأطفال والبهائم. وقد مرَّ معنا قريبًا ذكر قول القدرية النفاة كالمعتزلة والرافضة ومن سلك مسلكهم في هذا الباب، وكيف تفسير أهل السنة. وها هنا سيذكر أقوالًا أخرى، ويشير رحمه الله تعالى بشيء من التفصيل كيف دخلت البدع والأهواء والضلالات على الطوائف بسبب أنهم أخذوا عقائدهم من بعض من ضل من أمم الكفر كالمجوس واليهود والنصارى والملحدين من الفلاسفة وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: وقالت البكرية، وهم أتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد البصري، وهذا كما ذكر عندكم في التعليق أنه من أتباع عبد الواحد البصري، وهو من نفاة القدر، قال: إن البهائم والأطفال لا تألموا البتة. والذي حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة، ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفي ذلك، ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه، ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجر الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها، كقول بعض الوثنيين من الهندوس ونحوهم، قال: فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها، فيزعمون أن ما يصيب الحيوانات هو لأن أرواح الشريرين من الإنس انتقلت إليهم. قال: ولا بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين، كل منهما يذهب بخلقه، ولا بقول من يقول: إن البهائم مكلفة مأمورة منهية مثابة معاقبة، وإن في كل أمة منها رسول ونبي، وهذه الآلام والعقوبات الدنياوية جزاء على مخالفاتها لرسولها ونبيها. فلم يجد بدًا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها، وهذا خلاف الشرع والحس. قال: وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجهدوا الضرورة، وأن العلم بخلاف ما ذهب إليه ضروري. والعلم الضروري هو ما لا يمكن دفعه، ما لا يقع عن نظر واستدلال، فوروده وقوعه وثبوته. وكل يرى بعينه ويجد بالحس المشاهد أن كلام هؤلاء باطل، تكذبه جميع معاني الأدلة. قال: ومن أنصف القوم لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جهد الضرورة مع كثرتهم، ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسب ما يدركها العقلاء. وهذا هو وجه الشبهة. وجه الشبهة أن ألم الطفل والبهيمة لا يدرك كإدراك الكبير. لو سألت الصبي بعد أن قطعت يده: هل تشعر ألمًا بعد أن زال ذاك القطع؟ ما تذكر ولا استطاع أن يصف الألم، بخلاف الكبير، فإنه يستطيع أن يصف الألم بدقة، وأن يتذكر ما أصابه من ألم بدقة. وهكذا البهائم، فكون إدراك البهائم والأطفال قاصر لا يعني نفي وجود الألم. وقد التبس عليه مختلط هذا الأمر، وهذه أمور عقلية معروفة تكذب قولهم، أدل كثير كما ذكر رحمه الله. قال: فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به، تألم قلبه وطال حزنه، كثر هم روحه وغمها، واشتدت فكرته في ذلك، وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافع له. وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة. ولذلك كل ما كان الإنسان في قلبه شيء من الرقة كان الألم بالنسبة له أشد؛ لأن حقيقة الألم التي تقع على الجسد ليس كالألم الذي يقع على القلب. فإذا وقع الألم ووصل الألم إلى القلب أثر هذا حسًا على الجسد، فيزيد هذا الألم بما يكون من وصول أثره إلى القلب. ولذلك ينصح الأطباء عند وجود الألم أن يتشاغل الإنسان عن الألم، فإذا انشغل ذهنه وفكره وعقله عن الألم خف هذا الألم وصار هذا الألم أثره أضعف. قال رحمه الله تعالى: ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لهم تلك الآلام كما تحصل للعاقل المميز. فللعقلاء المميزون يتفاوتون في هذا الألم بتفاوت ما يكون من تأثر أذهانهم وقلوبهم. قال: فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون -يعني مصيبون من جهة أن إدراك الألم عند البهائم والأطفال أقل- لا ليس له وجود. قال رحمه الله تعالى: وإن أرادوا أنه لا شعور لها بالآلام البتة، وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة. فإن الواحد منا يعلم بالضرورة أنه كان يتألم في طفوليته بمس النار وبالضرب وغير ذلك. بل أنت ترى في الحال إذا أصاب الألم الطفل أو البهيمة نغزًا، لماذا هذا النغز صرخ وبكى، حتى البهيمة تبكي من شدة الألم. فهذا يدل أن الألم موجود حقيقة، ومنكر ذلك مكابر. قال: وقال الطائفة: كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله سبحانه ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته. وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته، لكن هذا أشد فسادًا من ذلك. فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته، فلابد لها من محدث، إذ وجود حادث بلا محدث محال. والله سبحانه خالقها بأسبابها المفضية إليها، فخالق السبب خالق للمسبب. فإذا أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله مباشرة من غير توسط سبب أصلا، فهذا قد يكون حقًا. وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة فباطل، وهم في الحقيقة إنما أرادوا الثاني ولم يريدوا الأول. فالأول معناه أنهم إذا أرادوا أن الله عز وجل خالق ذلك الألم بغير واسطة، ومعناه أنه لم يخلقه ليحصل حقيقة هذا الألم؛ لأن وجود الألم ليس مقصود لذاته، فهذا حق. وإن مقصود لغيره، مثله مثل الشر، فالله عز وجل لم يخلق شرًا محضًا أبدًا. وكل ما هو بالوجود مما ظاهره الشر فهو باعتبار فاعله ومسببه لا باعتبار خلق الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل خلق هذه المخلوقات بصفاتها لحكمة، وخلق أفعال المخلوقين لحكمة. فالقتل مثلًا، تسليطه على من يستحقه من الظالمين والمجرمين والمعتدين يعتبر عدلًا وشجاعة وقوة، وكذلك أمانة وصيانة. ووقوعه من الظالم على من يستصره ويبغي عليه يعتبر جريمة وبغي واعتداء. فهل نستطيع أن نصف القتل بأنه شر؟ لا، فهو باعتبار فاعله ومسببه يوصف بالخير والشر. ولهذا يقول العلماء: الشر لا يضاف إلى الله أولًا إضافة صفة، وإنما يضاف إضافة خلق. ثم حتى لو أضيف إضافة خلق فلا يضاف شرًا محضًا وإنما شر ليس محض. وهذا هو الواقع، فمن قال: لا يوجد من خلق الله شر، كان كلامه محتملًا للصواب والخطأ. فلو قال: شر محض أصاب، ولو قال: شر مطلقًا أخطأ، ولو نفى الشر كذلك أخطأ. فإذا لابد من التفصيل. وهذا مثله، وهؤلاء إنما أرادوا نفي وجود شيء من الآلام لاعتبار أنها شر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وهذا كذلك مكابرة، نفيهم لذلك نوع من المكابرة. قال: وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرتهم ومشيئتهم البتة فباطل، وهذا الذي أرادوا هؤلاء من القدرية. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، السلام. شكرًا.